سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:14/08/2026 | SYR: 21:51 | 14/08/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


IbnZuhr Sa77a Page

 الأسترالية إيميلي بيتو ترصد عوالم التفكك الأسري
14/08/2026      




سيرياستيبس 


 بين الثلاثينيات والستينيات من القرن الماضي، وفي مدينة ملبورن الأسترالية، تجري أحداث رواية "التائهات" للأسترالية إيميلي بيتو (دار الرافدين، ترجمة رغد قاسم). وبيتو كاتبة وأكاديمية أسترالية متخصصة في مجال الكتابة الإبداعية، وهي ناشطة ثقافية وإنسانية مؤيدة للقضية الفلسطينية. وقد لفتت الأنظار منذ بداياتها الروائية، فحازت روايتها الأولى جائزة ستيلا للكاتبات الأستراليات عام 2014، وحازت روايتها الثانية جائزة مارغريت وكولين رودريك الأدبية عام 2022.

تبدأ رواية "التائهات" بعلاقة الزمالة بين التلميذتين في الصف الثالث، ليلي ابنة الأسرة المتواضعة، وإيفا ابنة الأسرة الثرية، وتروح تنمو شيئاً فشيئاً، حتى إذا ما قامت الأولى بزيارة الثانية في منزلها، وتعرفت إلى والديها وأختيها، وهالها حجم المنزل وسعة حديقته وهامش الحرية المتاح فيه، تخلخل الزيارة توازن حياتها، وتتمنى لو تحظى بفرصة العيش مع زميلتها، بعيداً من منزلها الصغير وصرامة والديها ومحدودية خياراتها.

وهو ما يتحقق بالفعل حين تدعوها إيفا للإقامة معها في منزلها، مما يتيح لعلاقة الزمالة أن تتحول إلى علاقة صداقة، فأخوة بين التلميذتين، بحيث لازمت إحداهما الأخرى كظلها، فوجدت ليلي في إيفا أختها التي لم تلدها أمها. وعثرت الأخيرة في الأولى على شريكتها التي تأنس إليها، وهو ما تعبر عنه بالقول: "نحن نعشق بعضنا... نحن تقريباً أخوات" (ص 166). وإذ تنخرط ليلي في حياتها الجديدة، تقوم برصد نمط العيش في المنزل، وهامش الحرية المتاح فيه، ودرجات التفاعل بين سكانه، وتدون نتيجة رصدها على دفاتر خاصة. فنتعرف معها إلى العلاقات بين أفراد الأسرتين، الطبيعية والفنية، في تحولاتها المتعاقبة، بين الاتصال والانفصال.


 تتألف الأسرة الطبيعية في المنزل من الفنان إيفان ترينثام وزوجته هيلينا وبناتهما الثلاث بياتريس وإيفا وهيلواز. وقد عاشوا معاً حياة مستقرة إلى حد كبير، ولم يؤثر فيها انضمام النحات باتريك إليها، وهو الذي اتخذه إيفان أخاً له، بعد خيبة أمله في إخوته الطبيعيين، ولا التحاق ليلي زميلة إيفا بها. وهو ما لا ينطبق على الآخرين من أفراد الأسرة الفنية الذين ترتبت على انضمامهم للأسرة والتحاقهم بها تداعيات خطرة، نوردها في مكانها.

أما الأسرة الفنية فتتألف من بعض الفنانين والمهتمين بالفن، وهم: يوغو الرسام الفقير الآتي من العمل في رصف الطرق، وماريا الرسامة الجريئة في مثاليتها، وجيروم الرسام المغمور المتحدر من أسرة غنية، ودورا فيسك صاحبة معرض فيرست. وجميعهم من المعجبين بأسلوب إيفان التجريدي والمؤيدين لدعوته الحداثية. لذلك، ما إن يدعوهم وزوجته هيلينا للإقامة معهما بالقول: "أنا وهيلينا ندعوكم جميعاً للمجيء والعيش معنا هنا. نود أن نستقبل مزيداً من الفنانين الضالين، وندعوكم جميعاً لترك وظائفكم والانضمام إلى مجتمعنا. لنعمل ونَعِش جنباً إلى جنب، حتى نتمكن من الاستهزاء ببقية العالم" (ص119)، حتى يلبوا الدعوة دون تأخير.

 مجموعة ملبورن

 هناك، يشكلون مجموعة ملبورن للفن الحديث، ويقيمون معاً، في إطار من التشاركية الاجتماعية التي يؤمن بها إيفان المعارض للرأسمالية، وينخرطون في مزاولة أعمالهم الفنية في المنزل الكبير الذي تُحوَّل أسطبلاته إلى مرسم كبير. وفي هذا الفضاء يعيش إيفان حياته البوهيمية، ويمارس الحرية إلى أقصى الحدود، وتشبع هيلينا رغبتها في الظهور والسيطرة، ويمارس الآخرون حرياتهم بإشراف الزوجين، حتى إذا ما تسربت الاختلافات إلى المجموعة، وصدرت عن بعض أفرادها تجاوزات معينة، تتفكك شيئاً فشيئاً، وتتسبب في تفكيك الأسرة الطبيعية، مما يقلب حياة إيفان وهيلينا رأساً على عقب.


 ولعل ما حدا بإيفان وهيلينا إلى دعوة الآخرين للإقامة معهما هو افتقاد إيفان إلى الإخوة، وحاجته إلى الأتباع في معركته الفنية، من جهة، وافتقاد هيلينا إلى الإخوة بدورها، وحاجتها إلى أن تكون مُحاطة بالآخرين، من جهة ثانية. على أن هذا القرار ستكون له تداعياته الخطرة على بناتهما، لا سيما في ظل انشغال الوالدين عنهن، في الأصل، وعدم إيلائهن الاهتمام اللازم، ذلك أن إيفان قلق، ومتقلب المزاج، وفوضوي، يحبس نفسه في المرسم أحياناً، وينتابه الخمول والنكد أحياناً أخرى.

يغرق نفسه في الشراب، ويكثر من التذمر، مما يجعله غير مؤهل للاهتمام ببناته رغم حبه لهن، من جهة، وهيلينا المنصرفة إلى إشباع رغبتها في التحكم والسيطرة على المحيطين بها، تكثر من التغيب عن الأسرة ملقية بعبء الأمومة على ابنتها الكبرى بيا، ولا تجد الوقت الكافي للاهتمام ببناتها، ولا تتورع عن صفع ابنتها الوسطى إيفا وتعنيفها، ولا تمنح ابنتها الصغرى هيلواز ما تحتاج إليه من الاهتمام، مما يجعل العلاقة بينها وبين بناتها مشوبة بكثير من التوتر وسوء الفهم وعدم الشعور بالأمان، مما يتم التعبير عنه في نهاية الرواية بالقول: "... جلبت ثلاث فتيات إلى العالم، وتركتهن هائمات فيه دون تعليمهن كيف يملأن جيوب مآزرهن بالخبز ليتركن أثراً من الفتات قد يقودهن، في الأزمة، إلى المنزل" (ص352). ولعل هذا ما يفسر أسباب جنوح بعضهن عن سواء السبيل.

 أسباب القطيعة

 إن انضمام الفنانين للأسرة كان من شأنه أن يطيح الاستقرار النسبي الذي عرفته، ذلك أن الابنة الكبرى بيا تنجذب إلى يوغو الرسام الوسيم، وتعترف له بحبها، حتى إذا ما أخبرها أنها بمثابة صديقة أو أخت، تشعر بصدمة نفسية، ما تلبث أن تتعافى منها. والابنة الوسطى إيفا تنجذب إلى جيروم ويبادلها الانجذاب، حتى إذا ما ضبطتهما الأخت الصغرى هيلواز في وضع مريب، يهم الأب بطرد الأخير من المنزل، فتتصدى له ابنته مما يجعله يعدل عن الأمر.


والابنة الصغرى هيلواز التي تعاني التهميش وعدم الاهتمام، وتعبر عن ذلك بتصرفات غريبة، تغار من أختها، وتنجذب بدورها إلى جيروم، مما يجعله موزعاً بين الأختين، فيقوم بالهرب معهما، والسفر إلى لندن. غير أن تعالقه مع الأختين، في الوقت نفسه، يجعل الأخت الوسطى تغضب لكرامتها، وتعود من حيث أتت، ليتزوج هو من الصغرى، ويتخلى عنها لاحقاً ليرتبط بأخرى، وهو ما تكون له تداعياته على هيلواز، فتمرض، وينتهي بها المطاف في مستشفى، وقد فقدت جمالها، وانقطعت عن العالم. والمفارق أن الوالدين ينتظران تسعة أشهر للسؤال عن ابنتيهما.

وهكذا، يتسبب إهمالهما الاهتمام ببناتهما، وعدم "ملء جيوب مآزرهن بالخبز ليتركن أثراً من الفتات قد يقودهن، في الأزمة، إلى المنزل"، في توتر العلاقات بين أفراد الأسرة، ويأتي دخول عناصر جديدة على هذه الوضعية، بفعل انضمام الفنانين والمهتمين بالفن إليها، ليُمعن في التوتر ويؤدي إلى تفكيكها. لذلك، وخلال 30 عاماً من القطيعة بين ليلي وإيفا، تشكل فجوة لا تقوم الرواية بردمها، وتقطعها الرسالة/ الدعوة لحضور معرض الأب الاستعادي، تجري مياه كثيرة تحت الجسر. ينتهي المطاف بإيفان شبحاً، وقد فقد القدرة على التواصل مع العالم.

تدلف هيلينا إلى الـ80 من العمر مرهقة، ونحيفة، ومشتتة العينين. تصبح بيا جدة تعيش مع حفيدتها. تتحول إيفا الجميلة إلى امرأة هزيلة، وتغزو التجاعيد وجهها. تموت هيلواز في المستشفى بعد معاناة من المرض. أما ليلي، راوية الرواية وصديقة الأسرة، فتشعر بالتعاطف مع أفرادها، وتتحرر من غضب قديم على بعضهم، وعتب على بعضهم الآخر، وتعيش مع زوجها الثاني تيم، بعد انفصالها عن الأول ستيوارت، وتزورها ابنتها لوسيندا بين فترة وأخرى.

يستنتج القارئ أن أسباب القطيعة بين الصديقتين القديمتين تعود إلى الظروف الصعبة التي عاشتها كل منهما، والغرق في شؤون الحياة وشجونها. ولعل الدرس المهم الذي يمكن الخروج به من "التائهات" هو أن التيه صناعة بشرية، فتخلي ربي الأسرة عن القيام بواجباتهما الأسرية من شأنه أن يتسبب في تفكيكها، ودخول عناصر غريبة على وضعية غير مستقرة يمعن في زيادة عدم استقرارها.

اندبندنت عربية 


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس