سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:09/10/2026 | SYR: 02:35 | 09/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


  هل تملكون دماغ فوشار من دون أن تعرفوا؟
09/10/2026      

هل تملكون


جلستُ لأكتب هذا المقال بهدوء، فإذا بي أفتح الهاتف لأتأكد من تاريخ تسليمه، تاريخ واحد لا غير. بعد 40 دقيقة وجدت نفسي أنني شاهدت ريل كيف نضع الأيلاينر بثوانٍ، وطاهياً إيطالياً يصرخ لا تضعوا الزيت أثناء سلق الباستا، ثم قطة تلعب مع الطفل وتحميه من الوقوع، ثم بدأت أقرأ قصة خيانة زوجية على لسان الزوج، وفي خضم كل هذا انتظرت كل الإعلانات التي حشرت ذاتها ضمن الفيديوهات، إعلان عن فرشاة أسنان تعمل بالذكاء الاصطناعي وآخر عن "ماستر كلاس" لتعلم شيء لم أعد أذكر ما هو، ثم خبراً عاجلاً استوقفني لثوانٍ ثم غاب عن بالي ما كان فحواه.

أما التاريخ الذي فتحت الهاتف من أجله فبقي هناك، ينتظرني بصبر لم يعد يملكه أحد منا ربما.

وأنت إن كنت قد قرأت الفقرة السابقة وأنت تهز رأسك، وربما تفقدت إشعاراً أو اثنين في منتصفها، فأهلاً بك في نادي "دماغ الفشار"، حيث العضوية مجانية ومتاحة، والجميع هنا ولكن لا أحد منهم يتذكر كيف دخل.
حبات تقفز فوق النار

اسم على مسمى، حبات الذرة الذهبية التي أخذت وقتها من بذرة إلى نبتة إلى عرنوس، وأخذت ما يكفي من التربة وأشعة الشمس وتعاقب الفصول وصولاً إلى تجفيفها، نسيت ربما تاريخ الانتظار الطويل في تكوّنها ونضجها، وما إن تضعها على النار يعيل صبرها وتقفز مخرجة قلبها ومتمددة بعشوائية لا تشبه حبات أخرى، وكأن لكل منها مزاجاً وتاريخاً مختلفاً.

قد نظن أن تسمية "دماغ الفشار" من اختراع "تيك توك"، ولكن المنصة أعادت إحياءها فقط. وكان قد صاغها الباحث الأميركي في علوم الكومبيوتر ديفيد ليفي في جامعة واشنطن عام 2011، ليصف إنساناً اعتاد التنقل الإلكتروني المتواصل بين مهمة وأخرى حتى صار إيقاع الحياة البطيء خارج الشاشة يبدو له بلا طعم، ويحتاج إلى مسرعات تشبه تلك التي تعيش داخل الآلة وتتحكم بعقولنا. والصورة بليغة جداً، فهي تصوّر أفكاراً تقفز كحبات الذرة في مقلاة حامية واحدة هنا وأخرى هناك، ولا شيء يبقى في مكانه أكثر من ثانية.

ومن باب الأمانة العلمية التي لا تُفسد للطرافة قضية، لا بد من التنبيه إلى أن "دماغ الفشار" ليس تشخيصاً طبياً. فمنشورات "مايو كلينك" تذكّر بأنه غير معترف به لدى الجمعية الأميركية لعلم النفس ولا لدى الجمعية الأميركية للطب النفسي. إنه في الواقع وصف لحالة ذهنية وليس لمرض يحتاج وصفة طبية وأدوية وفحوصات، وطبيبك لن يكتب لك إجازة مرضية لأنك شاهدت 300 مقطع قبل النوم.

اندبندنت عربية | هل تملكون


بين الإشعار والتالي... أفكارنا تقفز في مقلاة حامية قبل أن تنضج (موقع بكسلز)
47 ثانية

هذا الرقم الأكثر تداولاً تقدمه أستاذة المعلوماتية في جامعة كاليفورنيا غلوريا مارك التي أمضت نحو 20 عاماً تراقب كيف ينتقل الناس بين الشاشات الذكية. في دراساتها الأولى في مطلع الألفية كان الموظف يبقى على الشاشة الواحدة قرابة دقيقتين ونصف الدقيقة قبل أن ينتقل إلى غيرها. ومنذ نحو عام 2016 صار المعدل 47 ثانية، أما الوسيط فـ 40 ثانية، أي أن نصف فترات الانتباه المرصودة انتهت بسرعة خيالية. وتضيف مارك في كتابها "مدى الانتباه" الصادر عام 2023  فكرة ملفتة اكتشفناها جمعينا لاحقاً "نحن نقاطع أنفسنا أكثر مما يقاطعنا الآخرون. الإشعار يطرق الباب مرة، ونحن نفتحه 10 مرات من دون أن يطرق أحد".

لكن الرقم يقيس الوقت الذي نقضيه على شاشة واحدة قبل الانتقال إلى أخرى، ولا يعني أن للدماغ البشري سقفاً بيولوجياً مقداره 47 ثانية، كما لفت تحليل نشره موقع "سيليكون كانالز" هذا العام. فالقارئ الذي يقرأ رواية في جلسة واحدة ما زال موجوداً، والمراهق الذي يسهر ساعات طويلة أمام لعبة إلكترونية يثبت أن الانتباه لم يمت، لكنه صار انتقائياً وعنيداً ويعرف جيداً أين يريد أن يذهب ليرضي دوبامينه.
ذاكرة السمكة!

لقد كنا وما زلنا نقول عن ذاكرتنا إذا نسينا كثيراً "لدينا ذاكرة سمكة ذهبية".

 هذا الادعاء لطالما ظلم السمكة الذي قلص الإنسان ذاكرتها وجعلها ثلاث ثوانٍ، كما أن الادعاء الشهير بأن انتباه الإنسان تقلّص إلى ثماني ثوانٍ، مصدره تقرير تسويقي لـ"مايكروسوفت" كندا عام 2015. وحين تتبع الصحافي سايمون مايبين أصل الرقم عام 2017، وجده منقولاً عن موقع يدعى "ستاتيستك براين" عجز عن تقديم أي بحث علمي يسنده.

وهكذا أمضينا عقداً كاملاً نقارن أنفسنا بسمكة لم يقِس أحد انتباهها أصلاً. ومن الطريف أن الخرافة انتشرت تحديداً لأن أحداً لم يملك الانتباه الكافي للتحقق منها، كما حصل تماماً مع السمكة على رغم وجود دراسة في جامعة بليموث في إنجلترا عام 1994 تفيد بتدريب أسماك ذهبية لتضغط على رافعة للحصول على الطعام فتعلمت أن تضغط عليها في وقت محدد.
أطفال "السكرولينغ"

أما الطامة الكبرى فتظهر حين تنظر إلى الجيل الجديد، هؤلاء الصغار الذين أصبحت أرواحهم تحترق على نار الشاشات الهادئة. حاول أن تجلس مع طفل اليوم لتسمعه أغنية أطفال مدتها دقيقتين، ستراه يتلمس الشاشة بسبابته وكأنه يحاول طرد ذبابة، يقلّب مقاطع الـ Shorts أو Reels  بسرعة جنونية، لا تلمس الأغنية أذنه حتى يهرع إلى التالية.

لم يعد لديهم الصبر حتى لسماع "قرار" الأغنية ناهيك عن "جوابها"! وكأن الدماغ الصغير صار معتاداً على أن الفكرة واللحظة والبهجة يجب أن تُختصر في ثلاث ثوانٍ فقط، وإلا أُعلنت حالة الملل القاتل.

ولكبح حركة الفوران هذه ومنع انتحار الانتباه مبكراً، تؤكد توصيات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (AAP) على ضرورة منع الشاشات تماماً لمن هم دون الـ 18 شهراً باستثناء مكالمات الفيديو مع الجدة مثلاً، وتحديد ساعة واحدة يومياً فقط للأطفال بين سنتين وخمس سنوات لمحتوى عالي الجودة ومحكوم. كما تقترح أدبيات التربية الحديثة فكرة "الأنشطة بطيئة الدوبامين" كاللعب بالصلصال، أو الاستماع إلى قصص صوتية، أو مراقبة الطبيعة للعودة بدماغ الطفل من حالة "الفشار المقلي" بالزيت المغلي على المنصات، إلى حالة "الذرة المسلوقة"، حيث تنضج الخلية الذهنية بهدوء، وتتشرب المهارة حبة حبة، من دون أن تتفرقع أو تقفز من فوق الإناء!

اندبندنت عربية | هل تملكون

من الشاشات السريعة إلى الأنشطة بطيئة الدوبامين. كيف نعيد دماغ الطفل من الفشار المقلي إلى الذرة المسلوقة؟ (موقع بكسلز)
أرشيف الذعر

مما لا شك فيه أن كل جيل تقريباً ظن نفسه آخر العقلاء على الأرض، واتهم اختراعاً ما بأنه جاء ليقتل التفكير.

ففي محاورة "فايدروس" يروي أفلاطون على لسان سقراط حكاية ملك مصري قديم يعترض على الإله الذي اخترع الكتابة، محذراً من أنها ستزرع النسيان في النفوس، لأن الناس سيتكلون على الحروف المنقوشة خارجهم بدل أن يتذكروا من داخلهم، فيبدون عارفين وهم لا يعرفون. والطريف أننا نعرف اعتراض سقراط على الكتابة... لأن تلميذه استخدم الحروف وكتبه!

وبعد نحو 18 قرناً، في مطلع عصر المطبعة، اشتكى العالم السويسري كونراد غيسنر عام 1545 من وفرة الكتب المربكة والضارة، وطالب الملوك والأمراء والعلماء بإيجاد حل لها، بحسب ما توثقه مؤرخة الكتاب آن بلير من جامعة هارفارد.

وقد جاءت شكواه في مقدمة "المكتبة الكونية"، الموسوعة التي أراد أن يحصي فيها كل الكتب المعروفة في زمنه. رجل يشكو كثرة الكتب، يكتب عنه في كتاب ضخم. كأن التاريخ لا يخلو من حس السخرية!

وكتب الأميركي هنري ديفيد ثورو عام 1854 في كتابه "والدن" سؤالاً ساخراً يقول "إنجلترا تسعى جاهدة إلى علاج عفن البطاطس، فهل من أحد يسعى إلى علاج عفن الدماغ الذي ينتشر على نحو أوسع وأشد فتكاً؟".

بعد 170 عاماً اختارت دار نشر جامعة أكسفورد عبارة "عفن الدماغ" كلمة لعام 2024، بعد تصويت شارك فيه أكثر من 37 ألف شخص، لتصف تدهور الحالة الذهنية بفعل الإفراط في استهلاك محتوى تافه على الإنترنت. العبارة نفسها والقلق نفسه ولم يتغير سوى نوع العفن.
سماعة الأذن تحاكَم

في يوليو (تموز) 1982، صوّت مجلس بلدة وودبريدج في ولاية نيوجيرسي الأميركية بالإجماع على منع استخدام سماعات "الووكمان" أثناء قيادة السيارة وركوب الدراجة، حتى أثناء عبور الشارع سيراً على الأقدام. وكانت الغرامة قد تبلغ 50 دولاراً، والسجن قد يصل إلى 15 يوماً. وسرعان ما صار القرار قضية وطنية، وتقدّم متقاعد يدعى أوسكار غروس لتحدّيه، فوضع السماعات على أذنيه أمام الشرطة وعبر الشارع عمداً، فنال أول مخالفة من نوعها، مع أن سماعاته لم تكن موصولة بأي جهاز. رجل يخالَف لكنه كان يستمع إلى الصمت. أما القانون نفسه فبقي مدفوناً في سجلات البلدة حتى أُلغي كلياً في أبريل (نيسان) 2022، بعدما كان "الووكمان" قد مات ودُفن وصار قطعة حنين في متاجر الأنتيكا وأذهان الأجيال.

الانتفاضة على الآلة الحاسبة

في الرابع من أبريل (نيسان) 1986، روت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية كيف دارت مجموعة صغيرة من أساتذة الرياضيات باللافتات أمام فندقين في العاصمة الأميركية، فيما كان نحو 6000 مدرّس يتنقلون في الداخل بين جلسات المؤتمر السنوي للمجلس الوطني لمعلمي الرياضيات. وسبب الغضب هذا كان بياناً جديداً للمجلس يدعو إلى دمج الآلة الحاسبة في تعليم الرياضيات في كل المراحل الدراسية، في الصف والفروض المنزلية والامتحانات على السواء.

قاد تلك التظاهرة الطيار الحربي المتقاعد جون ساكسون، الذي صار مدرّساً للرياضيات ثم ناشراً لسلسلة كتب مدرسية تقوم على التمارين المتكررة، وكان يرى في الآلة الحاسبة خطراً مدمّراً على مهارات التلاميذ، بحسب ما نقلت عنه "كريستيان ساينس مونيتور".

وروت الصحيفة أيضاً قصة ديان هارفي، مدرّسة الرياضيات الثانوية في بلدة صغيرة بولاية أوهايو، التي شاركت في الاحتجاج وهي تحمل في ذاكرتها يوماً تعطلت فيه آلات الدفع الإلكترونية في المطعم الذي يعمل فيه ابنها، فأصيب الشبان بالهلع لعجزهم عن حساب فواتير الزبائن وكاد المطعم يغلق أبوابه. فلقد كانت تخشى أن "يدمن" تلاميذها الآلة الحاسبة.

خسر المحتجون المعركة، ودخلت الآلة الحاسبة إلى الحقائب المدرسية، وأكمل التعليم طريقه متجاوزاً دور الآلة الحاسبة التي أصبح وجودها بديهياً.

اليوم إذا اضطر شخص أن يحسب فاتورة ما أو أرقام معينة من دون آلة حاسبة مستقلة أو كتطبيق على الهاتف، سيجد نفسه كأنه يتعاطى مع لغة منقرضة.
الآلة تريد شيئاً منك

قد نجد أن كل ذعر سابق كان سخيفاً، وأن ذعر اليوم في الحديث عن كيف حوّلت الآلة دماغنا إلى فوشار متطاير بالتالي سخيف أيضاً، وهو مجرد نوع من الكسل الذهني.

لكن الفرق جوهري، فالآلة الحاسبة لم تكن تريد منك شيئاً، كانت تنتظرك في المحفظة أو الدرج حتى تحتاج إليها، ولم ترسل لك إشعاراً بأن الأعداد الأولية تفتقدك! والكتاب لا يعرف متى مللت منه ليقترح عليك كتاباً آخر، والووكمان لم يكن يعرف أي أغنية تُبكيك أو توقظ حنينك كي يعيدها إليك في الثانية فجراً. أما المنصات التي نحملها في جيوبنا فمصممة بخوارزميات تتعلم ما يشد انتباهنا وتقدمه لنا بلا توقف، وتعزف على سيمفونية قديمة في أدمغتنا إلى القبول الاجتماعي، فيصير كل إعجاب مكافأة صغيرة تستدعي أخرى.

ومع ذلك يبقى الحذر العلمي واجباً. فمعظم الدراسات التي تربط الاستخدام المكثف للأجهزة بتغيّرات في الدماغ أو في الانتباه دراسات ارتباطية، لا تستطيع أن تحسم أي الأمرين سبب وأيهما نتيجة. فهل تشتتنا الشاشات، أم أن الأكثر تشتتاً أصلاً يهربون إليها؟ هذا السؤال ما زال مفتوحاً، ومن يجيبك عنه بيقين تام يكون غير علمي، أو ربما يحاول بيعك دورة تدريبية إما عن أهمية استخدام دماغك، أو العكس لماذا تضيع وقتك بالتفكير في حين هناك من هو قادر أن يعمل عنك.

اندبندنت عربية | هل تملكون


لو لم يكن نيوتن مسترخياً يشعر بالملل كنا ربما لم نعرف الجاذبية وربما كان انشغل بتصوير التفاحة بدل التفكير في سقوطها (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)
صعقة كهربائية

نشر عالم النفس تيموثي ويلسون من جامعة فيرجينيا، مع فريق ضمّ دانيال غيلبرت من جامعة هارفارد، دراسة في مجلة "ساينس" عام 2014 تضمنت 11 تجربة.

حلالها طُلب من المشاركين الجلوس وحدهم في غرفة ما بين ست دقائق و15 دقيقة، من دون هاتف أو كتاب، فقط مع أفكارهم. والنتيجة إنه لم يستمتع معظمهم بالتجربة. ثم أضاف الباحثون زراً يتيح للمشارك أن يصعق نفسه بصدمة كهربائية خفيفة، كان قد جربها مسبقاً وأكد أنه مستعد لدفع المال كي لا يتلقاها ثانية. والنتيجة المرعبة أن 67 في المئة من الرجال و25 في المئة من النساء ضغطوا الزر مرة واحدة على الأقل خلال ربع الساعة. وأحد الرجال ضغطه 190 مرة، فاستبعده الباحثون من الحسابات.

لا تحتاج هذه التجربة إلى شاشات كي تقول ما تقوله، فالناس ضاقوا بالفراغ قبل الهواتف الذكية بزمن طويل. ولكن الجديد أن الهاتف صار الزر الذي نضغطه كي لا نبقى وحدنا مع رؤوسنا.
حين لا نشرد

قبل مدة كتبتُ مقالاً عن نعمة الملل، وعن نيوتن الذي أجلسه الطاعون في حديقة بيته تحت شجرة تفاح، بلا شيء يفعله سوى التحديق. لم يكن معه هاتف. ولو كان لديه لربما صوّر التفاحة ونشرها مع تعليق ظريف، وحصد إعجابات وتعليقات، وخسرنا فهم الجاذبية. ومثله معظم من أبدعوا جاءت اكتشافاتهم في فترة الشرود الجليل.

وفي دراسة نشرها بنجامين بيرد وجوناثان سكولر وزملاؤهما من جامعة كاليفورنيا في مجلة "سايكولوجيكال ساينس" عام 2012، طُلب من المشاركين ابتكار أكبر عدد ممكن من الاستخدامات غير المألوفة لأشياء عادية، ثم مُنحوا استراحة قصيرة.

الذين أمضوا الاستراحة في مهمة سهلة تسمح للذهن بالشرود تحسّن أداؤهم بوضوح حين عادوا إلى المسائل نفسها، مقارنة بمن أمضوها في مهمة صعبة أو في راحة تامة أو من دون استراحة أصلاً. والمثير أن التحسن ارتبط بالشرود نفسه، وليس بالتفكير المتعمّد في المسألة.

يحتاج الدماغ إذاً إلى وقت ضائع كي يطبخ أفكاره، تماماً كما تحتاج حبة الذرة إلى حرارة هادئة كي تنفجر في لحظتها. وهكذا قد تبدو تسمية دماغ الفشار ليست دقيقة فمشكلة دماغ الفُشار أنه لا يترك للحبة وقتاً كي تسخن حتى. وكل فكرة تقاطَع قبل أن تكتمل، وكل لحظة فراغ في طابور ما أو في انتظار المصعد أو في عيادة أو حتى على الإشارة الحمراء تُملأ فوراً بمقطع مدته نحو 15 ثانية. وهكذا نحن لا نفقد القدرة على التركيز بقدر ما نفقد المساحات البيضاء التي كانت الأفكار تتكاثر فيها وتبدع.
ترويض الأدوات

ولكن هل الحل أن نرمي هواتفنا؟ حتى أستاذة المعلوماتية في جامعة كاليفورنيا غلوريا مارك لا تنصح بالقطيعة التامة مع الهاتف ووسائل التواصل، كما قالت في حديث نشرته جامعة كاليفورنيا عام 2024. ويبدو أن التاريخ الذي تمسّك بأفكاره يعلّمنا أن من يقف في وجه الآلة يخسر في العادة، وأن الحظر لا يصنع وعياً، لكنه قد يصنع أشخاصاً مثل أوسكار غروس الذي عبر الشارع بسماعات مطفأة.

كما يعلمنا التاريخ نفسه أن البشر عرفوا دائماً كيف يروضون أدواتهم. فبعد طوفان الكتب الذي أرعب غيسنر، ابتكر العلماء الفهارس والملخصات والموسوعات، وهي أدوات لتنظيم الفوضى وليس لمنعها. ربما لا نحتاج إلى حرب على الشاشة، بل إلى "فهارس" جديدة للانتباه، كأن نعرف متى نفتح الهاتف ولماذا، وأن نترك لأنفسنا جيوباً صغيرة من الملل المقصود، دقائق نحدق فيها في السقف من دون شعور بالذنب، ومن دون الحاجة لصعقة كهربائية.
الحبّات الأخيرة في القاع

في قاع كل وعاء فشار تبقى حبات لم تنفجر، فنعتبرها فاشلة ونرميها. والحقيقة أنها لم تفشل، لكنها لم تُمنح الوقت الكافي. هكذا هي أفكارنا الكبيرة اليوم، ليست ميتة أو فاشلة، هي فقط عالقة في قاع المقلاة تنتظر حرارة صبورة لا تأتي، لأننا نطفئ النار كل 47 ثانية لنتفقد الإشعارات!

وإن كنتَ قد وصلتَ إلى هنا من دون أن تتفقد هاتفك ولو مرة، فتهانينا. دماغك ما زال يعرف كيف يطبخ على نار هادئة. لكنني أعترف أنني تفقدت هاتفي مرتين أثناء كتابة هذه الخاتمة القصيرة!

اندبندنت عربية


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس