سيرياستيبس :
خطاب مازن ديروان، رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، لا يظهر السوق بوصفه أداة إصلاح قابلة للمراجعة، بل عقيدة خلاص اقتصادي، من تحرير واسع ودولة أقل حضورا وأسعار أقرب إلى الكلفة، ورهان شبه مطلق على الاستثمار.
لا يقدم ديروان رأيا قطاعيا محدودا باسم الصناعيين، بل يدافع عن اتجاه اقتصادي كامل، فيرى أن مأزق سوريا ناتج عن تدخل الدولة، وتشوه الأسعار، والحماية الجمركية الكسولة، والدعم الذي يبدد الموارد بدل أن يحفز الإنتاج.
هذه اللغة المنسجمة مع مصالح أضيق شريحة قادرة على الحركة والاستثمار، تتجاهل الواقع الاجتماعي وانهيار الأجور، وتآكل الخدمات الأساسية، فتطالب المواطن بالتكيف مع “الكلفة الحقيقية”، قبل أن تسأل إن كان يملك أصلا دخلا يسمح له بهذا الأمر.
هل تكفي نصف حقيقة اقتصادية كي تفرض كوصفة كاملة على مجتمع منهك؟ وهل يجوز تقديم “الإصلاح” بوصفه شجاعة في مواجهة الدعم والتدخل، بينما هو عمليا يتحول إلى نقل صامت ومنظم للكلفة من الدولة والطبقات القادرة إلى الأسر الأضعف، التي تطالب بدفع ثمن السوق قبل أن تمنح شروط العيش فيه؟
أطروحة ديروان: السوق بوصفه خلاصا
تقوم أطروحة ديروان على عدم إمكانية بناء صناعة حقيقية إذا بقيت الدولة تحدد الأسعار، وتحمي المنتج الضعيف، وتفرض رسوما على مدخلات الإنتاج، وتبيع الكهرباء بأقل من كلفتها.
في مقابلة حديثة، ذهب أبعد من ذلك حين قال إن سوريا دخلت “مسار الثراء”، متوقعا نموا سنويا يصل إلى 50% إذا استمرت سياسات الاقتصاد الحر والانفتاح التنافسي.
خطاب ديروان يلتقط من المشهد الاقتصادي ما يخدم سردية الانفتاح، ويتجاهل ما يجعل هذا الانفتاح هشا ومكلفا اجتماعيا، فتسارع النشاط الاقتصادي أو تحسن مزاج المستثمرين لا يعنيان بالضرورة تحسن شروط عيش السوريين.
كما أن عودة الاندماج التجاري لا تكفي وحدها لبناء اقتصاد عادل إذا بقيت المؤسسات ضعيفة، والأجور منهارة، والخدمات العامة تسعر بمنطق الكلفة قبل ترميم القدرة على الدفع.
أما إعادة تفعيل العلاقات التجارية مع الخارج، فليست نهاية العزلة بقدر ما هي اختبار جديد، فهل ستتحول إلى فرصة لإعادة بناء الإنتاج والمجتمع، أم إلى قناة إضافية لتمرير كلفة الإصلاح إلى الفئات الأقل قدرة على الاحتمال؟
الاندماج التجاري لا يعني تلقائيا تعافيا اجتماعيا، وتدفق الاستثمار لا يعني بالضرورة توزيعا عادلا للمكاسب، واستقرار السعر لا يعني أن المواطن أصبح قادرا على الدفع.
الكهرباء.. المثال الأوضح على قسوة الإصلاح
تصريح ديروان بشأن الكهرباء يلخص فلسفته الاقتصادية بأكثر صورها مباشرة، فـ”الكهربا ما بتنزل من السما”، ولا يمكن، بحسب منطقه، أن تطلب كهرباء 24 ساعة وأن تدفع 5% من كلفتها بينما تتحمل الدولة 95%.
التصريح المتداول أشار أيضا إلى أن الحكومة منحت 300 كيلوواط مجانا أو مدعوما للمشتركين، في محاولة للدفاع عن رفع التعرفة بوصفه ضرورة لا خيارا.
قطاع الكهرباء لا يدار بالنوايا، بل بالوقود والصيانة والشبكات والاستثمار، والجباية، ودعم غير ممول يعني عجزا، والعجز هو تقنين يؤدي لتراجع الإنتاج وارتفاع كلفة كل سلعة، ولكن السؤال ليس فقط هل السعر يعكس الكلفة؟ بل من يتحمل كلفة التصحيح؟ وفي أي لحظة؟ وبأي حماية اجتماعية؟ ومن يملك القدرة على التكيف؟
تعرفة الكهرباء تبدأ بشرائح من 600 ليرة سورية للكيلوواط ضمن حد معين، وتصل إلى 1400 و1700 و1800 ليرة للشرائح الأعلى والصناعية، مع تسجيل فواتير خانقة وصلت في بعض الحالات إلى ملايين الليرات، بما يلتهم جزءا كبيرا من دخل الأسر، بل يتعدى في أحيان كثيرة دخلها.
ليست المشكلة في الاعتراف بأن الكهرباء مكلفة، بل في تحويل هذه الحقيقة إلى سياسة سعرية قبل بناء آلية إنصاف دقيقة.
السوق لا يعمل في فراغ
السوق لا يعمل في الفراغ، ولا ينتج كفاءة تلقائية حين يدفع إلى بيئة محطمة، وسوريا اليوم ليست اقتصادا يخرج من ركود عابر، بل بلد فقد جزءا كبيرا من قاعدته الإنتاجية وقدرته المؤسسية وطبقته الوسطى، فيما اتسعت اللامساواة والاقتصاد غير الرسمي.
في مثل هذا السياق، يصبح إطلاق السوق بلا ضوابط اجتماعية أقرب إلى اختبار قاس للمجتمع منه إلى برنامج تعاف متوازن.
البنك الدولي توقع نموا متواضعا لسوريا في 2025 لا يتجاوز 1% بعد انكماش 1.5% في 2024، مشيرا إلى تحديات أمنية، وقيود سيولة، وتوقف مساعدات، وصعوبات في الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.
الأهم أن التقرير أشار إلى أن الناتج المحلي انكمش بأكثر من 50% منذ 2010، وأن نصيب الفرد من الدخل القومي هبط إلى 830 دولارا في 2024، مع وقوع ربع السوريين في فقر مدقع وثلثين دون خط فقر البلدان متوسطة الدخل الأدنى.
هذه الأرقام تضع سقفا أخلاقيا وسياسيا لأي خطاب عن “الثراء” الذي تحدث عنه ديروان، فالنمو من قاعدة منخفضة يكون سريعا حسابيا، لكنه لا يصبح تنمية إلا إذا انعكس على الأجور والخدمات والغذاء والسكن والصحة والتعليم، وإلا فهو نمو في الجداول، لا في البيوت.
الاستثمار لا يساوي العدالة
حتى عودة الاهتمام الخارجي لا تكفي لتبرئة خطاب ديروان من انحيازه، فالأرقام الخاصة بالتجارة أو الاتفاقات الأولية لا تقول شيئا حاسما عن طبيعة الاقتصاد الذي يتشكل، فمن يملك حق الدخول إلى هذه الفرص؟ من يحدد شروطها؟ ومن سيدفع كلفتها الاجتماعية؟
تحويل أي تدفق تجاري أو استثماري إلى دليل على صحة الانفتاح هو اختزال مضلل؛ فالسوق المفتوح، في بلد منهك وضعيف المؤسسات، يتحول بسهولة إلى مساحة لتركز الثروة، لا إلى مسار تعاف عادل، وما يقدم بوصفه “فرصة استثمارية” يصبح، من دون رقابة ومساءلة وعدالة ضريبية، قناة جديدة لإعادة توزيع المكاسب نحو الأعلى، وترك الخسائر في الأسفل.
الاستثمار، في ذاته، ليس فضيلة اجتماعية، فيبني أبراجا دون أن تظهر طبقة وسطى، كما يعيد تشغيل منشآت ولا يضمن أجورا لائقة، ويفتح السوق أمام رساميل كبيرة، بينما تسحق الورش الصغيرة تحت ضغط الكهرباء والتمويل والمنافسة المستوردة.
في هذا الظرف يجب أن تكون الدولة حاضرة، لا كجهاز تسعير بيروقراطي قديم، بل كمنظم للمنافسة، وحام للمستهلك، وضامن للعدالة الضريبية، وممول للخدمات الأساسية.
الفجوة الإنسانية.. ما لا يراه خطاب رجال الأعمال
في أيار 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه خفض مساعداته الطارئة في سوريا من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفا، وأوقف برنامج دعم خبز كان يساعد أكثر من 300 مخبز ويوفر خبزا مدعوما لما يصل إلى أربعة ملايين شخص يوميا، وأوضح البرنامج أن 7.2 ملايين سوري ما زالوا يعانون انعداما غذائيا حادا، بينهم 1.6 مليون في حالة جوع شديد.
حين يكون ملايين الناس تحت خط الفقر يصبح رفع أسعار الكهرباء أو تحرير الاستيراد أو تقليص الدعم قرارات ذات أثر طبقي مباشر، فالسوق هنا لا يختبر “الكفاءة”، بل قدرة الأسرة على البقاء.
ضد الوهمين
المشكلة في خطاب ديروان في جوهر ما يطرحه، فهو يختزل الأزمة السورية في فائض تدخل حكومي ونقص حرية سوقية، متجاهلا أن المجتمع لا يقف على أرض متساوية عند لحظة “التحرير”، فحين تطرح السوق كحل شبه وحيد، من دون حماية اجتماعية فعلية ولا مؤسسات قادرة على ضبط الاحتكار والفساد وتفاوت القوة، يصبح الإصلاح اسما ناعما لعملية أكثر قسوة، فنقل المخاطر من الدولة إلى الأفراد، ومن رأس المال إلى العمل، ومن القادرين على التكيف إلى من لا يملكون كلفة التكيف أصلا.
التحرير غير المنضبط لأسعار الطاقة والتجارة والاستثمار لا يصنع اقتصادا حديثا، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل السوق لمصلحة الأقوى من كبار المستثمرين والمحتكرين الجدد.
أما الفئات الأضعف، من أصحاب الورش الصغيرة إلى الأسر محدودة الدخل، فتدفع إلى الهامش باسم الكفاءة، وتطالب بالصبر على نتائج لا تملك أدوات الوصول إليها.
عبارة “الكهرباء لا تنزل من السماء” وفق تعبير ديروان تختصر القسوة الرمزية لهذا الخطاب؛ تحويل حقيقة فنية عن كلفة الخدمة إلى موعظة اجتماعية موجهة لمن لا يملكون هامش الاختيار.
السوري لا يعترض لأنه يجهل أن الكهرباء مكلفة، بل لأنه يطلب منه دفع كلفة لم يشارك في صنع شروطها، ولم يحصل بعد على دخل أو خدمات أو حماية تجعله قادرا على احتمالها.
سوريا الغد


