سيرياستيبس
لن تكون تجربة سوريا في العدالة الانتقالية الأولى عالمياً لكنها حتماً الأكثر تعقيداً، ومع اكتمال تشكيل مجلس الشعب الجديد الأول بعد سقوط نظام المخلوع، يبرز دوره في وضع الإطار التشريعي الحاسم لتحديد ملامح المسار القضائي.
ومع غياب السلطة التشريعية ظل ملف العدالة يفتقر إلى إطار قانوني منظم، وهو ما يضع المجلس الحالي أمام تساؤل الشارع السوري: هل سيكون البرلمان بوابة سوريا نحو العدالة؟
ورغم الآمال المعقودة، يبقى الطريق محفوفاً بالتحديات السياسية والميدانية، في وقت يترقب فيه الشارع السوري خطوات ملموسة لضمان العدالة وإنصاف الضحايا.
وفي هذا التقرير، نستعرض دور المجلس في قيادة ملف العدالة الانتقالية، وأبرز العقبات التي تواجهه، إلى جانب تسليط الضوء على المطالب المباشرة للمعتقلين وعائلاتهم.
"العدالة تبدأ بإنصاف الناجين" وتشكل روايات الناجين البوصلة الحقيقية التي تمنع أي تراجع عن كشف الحقيقة الكاملة، إذ يقول المعتقل السابق، سنان آل رشي، لموقع تلفزيون سوريا أنه قضى في الاعتقال ثلاثة عشر عاماً وثلاثة أشهر، وتنقل خلال هذه السنوات بين العديد من السجون والأفرع الأمنية، ما جعله شاهداً على جزء كبير من معاناة المعتقلين في سوريا.
وأشار إلى أن العدالة ليست محاكمة الجلادين فقط، وإن كانت محاكمتهم ومحاسبتهم جزءاً أساسياً منها، فهي تبدأ من كشف الحقيقة ومعرفة مصير جميع المفقودين، و إعادة الحقوق إلى أصحابها، وعدالة التمثيل السياسي، و محاسبة جميع المسؤولين عن القتل والتعذيب والإخفاء القسري وفق قوانين واضحة تتناسب مع حجم ما ارتكبوه، بالإضافة إلى جبر ضرر ذوي المفقودين، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم، وأن يُعامل الناجون باعتبارهم أصحاب حق وشهوداً على الحقيقة،ـ مؤكداً أن العدالة لا تقوم على الانتقام.
وتابع أن الجميع ينتظر أن تكون الخطوات أكثر وضوحاً من هيئة العدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، سواء من حيث الاستقلالية أو الإنجاز الفعلي، معتقدا أن تحقيق عدالة كاملة سيكون أمراً بالغ الصعوبة لأن حجم الجرائم هائل والتحديات كبيرة.
وحول تطلعاته من مجلس الشعب، بين آل رشي أنه يطالب المجلس بجعل ملف المعتقلين والمفقودين أولوية وطنية وتشريعية قصوى، والعمل على إصدار قوانين تضمن كشف مصير جميع المفقودين، وحفظ حقوق ذويهم، وجبر ضررهم، مع ضمان استقلالية المؤسسات العاملة في هذا الملف، متمنياً إشراك الناجين وذوي المفقودين بفعالية في صياغة التشريعات والسياسات المتعلقة بقضيتهم.
"إصلاح القضاء حجر أساس" واتساقاً مع هذه المطالب الإنسانية، تتقاطع الرؤية الحقوقية مع تطلعات الناجين لتؤكد أن تفكيك التحديات المعقدة يبدأ من بوابة التشريع، إذ تبين الناشطة الحقوقية المعنية بقضايا الأطفال المعتقلين، وجد قدور، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن العدالة الانتقالية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلم الأهلي ورأب الصدع بين مكونات المجتمع السوري.
وأشارت إلى أن المطلوب من مجلس الشعب هو تشكيل لجنة مشتركة تضم (نوابا، وقضاة مستقلين، وخبراء حقوق دوليين، وممثلين عن المجتمع المدني، والضحايا) لصياغة مسودة متوازنة تستند إلى تجارب دولية ومبادئ حقوق الإنسان مع مراعاة الفروق بين مجتمعنا وعاداته وتقاليده.
كما دعت قدور إلى صوغ قانون لحماية الشهود، وحماية خصوصية الضحايا، وسرية التحقيقات، وتنظيم العمل الإعلامي والتشدد بضبط قنوات التواصل الاجتماعي حفاظا على خصوصية الضحايا وحمايتهم وبرامج التعويض، مبينة أن الأهم من وجهة نظر أهالي الضحايا معرفة آلية اعتبار المفقودين شهداء وما هي المعايير التي تنظم هذا الشأن.
وتابعت أن أولوية المجلس حالياً يجب أن تبدأ بإصلاح القضاء لأنه النقطة الأهم لانطلاقة صحيحة، ثم صياغة قانون حماية الشهود والضحايا، وآلية التعامل مع المجرمين وقضاياهم، إلى جانب معرفة المعايير التي تفصل بين العقاب والمسامحة ومن سيحددها، لأننا اليوم بأمس الحاجة للفصل بين الحالتين.
وأوضحت قدور أنه دون مجلس الشعب لن يكون هناك عدالة انتقالية، لأنه تقع عليه مسؤولية سن القوانين التي تنظم عمل الهيئتين المستقلتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، مبينة في الوقت ذاته أنه لا يوجد رضى كافٍ من قبل أهالي الضحايا عن مسار العدالة الحالي.
وأكدت أنه يجب حماية سوريا من التحول إلى "غابة لتصفية الحسابات والانتقامات العشوائية"، معتبرة أن ذلك مرهون بسيادة القانون وتفعيل القضاء العادل، ومشددة على أن المسؤولية الوطنية والإنسانية تستدعي إنصاف المتضررين وتضميد جراح الشعب السوري دون الوقوع في فخ العقاب الجماعي.
الشرعية التشريعية والمشاورات الإلزامية وتلافياً لخطر انزلاق البلاد نحو فوضى تصفية الحسابات وغياب سيادة القانون، تبرز الحاجة التشريعية والإجرائية، إذ يؤكد المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، أن ملف العدالة الانتقالية بشقيه المحاكمات والمفقودين يعد من أهم الملفات المرتبطة بالضحايا السوريين والانتهاكات، لذلك يجب العمل عليها سريعاً، لا سيما مع خروج تظاهرات في محافظات عدة تطالب بالإسراع في هذا الملف والضغط لإصدار قانوني "العدالة الانتقالية" و"المفقودين" لتنظيم عمل الهيئتين، ولضمان حقوق الضحايا، أي تحديد صفة المفقود وما يترتب على ذلك، وتحديد الجهات التي يجب محاكمتها. وأشار في حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى أن المطلوب الرئيسي من المجلس هو الانخراط في مشاورات مجتمعية واسعة، نظراً لكونه مجلس غير منتخب ولا يمتلك صفة تمثيلية في الشارع، فكل نائب يمثل محافظته. وشدد على ضرورة التشاور مع أهالي المفقودين والمعتقلين، وروابط الضحايا، والحقوقيين، ومنظمات المجتمع المدني، والخبراء القضائيين، لفهم الصورة الشاملة ومراجعة مسودات القوانين، ضارباً المثل بملف "جبر الضرر"، حيث تعجز الدولة عن دفع تعويضات نقدية رغم معاناة العائلات التي فقدت معيلها، مما يتطلب طرح بدائل كتوظيف أبناء المعتقلين المستوفين للشروط، فهذه الخطوات يجب اتخاذها قبل التصويت على مشاريع قوانين العدالة الانتقالية والمفقودين. وعن معوقات المسار، لفت العبد الله إلى أن سن القوانين ليس معياراً كافياً لنجاح العدالة الانتقالية، طالما أن السلطة ما زالت ترعى كبار "الشبيحة" والمستفيدين من النظام المخلوع، وتمنحهم إعفاءات سياسية دون إشراك هيئة العدالة الانتقالية أو وزارة العدل، موضحاً أن هذه الإجراءات تتم عبر تسويات مالية مع الصندوق السيادي أو هيئة الكسب غير المشروع، مغفلةً الجرائم الجنائية المرتكبة، وهو ما يشكل القلق الأساسي من بقاء القوانين حبراً على ورق.
واختتم العبد الله حديثه بالإشارة إلى أن المصالحة وجه من أوجه العدالة، لكنها تأتي عقب المساءلة، والكشف عن مصير الضحايا، ومحاكمة كبار المسؤولين، محذراً من أن فتح باب المصالحة دون عدالة سيؤدي إلى تأجيج الوضع، لكون الأهالي يرونها غطاءً للعفو عن الجرائم. وأكد أن يجري مراقبة طبيعة المحاكمات الجارية لمعرفة ما إذا كانت ستطال أعداداً أكبر من المتورطين، أم أنها رمزية لشخصيات مشهورة إعلامياً ارتبطت أسماؤها بالانتهاكات، مثل عاطف نجيب أو وسيم الأسد أو بدر الدين حسون، و بانتظار الانتقال إلى إجراءات عدالة حقيقية وفعالة، فالبعض يصف هذه المحاكمات بـ"استعراضية".
مخاطر غياب الرقابة البرلمانية ولقطع الطريق أمام محاولات منح الإعفاءات السياسية وتحويل الإجراءات الجنائية إلى محاكمات استعراضية، يتطلب المسار سد الثغرات القانونية بربط القوانين الوطنية بالمعايير الجنائية الدولية، إذ يقول القانوني المتخصص في جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، ياسر شالتي، لموقع تلفزيون سوريا، إن " أول إنجاز تشريعي مفترض هو إقرار قانون العدالة الانتقالية متضمناً باباً خاصاً بالجرائم الدولية مثل: اعتماد التعاريف الواردة في القانون الدولي العرفي، كما يفضل الاستفادة من نظام روما الأساسي حتى لو لم تكن سوريا طرفاً فيه، لأنه المرجع الأكثر استخداماً في صياغة هذه الجرائم، و بالتوازي معه يجب تعديل قانون العقوبات لإدراج هذه الجرائم بصورة صريحة، ليصبح لدى القضاء الوطني أساس قانوني واضح للمساءلة، و ليحدد العلاقة بين القضاء العادي والمحاكم أو الدوائر المتخصصة". وتابع أنه يجب وضع قواعد للاختصاص الزمني لتمكين ملاحقة الجرائم السابقة استناداً إلى أن هذه الجرائم كانت مجرمة أصلاً بموجب القانون الدولي العرفي وقت ارتكابها وهو ما أخذت به محاكم دولية ووطنية عديدة. وأكد على ضرورة إنشاء دوائر أو محاكم متخصصة، تضم قضاة ومدعين عامين مدربين على القانون الجنائي الدولي، مع توفير برامج لحماية الشهود والضحايا، مبيناً أن هذه الخطوات يختص المجلس التشريعي بالقيام بها وليس وزارة العدل أو أي جسم تنفيذي آخر.
وحول امتلاك مجلس الشعب الصلاحيات اللازمة لسن تشريعات في ملف العدالة الانتقالية، أوضح شالتي أن المجلس التشريعي يمتلك بالفعل هذه الصلاحيات، لكنها يجب أن تكون مقيدة بمبدأ المساءلة. وأكد أنه ليس من حق المجلس العفو عن أي جرائم توصف بأنها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، أو العفو عن مرتكبيها أو المحرضين عليها، لكون هذا الحق حصرياً للضحايا، ولأن هذه الجرائم تمس الإنسانية جمعاء كما جاء في توصيفها الدولي، بالتالي، لا يملك أحد حق إسقاط التهم عن المتورطين فيها، بينما تنحصر صلاحيات المجلس في إنشاء الآليات والتشريعات الضرورية للوصول إلى عدالة انتقالية فعالة.
وأشار إلى أنه في حال تعطيل السلطة التنفيذية لقوانين العدالة أو الالتفاف عليها، تكمن هنا خطورة حدود صلاحيات هذا المجلس التشريعي، رغم أنه معين وغير منتخب من الشعب (ولهذا يشار إليه باسم مجلس التشريع أو المجلس التشريعي). وبحسب ما جاء في الإعلان الدستوري، فإن المجلس لا يمتلك صلاحية مساءلة ومحاسبة السلطات التنفيذية في حال ارتكابها الانتهاكات المذكورة سابقاً، وهو ما وصفه بـ"الخلل الكبير" في بنيان العدالة.
شروط النزاهة القانونية ولضمان ألا تقع المنظومة التشريعية القادمة في فخ الانتقائية، لفت شالتي إلى أنه ليكون مسار العدالة شاملاً، وغير طائفي، وغير مسيس، يجب على المجلس أن يعيد تشكيل هيئة العدالة والأجسام الخاصة بها بمرسوم جديد ينص على ملاحقة ومحاسبة كل من ارتكب انتهاكاً بحق الشعب السوري من أي طرف من أطراف النزاع، مشيراً إلى ضرورة رفض المرسوم الرئاسي السابق الذي شكل هيئة العدالة الانتقالية وحصر صلاحيتها صراحةً بالجرائم المرتكبة من قبل النظام المخلوع فقط، علماً أن هناك العديد من الأطراف الأخرى التي ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق السوريين.
و طالب المجلس بضرورة صياغة وتنفيذ كافة آليات العدالة والتحقيق وفقًا لـ"النهج القائم على الضحية"، وضمان تمثيل المتضررين مباشرة عبر روابطهم المستقلة، مبيناً أن هذا النهج يعد مبدأً أصيلاً يضع حقوق الضحايا، واحتياجاتهم، وكرامتهم في قلب تصميم آليات العدالة، بدلاً من التركيز التقليدي المحصور في معاقبة الجناة أو تحقيق الاستقرار السياسي، ومؤكداً على وجوب الاعتراف القانوني بمعاناة المتضررين، وتجاوز الاستماع لشهاداتهم إلى دمجهم بفعالية في المسارات كافة.
مشددًا على حتمية حماية مسارح الجريمة في سوريا من الانتهاك الإعلامي، وإشراك الضحايا في صياغة القوانين، لافتاً إلى ضرورة كشف الحقيقة الكاملة للانتهاكات، وتحديد المسؤولين عنها، ومعرفة مصير المفقودين كحق أصيل لا يمكن التنازل عنه. ويتلازم هذا الحق مع مبدأ عدم التمييز المطلق بين الضحايا، بناءً على قاعدة أن "الضحية ضحية والمجرم مجرم" أياً كان انتماؤه السياسي، أو الديني، أو القومي.
المرحلية الإجرائية للعدالة الانتقالية وتأسيساً على مبادئ العدالة غير المشروطة وحظر تسييس الملفات القضائية، يستلزم بناء هذا المسار المعقد اعتماد استراتيجية زمنية واضحة ومصارحة الرأي العام بمتطلبات العمل الجنائي، إذ أكد الخبير القانوني أن العدالة الانتقالية مسار طويل يتطلب مصارحة الضحايا لإدارة توقعاتهم، مشدداً على ضرورة البدء الفوري بجمع الأدلة وتأجيل المحاكمات حتى اكتمال المنظومة التشريعية والقضائية. وأوضح أن هذا الملف ليس "ترنداً" لطيه أو تمييعه، بل مساراً زمنياً يستدعي ترتيب الأولويات على النحو التالي:
البدء الفوري: ترتيب الوثائق، بناء السرديات، وأخذ إفادات الشهود من اليوم الأول. الاستفادة من الخبرات: تبني الملفات التي جهزتها المنظمات الحقوقية السورية والدولية طيلة السنوات الماضية. تأهيل الكوادر: إخضاع محققي وقضاة النيابة لتدريبات تخصصية على قوانين هذه الجرائم. التسلسل السليم: تنفيذ التوقيفات بعد جهوزية الملفات، مع حظر المحاكمات تماماً قبل إقرار التشريعات وإنشاء الهيئات الرسمية. وفي السياق ذاته، شدد شالتي على ضرورة تذليل العقبات أمام ملاحقة الجناة المقيمين خارج سوريا، عبر تنظيم ورش عمل مع الخبراء والضحايا لبحث اتفاقيات التبادل الثنائي، محذراً من أن تسييس المحاكمات أو ضعف الملفات القانونية سيمنع الدول من تسليم أي متهم. وفي المحصلة، يقف مجلس الشعب اليوم أمام اختبار يتجاوز صياغة النصوص إلى إثبات الجدية في تفكيك إرث استبداد النظام المخلوع، فإصدار حزمة تشريعات للعدالة الانتقالية والمفقودين لن يكتمل دون إرادة حقيقية تحمي هذه القوانين من الالتفاف من قِبل السلطات التنفيذية. وإن سد الثغرات الدستورية وتأمين الحماية الجنائية للشهود والضحايا سينقلان الملف من مربع "التمنيات القانونية" إلى واقع المحاسبة الفعلية والنزيه، فالبوابة الحقيقة لشرعية هذا المسار هو مدى استجابته لمطالب الضحايا والمعتقلين وعائلات المفقودين دون مواربة أو تمييز، فلن يكون هناك سلم أهلي مستدام ما لم تضع حقوق المتضررين وكرامتهم في الصدارة، كضمانة وحيدة لسيادة القانون العادل وحماية البلاد من الفوضى وتصفية الحسابات.
تلفزيون سوريا
|