سيرياستيبس
مع تزايد تقلبات سعر الدولار مقابل الليرة السورية، يبدو أن السوق النقدية تعيش حالة من -اختبار الواقع- بين سياسات رسمية ومحاولات المواطنين الحفاظ على مدخراتهم، وتعديل سعر الصرف الرسمي يكشف عن ضغوط اقتصادية عميقة تتجاوز أدوات التثبيت التقليدية، ما يجعل فهم أسباب ارتفاع الدولار وتحليل ردود فعل السوق أمراً ضرورياً لكل من المستثمر والمستهلك.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور عبد الله قزَّاز يرى أن الخطوة التي اتخذها مصرف سورية المركزي بتعديل سعر الصرف الرسمي تعكس عدة أبعاد تتعلق بالاقتصاد السوري والسوق النقدية، فالزيادة المفاجئة في سعر الدولار تشير إلى أن السلطة النقدية تعترف بوجود ضغوط سوقية قد تكون تجاوزت أدوات التثبيت التي اعتمدت عليها لفترة طويلة.
ورجح أستاذ الاقتصاد في حديثه للوطن أن يكون هذا التعديل بمثابة جس نبض للسوق، حيث يجري اختبار ردود الفعل قبل اتخاذ خطوات أكثر جرأة. ومع ذلك، فإن التراجع السريع في قيمة الليرة، وخاصة في السوق السوداء، يشير إلى أن الإصلاح النقدي لم يكن شاملاً، بل كان يهدف بشكل أساس إلى تبسيط الأمور من الناحية المحاسبية دون معالجة الأسباب الجذرية للتضخم.
تآكل سريع
قزَّاز يرى أن هذا التآكل السريع في قيمة الليرة قد يؤثر سلباً في الثقة النفسية لدى المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، حيث كان من المتوقع أن يعزز النظام النقدي الجديد الثقة في العملة، ولكن مع تزايد الانخفاض في القيمة، قد تتزايد مخاوف الناس من عدم استقرار الليرة، ما يؤدي إلى سلوك احترازي في الاستهلاك والاستثمار.
وأرجع قزَّاز زيادة سعر الدولار في السوق السوري إلى عدة أسباب محتملة، منها: الطلب المتزايد على الدولار ففي ظل الأزمات الاقتصادية، قد يزداد الطلب على الدولار كملاذ آمن، ما يرفع سعره، إضافة لانخفاض الثقة في الليرة فتدهور الوضع الاقتصادي والسياسي يمكن أن يؤدي إلى فقدان الثقة في العملة المحلية، ما يدفع الناس للتحول إلى الدولار.
ومن الأسباب برأي الخبير المصرفي السياسات النقدية غير الفعالة معتبراً اعتماد سياسات تثبيت سعر الصرف لفترة طويلة دون معالجة الأسباب الجذرية للتضخم قد يؤدي إلى تفاقم الوضع، إلى جانب المضاربة في السوق السوداء إذ إن النشاط المضاربي قد يسهم في ارتفاع الأسعار، حيث يتوقع المتداولون مزيداً من الانخفاض في قيمة الليرة، إضافة إلى القيود على الواردات حيث إن انخفاض القدرة على استيراد السلع الأساسية بسبب العقوبات الاقتصادية أو قيود أخرى قد يزيد من الطلب على الدولار، ناهيك عن الضغوط التضخمية فزيادة تكاليف الإنتاج والسلع قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ما يتطلب مزيداً من الدولارات لشراء نفس الكميات.
وختم قزَّاز قائلاً: كل هذه العوامل مجتمعة تسهم في زيادة سعر الدولار في السوق السوري، لذا، يبدو أن الإصلاحات النقدية بحاجة إلى إجراءات أكثر شمولية لمعالجة القضايا الهيكلية، بدلاً من الاعتماد على التعديلات الإدارية فقط.
الوطن
|