سيرياستيبس
لم يعد قرار مصرف سوريا المركزي الأخير بشأن الحوالات الخارجية مجرد تعديل إجرائي محدود، بل بدا محاولة لمعالجة إشكالية أوسع تتصل باستعادة الثقة بالليرة السورية وتعزيز الاعتماد على القنوات المالية الرسمية، إذ أتاح للمستفيدين، بعد أن كان تسليم الحوالات محصوراً بالليرة، خيار استلامها إما بالعملة المحلية أو بالقطع الأجنبي، في خطوة توحي بمرونة أكبر أمام المتعاملين، لكنها تثير في المقابل تساؤلات جدية حول جدوى التطبيق العملي في ظل استمرار الثغرات التنظيمية واتساع الفجوة بين أسعار الصرف. في هذا السياق، يسعى القرار إلى تعزيز جاذبية القنوات الرسمية عبر منح المستفيدين خياراً حقيقياً، بدلاً من إجبارهم على استلام حوالاتهم بالليرة فقط. ويرى الباحث في شركة كرم شعار للاستشارات، ملهم الجزماتي، في حديث أن التعديل يهدف أساساً إلى منح ثقة أكبر بالليرة السورية والقنوات المالية الرسمية، لأن حصر التسليم بالليرة لم يعد كافياً لتعزيز التعامل الرسمي، بل كان قد يدفع البعض نحو بدائل غير مرخصة. وبالتالي، فإن المرونة الجديدة تساعد على تشجيع التحويلات عبر المصارف وشركات الصرافة المرخصة، وتحد من نشاط السوق غير الرسمية، لأن المواطن عندما يشعر بأن حقوقه محفوظة وغير مجبر على خيار واحد، تزداد ثقته بالمؤسسات الرسمية، وهذا مهم في مرحلة يحاول فيها المركزي إعادة تنظيم سوق الصرف والحوالات.
"تأثير إيجابي لكنه محدود" وعلى الرغم من المكتسبات التي يقدمها هذا القرار في تنظيم القنوات المالية الرسمية، إلا أن النجاح الفعلي يكمن في مدى قدرته على إقناع المواطن بالتخلي عن السوق الموازية، وهذا ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الآثار الواقعية للقرار على سعر الصرف وسلوك المتعاملين. وهنا، يوضح الجزماتي أن تأثير القرار على سوق الصرف قد يكون إيجابياً من ناحية تخفيف الضغط النفسي عن المستفيدين وتشجيع استخدام القنوات الرسمية، لكنه يبقى محدوداً إذا استمرت الفجوة بين سعر صرف المركزي والسوق السوداء، فالمواطنون يقارنون دائماً بين القيمة التي سيحصلون عليها رسمياً وتلك التي يمكن الحصول عليها خارج القنوات الرسمية.
ثغرة قد تعطل جوهر القرار إضافة إلى ذلك، يحمل القرار بنداً "مطاطاً" قد يفرغه من جدواه الاقتصادية ويحوله من ميزة للمواطن إلى عبء جديد عليه، وهو صلاحيات شركات الصرافة في تحديد آليات الدفع حسب الإمكانيات المتاحة، إذ لم تُضبط بضوابط تنفيذية واضحة. وحول هذه الإشكالية، يشير الجزماتي إلى أن عبارة "بحسب الإمكانيات المتاحة لدى الجهة المسلّمة للحوالة" تشكّل النقطة الأكثر حساسية في القرار، فمن حيث المبدأ، يمكن فهم وجودها لأن شركات الحوالات أو الصرافة قد لا تمتلك دائماً سيولة نقدية كافية بالدولار أو اليورو في كل فرع وفي كل لحظة. لذلك، فإن منحها هامش مرونة قد يكون مبرراً، لكن المشكلة أن هذه المرونة قد تتحول إلى ثغرة تُستخدم للتهرب من التسليم بالقطع الأجنبي، إذ يمكن لبعض الشركات القول إن القطع غير متوفر، مما يدفع المستفيد عملياً إلى قبول الليرة رغماً عنه. وهنا يصبح الخيار الممنوح للمواطن نظرياً لا فعلياً، لأن التنفيذ يترك للشركة هامشاً واسعاً لتحديد ما إذا كانت قادرة على التسليم أم لا. والخطر الأكبر، كما يضيف، أن تتحول هذه العبارة إلى أداة للربح أو المضاربة، فإذا احتفظت الشركة بالدولار أو أخرت تسليمه، وسلمت المواطن بالليرة وفق سعر أقل من السوق، فإنها تنقل جزءاً من خسارة فرق السعر إليه. في هذه الحالة، الخاسر الأكبر هو المواطن، وتفقد القناة الرسمية مصداقيتها. ولمنع تعطيل القرار، يجب أن تكون "الإمكانيات المتاحة" مقيدة بضوابط واضحة، مثل إعطاء المستفيد خيار الانتظار لمدة محددة لاستلام الحوالة بعملتها الأصلية، أو القبول الطوعي بالليرة وفق سعر معلن. أما الرد ببساطة "لا يوجد دولار" من دون توثيق أو مهلة أو حق اعتراض، فهذا يفرغ القرار من مضمونه، وفق جزماتي.
ثلاثة عوامل لارتفاع سعر الصرف وفي عمق المشهد الاقتصادي، لا يكون الحل لتثبيت سعر الصرف في تغيير آليات تسليم الحوالات، بل في معالجة الجذور الهيكلية التي لا تزال تدفع الليرة السورية نحو التراجع المستمر أمام النقد الأجنبي. وضمن هذا الإطار، يفسر الجزماتي استمرار ارتفاع سعر الصرف بثلاثة عوامل مترابطة: ارتفاع الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد والطاقة ومدخلات الإنتاج، في حين تبقى مصادر القطع الأجنبي محدودة وغير مستقرة عدم تعافي الثقة بالليرة السورية بشكل كامل، ما يجعل الدولار أداة ادخار وتحوط بالنسبة للكثيرين وليس مجرد وسيلة دفع اتخاذ قرارات متقلبة أو غير واضحة في ملف الحوالات أو الصرافة، مما يزيد حساسية السوق، لأن السوق لا يتحرك بناءً على كمية الدولار المتاحة اليوم فقط، بل على توقعات المواطنين لما قد يحدث لاحقاً. فعندما يشعر المواطن بعدم استقرار السياسة النقدية أو احتمال تغير القواعد بسرعة، فإنهم يميلون أكثر إلى الاحتفاظ بالدولار، ما يضاعف الضغط على سعر الصرف.
آليات مقترحة لضبط شركات الصرافة وأمام هذه الثغرات المحتملة في التطبيق، ينتقل التقييم الاقتصادي من مرحلة رصد المخاطر إلى طرح الحلول العملية، حيث تبدو الحاجة ملحة لصياغة منظومة رقابية صارمة تمنع التلاعب، وتضمن حماية حقوق المستفيدين. إذ يشدد الجزماتي على أن الرقابة يجب ألا تكون شكلية أو عقابية فقط، بل قائمة على آلية تنفيذ تجعل حق المستفيد قابلاً للتطبيق، ويقترح أن تبدأ هذه الآلية بإلزام شركات الصرافة والحوالات بإعلان العملات المتاحة، وتوثيق أي حالة لا يتم فيها التسليم بالقطع الأجنبي، مع إعطاء المستفيد إيصالاً يوضح عملة الحوالة وخيار الاستلام والسعر المستخدم إذا اختار الليرة. ويضيف أن على مصرف سوريا المركزي مراقبة سلوك الشركات بالأرقام: كم حوالة سُلّمت بالدولار؟ كم بالليرة؟ وكم مرة استُخدمت حجة عدم توفر القطع؟ فإذا كانت شركة معينة تسجل نسباً مرتفعة من "عدم توفر الدولار"، فهذا مؤشر يحتاج إلى تدقيق، و بهذه الطريقة تصبح الرقابة مبنية على بيانات فعلية، وتحدّ من قدرة الشركات على حجب الدولار أو استخدام القرار لأغراض المضاربة.
في المحصلة، يمثل قرار مصرف سوريا المركزي خطوة إيجابية من حيث التوجه نحو تعزيز الثقة بالليرة والقنوات الرسمية، ومنح المستفيدين مرونة كانت غائبة سابقاً، لكن نجاح هذا القرار يتوقف على مدى جدية آليات التنفيذ والرقابة المصاحبة له. فطالما أن عبارة "بحسب الإمكانيات المتاحة" تبقى بلا ضوابط تشغيلية واضحة، فإن خطر تحول الحق النظري إلى وهم تنفيذي يظل قائماً، فالقرار وحده ليس كافياً، لأن البيئة النقدية المستقرة والرقابة الفعلية هما من سيقرران إذ كان هذا التعديل خطوة تصحيحية حقيقية أم مجرد مرونة مشروطة بخسارة المستفيد أولاً.
تلفزيون سوريا
|