سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:28/02/2026 | SYR: 13:41 | 28/02/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 أطفال السوريين في تركيا: اندماج حاضر بهوية ضائعة
28/02/2026      



سيرياستيبس 

في أحد أحياء مدينة إسطنبول المكتظة، يجلس محمد عمر الغازي، مراهق سوري يبلغ من العمر 16 سنة، أمام شاشة حاسوبه، يتحدث بطلاقة باللغة التركية مع أصدقائه من خلال لعبة إلكترونية، تناديه والدته لتسأله بالعربية عن رأيه بالعودة لوطنه الأم سوريا، ليرد بكلمات متقطعة، متلعثماً، وكأنها لغة غريبة عنه، ويقول بلا تردد "أنا لا أريد العودة لسوريا... مستقبلي هنا".

وفق ما روته الوالدة في حديثها إلى "اندبندنت عربية" فإن محمداً لم يرَ سوريا إلا في صور قديمة على هاتف والده، ولد في سوريا قبل عامين فقط من اندلاع الانتفاضة ضد نظام البعث، ثم انتقل مع عائلته عام 2012 إلى تركيا، ومثله مثل مئات آلاف الأطفال السوريين الذين كبروا في بيئة تركية خالصة، لم يعِش هؤلاء الحرب، لكنهم اليوم في صراع من نوع آخر، صراع الهوية.

الانتماء لهويتين
تركيا من أكثر دول العالم استقبالاً للاجئين، وعلى رأسهم ملايين عدة من السوريين، ومع التغيير التاريخي في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، بدأت وفود اللاجئين بالعودة لسوريا من كل المدن التركية، فعاد خلال عام واحد أكثر من 500 ألف سوري وفق بيانات وزارة الداخلية التركية، لكن طغت على الواجهة مشكلة جديدة لم تكُن في الحسبان، تتمثل في جيل كامل لا يتقن اللغة العربية، ولا يشعر بالانتماء الحقيقي لوطنه الأم سوريا، بل يرى نفسه أقرب إلى المجتمع التركي ثقافة ولغة وطموحاً، ولشدة الاندماج لا يبدو أن كثيراً من الأطفال والشباب السوريين قدموا إلى هذه البلاد في ضيافة موقتة.

يروي الشاب السوري أنس ناجي (22 سنة) إحدى الطرف التي حصلت معه نهاية العام الدراسي الماضي، قائلاً إنه تسلم شهادة تخرجه في أحد المعاهد التدريبية، وعندما سئل عن خططه للفترة اللاحقة قال إنه يرغب في زيارة بلده سوريا، وهنا صُدم زملاؤه الطلاب حين علموا أنه ليس تركياً، في إشارة إلى شدة الاندماج وإتقان اللغة التركية بنطقها السليم والتربية على الثقافة التركية منذ الصغر، ويضيف ناجي بلغة عربية ركيكة "إذا عدت لسوريا، هل يمكنني اصطحاب أصدقائي ومجتمعي التركي معي!؟".

اللغة… بوابة الهوية الضائعة
تشير التقديرات الحكومية إلى أن عدد الأطفال السوريين في سن الدراسة داخل تركيا تجاوز 1.2 مليون طفل بنهاية عام 2024، مع اندماج مئات الآلاف منهم في النظام التعليمي التركي، وتلقى هؤلاء الأطفال تعليمهم باللغة التركية ضمن المناهج الرسمية، مما زاد فيهم غرس الثقافة التركية حتى باتت جزءاً من حياتهم، وفي هذا السياق يقول الباحث السوري مؤتمن حميدي في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "نحن اليوم أمام تحول بنيوي، وليس مجرد حال لجوء، فالطفل الذي دخل المدرسة التركية بعمر خمس أو ست سنوات، أصبح مراهقاً يفكر ويحلم ويخطط بالتركية، وليس بالعربية، مما يعني أن انتماءه الثقافي قد تغير جذرياً، وليس سطحياً".
 

ويوضح حميدي أن "الأمر يبدأ من اللغة، فهي العامل الأبرز في هذه الأزمة، فالطفل السوري في تركيا يعيش ضمن بيئة لا يسمع فيها العربية إلا داخل المنزل، ولساعات محدودة فقط، ومع الوقت تتراجع مهاراته اللغوية الأم بصورة ملحوظة، وكثير من الأطفال السوريين العائدين لبلادهم يواجهون صعوبة في قراءة وكتابة العربية، بل حتى التحدث بها بطلاقة، خصوصاً الأطفال الذين ولدوا في تركيا خلال الأعوام الماضية، بمعنى آخر فإن تراجع اللغة العربية لدى السوريين في المهجر يؤدي إلى أزمة هوية وثقة، وخسارة ثقافية تمتد آثارها إلى المستقبل، كلنا نعرف أن اللغة، خصوصاً العربية، ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء للذاكرة والتاريخ والانتماء، وعندما يفقد الطفل لغته الأم، فهو يفقد جزءاً كبيراً من ذاته، مما يحدث اليوم مع آلاف الأطفال السوريين في تركيا".

صراع داخل الأسرة الواحدة
ويضيف حميدي أن "جانباً آخر من المعاناة هو حدوث صراع داخل الأسرة الواحدة، ففي كثير من العائلات السورية يتحدث الأبوان العربية كل حياتهما، ويحافظان على ثقافتهما العربية ويرغبان فيها، بينما يفضل الأبناء استخدام اللغة التركية لأنها لغة البيئة التي هم موجودون فيها، وهذا الانقسام اللغوي خلق فجوة داخل الأسرة، مما أدى إلى ضعف الروابط العائلية وتراجع نقل القيم الثقافية بين الأجيال".

منذ بدء حال اللجوء السوري في تركيا، تبنت الأخيرة سياسة دمج للسوريين عموماً، وللأطفال خصوصاً داخل مدارسها الرسمية بهدف تسهيل اندماجهم في المجتمع، ووفرت أيضاً برامج تعليم اللغة التركية للأجانب، فضلاً عن إدماجهم الكامل ضمن النظام التعليمي، وفي هذا السياق يقول الباحث التركي الدكتور أحمد يلدز خلال حديثه إلينا إن "الدولة التركية نظرت إلى هذه المسألة من زاوية إنسانية وتنموية، وهي محقة في ذلك، فلا يمكن ترك مليون طفل خارج التعليم، لكن في المقابل، لم تكُن هناك استراتيجية موازية للحفاظ على اللغة العربية والهوية الأصلية لهؤلاء الأطفال، فما حدث معهم هو اندماج ناجح من منظور الدولة التركية، لكنه قد يكون ذوباناً ثقافياً من منظور المجتمع السوري".

نظرة المجتمع التركي... بين القبول والقلق
على الصعيد المجتمعي التركي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما قد يظهر في الخطاب العام، فالمجتمع لا يتعامل مع السوريين ككتلة واحدة، بل يميز بوضوح بين الأجيال، بخاصة بين الكبار الذين قدموا إلى تركيا في ظروف الحرب، والأطفال والشباب الذين نشأوا داخل البيئة التركية، مما ينعكس في طبيعة القبول الاجتماعي وفي مستوى الاحتكاك اليومي، وحتى في اللغة المستخدمة لوصف كل فئة.

في هذا السياق، يقول المواطن التركي بيرات (39 سنة) "عندما أتحدث عن السوريين، أجد نفسي أفرق تلقائياً بين الكبار والصغار، الكبار ما زالوا يعيشون كضيوف، حتى لو طال بقاؤهم، أما الأطفال الذين ولدوا هنا أو جاؤوا صغاراً، فهم بالنسبة إليّ جزء من هذا البلد، أراهم في المدرسة مع أولادي، يتحدثون التركية كالأتراك تماماً، ويشجعون المنتخب نفسه، ويتابعون البرامج نفسها، وفي الحي حيث أسكن، لم يعُد من السهل التمييز بينهم وبين الأتراك، لذلك عندما يطرح موضوع عودتهم لسوريا، أشعر بأن الأمر غير واقعي لأن هؤلاء لم يعرفوا بلداً آخر غير تركيا، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن هناك ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً، مما يجعل بعضهم متردداً في تقبل الفكرة بالكامل".


هذا القبول النسبي للأطفال يقابله قلق متزايد لدى شرائح أخرى من المجتمع التركي، إذ يرى بعض المواطنين أن وجود أعداد كبيرة من السوريين، حتى المندمجين منهم، قد يترك أثراً طويل الأمد على سوق العمل والخدمات العامة والبنية الاجتماعية، وفي هذا السياق يقول المواطن التركي محمد نزيبلي أوغلو إن "المشكلة ليست في الأطفال بحد ذاتهم، بل في الصورة الأكبر، نعم الأطفال يتعلمون لغتنا ويندمجون بسرعة، وهذا أمر إيجابي، لكن ماذا عن المستقبل؟ هل سيبقون هنا إلى الأبد؟ وهل لدى الدولة خطة واضحة لذلك؟ هناك شعور لدى بعض الناس بأن الأمور تسير من دون رؤية طويلة المدى، نحن لا نرفض الأطفال، بل على العكس نتعاطف معهم، لكن القلق يأتي من حجم الأعداد ومن تأثير ذلك في هوية المدن وفي فرص العمل والخدمات، ففي بعض الأحياء أصبحت تسمع العربية أكثر من التركية، مما يخلق شعوراً بالغرابة لدى السكان الأصليين".

ثلاث مقاربات تركية
أما على مستوى التحليل الأكاديمي، فيوضح الدكتور أحمد يلدز أنه "يمكن القول إن المجتمع التركي اليوم منقسم إلى ثلاث مقاربات رئيسة في نظرته إلى السوريين، الأولى إنسانية، ترى أن تركيا قامت بواجب أخلاقي وتاريخي في استقبال اللاجئين وأن دمجهم بخاصة الأطفال هو استثمار في المستقبل، والثانية برغماتية تنظر إلى المسألة من زاوية المصالح وتدعم اندماج من يمكن أن يساهم اقتصادياً، بخاصة المتعلمين والشباب، أما الثالثة فهي مقاربة قلقة أو رافضة، تخشى من تغير التوازن الديموغرافي والثقافي وترى أن استمرار هذا الوضع قد يخلق مشكلات طويلة الأمد، وبطبيعة الحال هذه المقاربات لها أيضاً أبعاد سياسية".

 

ويضيف أن "هذه الانقسامات تصبح أقل حدة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، فحتى في أوساط التيار الرافض، هناك نوع من التسامح مع الجيل الصغير فيُنظر إليه على أنه جيل قابل للاندماج، فالطفل الذي يتحدث التركية بطلاقة ويدرس داخل المدارس التركية ويعيش تفاصيل الحياة اليومية، يُنظر إليه على أنه جزء من النسيج الاجتماعي، وليس على أنه عنصر غريب، مما يفسر لماذا نجد أن التوترات الاجتماعية غالباً ما ترتبط بالجيل الأكبر، وليس بالأطفال أو المراهقين"، ويشير الباحث التركي أيضاً إلى أن "الإعلام والسياسة يضطلعان بدور كبير في تشكيل هذه النظرة، إذ إن الخطاب السياسي في تركيا خلال الأعوام الأخيرة كان له تأثير مباشر في الرأي العام، فأثناء فترات التهدئة نرى قبولاً أكبر، وفي فترات التوتر السياسي أو الاقتصادي يرتفع منسوب القلق والخطاب السلبي، لكن على رغم كل هذا أعتقد بأن الجيل السوري الصغير قد يكون عاملاً في تخفيف التوتر مستقبلاً، إذ إن اندماج هؤلاء الأطفال في المجتمع التركي قد يخلق جسوراً ثقافية واجتماعية جديدة، بخاصة إذا جرى التعامل معهم كجزء من المجتمع، وليس كعبء موقت".

العودة لسوريا... صدمة معاكسة
ومع بدء عودة جزء من السوريين لبلادهم، ظهرت مشكلة معاكسة، وهي أطفال لا يستطيعون الاندماج في المجتمع السوري، وتعليقاً على هذه الظاهرة يقول الباحث مؤتمن حمدي إن "هناك طلاباً عادوا من تركيا وسيتابعون تعليمهم في المدارس السورية، لكن هؤلاء لا يستطيعون قراءة نص بسيط بالعربية، وهذا الواقع يضع هؤلاء الأطفال في حال ’لا انتماء مزدوج‘، ففي تركيا ينظر إليهم على أنهم سوريون، وفي سوريا ينظر إليهم على أنهم أجانب، لكن هذا كله يُعد تحولاً طبيعياً في سياق الهجرة الطويلة، إذ إن كل موجات الهجرة في التاريخ أنتجت أجيالاً هجينة ثقافياً، فالمشكلة ليست في فقدان الهوية، بل في غياب نموذج جديد للهوية المركبة، فيمكن أن يكون الطفل سورياً وتركياً في آن واحد".

هل يمثل وقف الاندماج حلاً؟
ويرى حميدي أن "الحل لا يكمن في إيقاف الاندماج، بل في تحقيق توازن بينه والحفاظ على الهوية، وعلى رغم ذلك، فليس من مهمة الدولة المستضيفة أن تحافظ على هوية الضيف، مما يعني أن تركيا طبقت سياسة الدمج وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية والمصلحة العامة، وأنقرة غير معنية بوضع برامج ليحافظ السوريون على هويتهم، فهذه المهمة من دور مؤسسات المجتمع المدني، أو حتى دور الحكومة السورية الحالية، وهناك حلول مقترحة مثل إنشاء برامج تعليمية ثنائية اللغة تضمن للطفل إتقان اللغتين معاً، وكذلك دور الأسرة مهم هنا، إذ يتجلى ذلك في تشجيع الأطفال على التحدث بالعربية، وكذلك تعليمهم القراءة والكتابة بها، ومن الحلول أيضاً إنشاء برامج هوية مشتركة بمعنى تطوير مفهوم الهوية المزدوجة، فلا يُطلب من الطفل الاختيار بين سوريا وتركيا".

 اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

سورس_كود



Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس