سيرياستيبس
كتب يعرب العيسى :
تستطيع
أي صحيفة في العالم، من دون أن يصنّف هذا خطأً مهنياً، أن تضع خبرين في
صفحة واحدة، واحد عن تعرّض ابنة ولي عهد الدنمارك الأميرة جوزفين لخدوش على
كوعها في أثناء ممارستها رياضة ركوب الدرّاجة في الحديقة العامة
بكوبنهاغن، وبجانبه خبر آخر يلخّص تقرير "يونيسف" عن نسب التسرب من التعليم
في سورية والعراق. وبذلك يصبح أحد أدق تعاريف مهنتنا ذاك الذي يقول:
الصحافة هي المهنة التي لا ترى فارقاً بين السقوط عن دراجة وسقوط حضارة.
في حقب أخرى، كانت مؤشّرات سقوط حضارة تنحصر
في جيوش غازية تقطع الرؤوس وتدكّ الحصون، وتنهب القصور وتحرق المدن، أو
أرضٍ غاضبة حيث تنفجر البراكين وتلقي بالحمم عليها، أو مطرٍ ينحبس سنوات
فتجدب الأرض وينعدم الغذاء.
استشهد جارد دايموند في كتابه "الانهيار ـ
كيف تحقق المجتمعات الفشل أو النجاح" بما جرى في البلدين، في سياق تأثير
سوء إدارة الموارد الطبيعية: أسهمت تلك المشكلة بانهيار أقدم الحضارات، تلك
التي كانت قائمة في بلاد النهرين، ما يجعل إطلاق تعبير "الهلال الخصيب"
على العراق وسورية، اللتين كانتا سابقاً مركزاً رائدأ في زراعة العالم،
دعابة سمجة.
وفي حقبتنا هذه، القول إن حضارة ما تسقط، أو
أن أمّة ذاهبة إلى الهاوية، له مؤشرات أبسط من المغول، وقد يكفي أن يكون
عدد أجهزة الكومبيوتر لكل ألف من السكان، نسبة الإنفاق على البحث العلمي من
الناتج المحلي، نسبة إتمام مرحلة التعليم الأساسي، موقع جامعاتها على
التصنيف العالمي، عدد النسخ المطبوعة من الكتب بالقياس لعدد السكان.
وأحياناً ما تكفي مؤشرات مبكّرة مثل وسطي أجر المعلم، عدد الطلاب في الشعبة
الصفية، عدد ساعات الرياضيات في الأسبوع المدرسي، عدد ساعات القراءة
السنوية للمواطن، نسبة الموارد الطبيعية الخام من الناتج الإجمالي.
حسب التقارير الأممية، 2.7 مليون طفل سوري
و3.2 ملايين طفل عراقي خارج المدارس. وهذا يشمل الأطفال في سن التعليم
الأساسي، أي تحت 13 سنة، وهذا يمثّل 37% من الجيل القادم في سورية، و20% من
جيل العراق التالي.
في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته،
تفاخر البلدان، اللذان كان يحكمهما جناحان مختلفان من حزب البعث العربي
الاشتراكي، باقتراب نسب الأمية من الصفر، وبعد نصف قرن، عادت الأمية إلى
معدّلاتها في حقبة الاستعمار، وانعكس الخط البياني ليعود المجتمع قرناً إلى
الوراء.
يصعب تحليل المسؤولية عن ذلك، هل هي
الديكتاتورية وحدها، أم الفساد، أم الحروب والتدخلات الخارجية، أم العوامل
الطبيعية، أم الأسباب الاقتصادية وانخفاض الإنفاق على التعليم، أم الشعب
نفسه، أم اجتماع أسباب عديدة؟ ولكن يجب تحدّي هذه الصعوبة، وتحليل ما أدّى
إلى هذه النتيجة، لأن هذا ما يحتاج عملاً إغاثيّاً، وهو ملحّ مثل تأمين
الخبز والماء.
لا يمكن في هذا العصر استيعاب أن يكون الجيل
القادم في بلدين كسورية والعراق أميّاً. ولا يمكن تصور المستقبل القاتم
الذي ينتظرهما، وينتظر الإقليم معهما. وكمّ العنف والتطرف الذي سينشأ في
بيئة بلا تعليم، ونقص الموارد البشرية الذي سيعرقل أي خطط تنموية.
كلنا نرى صديقاً في الشارع فنعرف من النظرة
الأولى أنّه مريض، سنعرف من تغيّر لون وجهه، أياً كان لونه الأصلي، سنراه
في لحظة ما، ونسأله بلهفة: خير ما عليك شر؟ ... معدّل الالتحاق بالتعليم في
سورية والعراق هو ذلك اللون تماماً، وهو يظهر على وجه بلدين مركزيين تنقلت
الكتابة بينهما من دون حدود في حقب مبكرة للغاية، ويتجاذبان تلك المفخرة،
ويتشاجران على أن الكتابة الأولى نشأت أوغاريت أو في تل حلف أو في نينوى،
وكل منهما يشدّ حبل الزمن ليجعلها في حدوده الحالية.
البلدان مريضان، ليس المرض الواضح للجميع،
والذي يجعلهما يترنّحان الآن، بل مرض آخر، مدمّر قاتل فتّاك، وهذه علاماته
المبكرة. والبلدان المتبجحان بأن الأبجدية ولدت عندهما، يتصرفان الآن
وكأنهما يريدان لها أن تموت عندهما أيضاً.