سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:04/10/2026 | SYR: 12:29 | 04/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 الخدمة العامة... من إدارة الموظفين إلى إعادة بناء الدولة
04/10/2026      



سيرياستيبس

لا يمكن اختزال مشروع قانون الخدمة المدنية في سورية في تعديل قواعد التعيين والترفيع والإجازات؛ فهو يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة ونحو مليون عامل وموظف، ويحدّد أسس دخولهم إلى الوظيفة العامة، وانتقالهم بين مراتبها، وأجورهم وحوافزهم، وعلاقتهم بالمؤسسة والرئيس الإداري، وصولاً إلى خروجهم من الخدمة. ولا يتعلق المشروع بإدارة الموظفين فحسب، بل بنموذج الدولة نفسها: ما الوظائف التي ينبغي أن تؤديها؟ وما الحجم الملائم لجهازها؟ وكيف توزع كوادرها ومواردها؟ وما نوع الإدارة القادرة على تقديم الخدمات العامة بكفاءة وعدالة؟
ومن هنا، فإنّ استبدال القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004 بقانون جديد لن يشكل إصلاحاً بذاته، ما لم يقترن بإعادة بناء الجهاز الحكومي ونظام الأجور وإدارة الموارد البشرية. فالقانون قد يغيّر المسميات والإجراءات، لكنّه لن يغيّر النتائج إذا بقيت قواعد البيانات مجزأةً، والهياكل متضخمةً، والصلاحيات غير واضحة، والتقييم خاضعاً للاجتهاد، والأجر منفصلاً عن قيمة الوظيفة والقوة الشرائية.
تفيد بيانات عام 2022 بأن عدد العاملين في الدولة بلغ نحو 911,955 عاملاً وموظفاً، بينما تضع بيانات التأمينات الاجتماعية عدد المشتركين من العاملين في القطاع العام عند قرابة 1.04 مليون شخص. وفي مطلع عام 2025، تحدث مسؤولون حكوميون عن نحو 1.3 مليون شخص يتقاضون رواتب من الدولة، مع تقديرات بأن نحو 900 ألف منهم يداومون فعلياً، وأن قرابة 400 ألف اسم تحتاج إلى التدقيق.
لا تكمن المشكلة في اختيار الرقم الأدق بين هذه الأرقام، بل في أنّ كل رقم يقيس جانباً مختلفاً من الجهاز العام. فهناك سجل للملاك العددي، وآخر للرواتب، وثالث للتأمينات، وسجلات للحضور والعقود، فضلاً عن جهات وفئات تخضع لأنظمة خاصة. ويكشف عدم تطابقها أن الدولة لا تمتلك بعد منظومةً موحدةً لمعرفة حجم رأس مالها البشري وتوزيعه وتكلفته، مع أن هذه المعرفة هي الشرط الأول لأي إصلاح قائم على المراتب والكفاءة والأداء.
وبذلك تكون المشكلة أعمق من وجود "موظفين وهميين" أو فائض عددي؛ إنها مشكلة في القدرة المؤسّسية للدولة على تعريف العامل العام وربطه بوظيفة فعلية ووصف وظيفي وجهة عمل وعقد وأجر وسجل حضور. وإذا لم يُنجز سجل وظيفي ومالي موحد، فقد تتحول المراتب الجديدة إلى تصنيف قانوني حديث يُطبق على بيانات قديمة أو غير متطابقة.
وتزداد خطورة الأمر بالنظر إلى سوق العمل. ففي عام 2022، بلغت قوة العمل نحو 5.96 ملايين شخص، وعدد المشتغلين قرابة 4.55 ملايين، مقابل نحو 1.41 مليون متعطل، أي بمعدل بطالة يقارب 23.7%. ومثّل العاملون في الدولة، وفق رقم 911,955 عاملاً، نحو خُمس إجمالي المشتغلين. وهذا الوزن يجعل أي إعادة هيكلة واسعة للجهاز الحكومي قضيةً اقتصاديةً واجتماعيةً، لا مجرد إجراء إداري لتخفيض كتلة الرواتب.

    لم يكن تعثّر المشروع الوطني للإصلاح الإداري ناجماً عن ضعف التنفيذ أو غياب التنسيق فحسب، بل ارتبط بطبيعة النظام السابق الذي استخدم الإدارة العامة أداةً للتحكم والسيطرة

المشكلة ليست في غياب النصوص فحسب

بدأ التنظيم الحديث للوظيفة العامة في سورية بقانون الموظفين الأساسي رقم 135 لعام 1945، ثم تعاقبت التشريعات حتى صدور القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004. وقد وحّد القانون جانباً واسعاً من الأحكام الناظمة للعاملين في الوزارات والإدارات والهيئات والمؤسسات والشركات العامة والبلديات ووحدات الإدارة المحلية.
وقسّم القانون الوظائف إلى خمس فئات مرتبطة بالمؤهلات العلمية، كما فصل بين الأجر المقطوع والتعويضات، ونظم التعيين والترفيع والإجازات والتأديب وانتهاء الخدمة، لكنّه لم يقتصر على الحقوق الفردية؛ فقد ألزم الجهات العامة بوضع ملاكات عددية وأنظمة داخلية وأوصاف وظيفية، وتناول التدريب والتأهيل والاستخدام المؤقت والتعاقد والأجر الثابت والمتحول.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: كثير من الأدوات التي تُقدَّم اليوم بوصفها عناصر إصلاحية جديدة، مثل توصيف الوظائف والتدريب وربط جزء من الدخل بالأداء، كانت موجودةً من حيث المبدأ في التشريع السابق. وهذا يعني أن إخفاق المنظومة لا يمكن تفسيره بقدم القانون وحده، بل بالفجوة بين التشريع والتنفيذ. فالوصف الوظيفي لا يؤدي وظيفته إذا لم يرتبط بالملاك والموازنة والتقييم والتوظيف، والتدريب لا يرفع الكفاءة إذا لم يترتب عليه مسار مهني أو تكليف جديد، والأجر المتحول لا يصبح حافزاً إذا لم يستند إلى نتائج قابلة للقياس، كما أن الجهة العامة لا تستطيع إدارة مواردها البشرية بمرونة إذا كانت القرارات الأساسية مركزةً خارجها، أو إذا كان المدير مسؤولاً عن النتائج لكنه لا يملك صلاحيات إعادة توزيع العاملين أو مكافأة المجتهدين.
لذلك ينبغي ألّا ينطلق القانون الجديد من افتراض أن تغيير النص سيحلّ المشكلة، بل من مراجعة أسباب عدم تنفيذ الأدوات التي أتاحها القانون السابق، وإلا قد تُعاد كتابة المبادئ نفسها بمصطلحات أحدث، من دون تغيير السلوك المؤسسي الذي أعاق تطبيقها.
لم يكن تعثّر المشروع الوطني للإصلاح الإداري ناجماً عن ضعف التنفيذ أو غياب التنسيق فحسب، بل ارتبط بطبيعة النظام السابق الذي استخدم الإدارة العامة أداةً للتحكم والسيطرة، لا لبناء جهاز إداري مرن وشفاف وخاضع للمساءلة. فقد أتاح تركيز صلاحيات الوظائف والتعيينات والمسابقات لدى وزارة التنمية الإدارية آنذاك إحكام السيطرة المركزية على الدخول إلى الوظيفة العامة والمسار الوظيفي، وسط تعدد القرارات والتعليمات وغياب الضوابط المستقرة والرؤية الواضحة.
وبذلك انصرف المشروع إلى إعادة تنظيم أدوات التحكم داخل البنية القائمة، بدلاً من إصلاحها على أسس الكفاءة والاستقلالية وتكافؤ الفرص. وظلت القوانين الناظمة للخدمة العامة من دون تحديث جوهري، بينما استمرت الوظيفة العامة في أداء أدوار متداخلة تتصل بالتوظيف والحماية الاجتماعية وامتصاص البطالة وتوزيع المنافع.
يمثل مشروع قانون الخدمة المدنية تحولاً في فلسفة الوظيفة العامة، بدءاً من عنوانه الذي ينتقل من التركيز على "العاملين في الدولة" إلى مفهوم "الخدمة المدنية"، وتعكس هذه النقلة محاولةً للنظر إلى الوظيفة باعتبارها مسؤوليةً وأداءً ومساراً مهنياً، لا مجرد مركز قانوني دائم أو استحقاق اجتماعي.
ويتجه المشروع إلى اعتماد أنماط أكثر مرونةً للعمل والتعاقد، وإقرار مراتب ومسارات وظيفية، وربط الترقية والأجور والحوافز بالتأهيل والخبرة وتقييم الأداء، كما يتناول التدريب المستمر والاستقطاب الداخلي والخارجي والخروج المنظم من الخدمة، بما يمكن أن يساعد الجهات العامة على استقطاب الكفاءات وتوزيعها وفق احتياجاتها، بدلاً من التوظيف غير المرتبط بوظائف فعلية، وقد عرضت الوزارة المشروع بوصفه تحولاً في إدارة الموارد البشرية، يقوم على مراتب أكثر مرونةً، وتقييم موضوعي للأداء، والتدريب والتطوير المستمر.
لكن هذه الأدوات ليست إيجابيةً بصورة تلقائية. فالمرونة قد تعني قدرة المؤسسة على إعادة توزيع العاملين واستقطاب الخبرات والتكيف مع تغير الاحتياجات، لكنها قد تعني أيضاً سهولة إنهاء العقود ونقل مخاطر ضعف التمويل والتخطيط إلى الموظف. والتعاقد قد يحسن الاستقطاب، لكنه قد يتحول في غياب الشفافية إلى قناة للمحاباة والولاء الشخصي.
كما يحمل التعاقد مفاضلةً بين مرونة المؤسسة وأمان الموظف، فالدولة تحتاج إلى استقطاب اختصاصات نادرة وتغيير هيكل مواردها البشرية، لكنها تحتاج أيضاً إلى الحفاظ على الذاكرة المؤسسية واستقرار الخدمات. وإذا أصبح استمرار الموظف مرتبطاً بتقدير رئيسه المباشر أو بتجديد عقد دوري لا تحكمه معايير قابلة للتظلم، فقد يتحول التقييم من أداة لتحسين الأداء إلى وسيلة للضغط الإداري.
لذلك؛ لا ينبغي قياس مرونة القطاع العام بسهولة إنهاء العقد، بل بقدرته على إعادة توزيع العاملين، وتطوير مهاراتهم، واستقطاب الكفاءات، وتحسين الخدمات مع حماية الحقوق، كما ينبغي الفصل بين الوظائف الدائمة المرتبطة باستمرار الدولة، والوظائف المؤقتة المرتبطة بمشروع أو حاجة زمنية، وعقود الخبرة التي تستهدف مهارات متخصصة.
بدأ إعداد المشروع خلال عام 2025، وأعلنت وزارة التنمية الإدارية إنجاز صيغته الأولية النهائية في سبتمبر/ أيلول، ثم نشرته للرأي العام في 9 أكتوبر/ تشرين الأول لتلقي الملاحظات. وحتّى 27 تموز 2026، بقي مشروعاً في المسار التشريعي ولم يصبح قانوناً نافذاً بديلاً عن القانون رقم 50 لعام 2004، مع ترجيح أن يكون من أولويات مجلس الشعب بعد انعقاد ولايته.
زيادة الدخل ليست إصلاحاً لسياسة الأجر

تكشف تحولات عامَي 2025 و2026 أن سياسة الأجور في سورية مرت بمرحلتَين: استهدفت الأولى تعويض جانب من التدهور الحاد في الرواتب من خلال زيادات عامة، بينما اتجهت الثانية إلى زيادات نوعية تراعي الاختصاص والقطاع والمسؤولية ومكان العمل. وقد رفعت الزيادات العامة الأجر الاسمي، لكنّها لم تعالج الاختلالات البنيوية في السلم؛ إذ بقيت بعض التعويضات محسوبةً على أجور سابقة، واستمرت الفوارق بين المؤهلات والخبرات محدودةً، ولم يرتبط الأجر بصورة منهجية بقيمة الوظيفة أو ندرة مهاراتها. ويظهر انضغاط السلم في أن الفرق بين راتب بدء تعيين حامل الشهادة الابتدائية وحامل الدكتوراه لم يتجاوز نحو 19.7% بعد زيادة عام 2025، بما يضعف العائد على التعليم وقدرة الدولة على استبقاء الكفاءات. كما لا يقاس أثر الزيادة بالراتب المقطوع وحده، بل بصافي الدخل بعد ضريبة الرواتب والاشتراكات التأمينية والاقتطاعات الأخرى. ولهذا رُفع الحد المعفى من ضريبة دخل الرواتب والأجور عام 2025 من 279 ألفاً إلى 837 ألف ليرة، حتّى لا تستعيد الضريبة جزءاً من الزيادة فوراً. وتكشف هذه الخطوة ضرورة التحرك المتزامن لسلم الأجور والإعفاءات والشرائح الضريبية؛ فإذا زادت الرواتب اسمياً لتعويض التضخم، بينما بقي النظام الضريبي ثابتاً، قد ينتقل الموظف إلى شريحة أعلى من دون ارتفاع مماثل في دخله الحقيقي، فتتآكل الزيادة بفعل ما يعرف بالزحف الضريبي. أما الزيادات النوعية لعام 2026، فقد مثلت خطوةً نحو الاعتراف باختلاف قيمة الوظائف، لكنّها ربطت تحسين الدخل جزئياً بالجهة التي يعمل فيها الموظف، ما قد ينقل المنظومة من مساواة غير عادلة بين الوظائف إلى تفاوت غير مبرّر بين المؤسسات.
وفي هذا السياق، يتيح نظام المراتب المقترح فرصةً لإعادة بناء سياسة الأجر، لا مجرد توسيع عدد المستويات الوظيفية. فإذا بقي الانتقال بين المراتب والدرجات قائماً على الأقدمية أو تقدير الرئيس الإداري، فلن يتجاوز النظام إعادة تسمية الفئات القديمة. أما الإصلاح الفعلي، فيبدأ بتقييم الوظائف وفق تعقيد مهامها، وحجم مسؤوليتها عن الأفراد والموارد والقرار، وندرة المهارات، والمخاطر المهنية، وأثر الخطأ، ومكان العمل؛ ثم وضع كل وظيفة ضمن مرتبة ونطاق أجري يسمح بالتقدم داخله وفق الخبرة والكفاية والأداء. وينبغي أن يُبنى السلم على مفهوم الدخل الوظيفي المتكامل، بحيث يوضح الأجر الأساسي والتعويضات والحوافز والجزء الخاضع للضريبة والاشتراكات التأمينية وصافي المبلغ المستحق، بدلاً من إعلان زيادة في الراتب لا يعرف الموظف مقدار ما سيصل منها فعلياً. كما ينبغي ربط حد الإعفاء والشرائح الضريبية دورياً بالتضخم أو بتكاليف المعيشة، مع التمييز بين الحوافز التي تمثل دخلاً إضافياً والتعويضات التي تغطي نفقةً أو خطراً مهنياً؛ فتوحيد معاملتها ضريبياً قد يضعف الغرض الذي مُنحت من أجله. ويكتمل ذلك بالتمييز بين الترفيع المالي داخل المرتبة، والترقية إلى وظيفة أعلى قيمةً، والتكليف بموقع قيادي يخضع للمنافسة واختبار الكفايات، مع فتح مسارات للتقدم الفني لا تضطر الطبيب أو المهندس أو الباحث إلى مغادرة تخصصه لتحسين دخله. وبذلك يصبح السلم أداةً لتحقيق العدالة واستبقاء الكفاءات وتحسين الإنتاجية، فيما تضمن السياسة الضريبية ألّا تستنزف الزيادة التعويضية، وتضمن الاشتراكات التأمينية تحويل جزء من الاقتطاع إلى حقوق مستقبلية، ضمن كلفة قابلة للاستدامة في الموازنة العامة.

    ينبغي أن يبدأ الإصلاح بإعادة التوزيع، والتدريب التحويلي، ووقف التوظيف غير الضروري، والتقاعد الطوعي، وتحويل بعض الوظائف إلى احتياجات قائمة في المناطق الأقل خدمةً

فائض العمالة أم سوء توزيعها؟

لا يجوز الانتقال من التقدير الإجمالي لحجم العاملين إلى استنتاج أن لدى الدولة فائضاً وطنياً موحداً يمكن التخلص منه بنسبة واحدة. فقد تجمع الإدارة السورية بين فائض في وظائف إدارية ومكتبية معينة، ونقص حاد في الأطباء والممرضين والمعلمين والمهندسين والفنيين، وبين تركز العاملين في المدن ونقصهم في المناطق الريفية والنائية. ومن ثم، ليس الفائض رقماً إجمالياً فحسب، بل اختلال نوعي وقطاعي وجغرافي. وقد تكون مؤسسة متخمةً بالعاملين، بينما تعجز مؤسسة أخرى عن تقديم خدماتها بسبب نقص الاختصاصات. لذلك؛ لا تبدأ إعادة الهيكلة بتحديد عدد الموظفين المطلوب الاستغناء عنهم، بل ببناء خريطة للوظائف والمهارات ومواقع العمل، ثم مقارنة المتاح بالحاجة.
كما أن الاحتياج الحقيقي للدولة لا يمكن تحديده قبل حسم نموذج تقديم الخدمات. فإذا اختارت الدولة تقديم التعليم والصحة والمياه والنقل مباشرةً، فسيختلف حجم جهازها عن نموذج يعتمد على التنظيم والشراء من مزودي الخدمة. ولذلك فإنّ تقدير الحاجة بـ550 أو 600 ألف موظف لا يمكن تقييمه بمعزل عن تحديد وظائف الدولة ومستوى الخدمات والتوزع الجغرافي للسكان.
وأي تقليص واسع للعمالة في اقتصاد تبلغ بطالته المرجعية نحو 23.7% سيحمل آثاراً تتجاوز الموازنة. فإذا خرج مئات الآلاف من الجهاز العام من دون قدرة القطاع الخاص على استيعابهم، ستنتقل الكلفة من بند الأجور إلى البطالة والفقر والهجرة وتراجع الطلب المحلي. وقد تحقق الموازنة وفراً محاسبياً، لكن الاقتصاد والمجتمع يتحملان تكلفةً أكبر.
لذلك ينبغي أن يبدأ الإصلاح بإعادة التوزيع، والتدريب التحويلي، ووقف التوظيف غير الضروري، والتقاعد الطوعي، وتحويل بعض الوظائف إلى احتياجات قائمة في المناطق الأقل خدمةً. أما إنهاء الخدمة فيأتي خياراً أخيراً ضمن برنامج انتقال اجتماعي واقتصادي، لا نقطة البداية.
التعيين والتقييم: اختبار النزاهة المؤسّسية

اعتمدت الإدارة السورية تاريخياً على المسابقات، لكن توحيد الاختبارات لم يضمن بالضرورة مطابقة المقبولين لاحتياجات الجهات، كما استُخدمت الوظيفة العامة لتحقيق أهداف اجتماعية، مثل تشغيل الخريجين أو دعم فئات متضرّرة أو امتصاص البطالة. وهذه أهداف مشروعة، لكن دمجها بمسار اختيار موظفي الدولة أضعف الفصل بين سياسة الموارد البشرية وسياسة الحماية الاجتماعية.
ينبغي أن تبدأ المسابقة الحديثة بإثبات الحاجة إلى الوظيفة ووجود غطاء مالي ووصف وظيفي واضح، ثم نشر المرتبة والدرجة والأجر ومكان العمل والكفايات المطلوبة، كما يجب إعلان الدرجات، وفتح باب الاعتراض، والفصل بين لجان وضع الأسئلة والتصحيح والمقابلة، أما التعاقد المباشر فيُحصر بالاختصاصات النادرة والحالات العاجلة، مع نشر مبرّراته ومدته وأجره. والتحدي الأكبر ليس في تصميم الاختبار، بل في إدارة المسار الوظيفي بعد التعيين. فإذا كان تقييم الأداء مؤثراً في الترفيع وتجديد العقد والتعيين الدائم، فإنه يصبح قراراً مالياً وحقوقياً. ولذلك يجب ألا ينفرد به الرئيس المباشر، بل يمر بمراجعة وحدة الموارد البشرية ولجنة مختصة، مع حق الموظف في معرفة مؤشرات تقييمه والتظلم منها.
كما يجب ربط تقييم الفرد بنتائج وحدته والمؤسسة. فمن غير العادل تحميل الموظف مسؤولية نتائج لا يملك صلاحيات تحقيقها، أو مكافأة أداء فردي في مؤسسة تتراجع خدماتها. والمساءلة الفعلية تقوم على التوازن بين المسؤولية والصلاحية: من يُحاسب على النتيجة يجب أن يمتلك الموارد والقرار اللازمين لتحقيقها.

    القيمة الفعلية لمشروع قانون الخدمة المدنية لن تُقاس بحداثة مصطلحاته أو كثرة مراتبه، بل بقدرته على كسر منطق الإدارة القائم على السيطرة وتوزيع المنافع، وبناء جهاز حكومي ينتج قيمةً عامةً قابلةً للقياس

من مشروع قانون إلى برنامج لإعادة بناء الجهاز الحكومي

ينبغي أن يُعرض مشروع قانون الخدمة المدنية على مجلس الشعب بوصفه حزمةً مؤسسيةً وماليةً متكاملة، لا نصاً قانونياً منفرداً. فالمجلس يحتاج إلى مذكرة للأسباب الموجبة، وبيانات موحدة عن العاملين، وتقدير مالي متوسط الأجل، وخطة لتسوية أوضاع العاملين الحاليين، ومسودات أنظمة المراتب والأجور والموارد البشرية والحوافز والتظلمات.
كما ينبغي أن يناقش أثر المشروع في الحقوق المكتسبة والعقود القائمة والمعاشات والتأمينات، والفروق بين العاملين الخاضعين للقانون رقم 50 لعام 2004 والخاضعين لأنظمة أخرى، وأوضاع الموظفين في المؤسسات التي نشأت خلال سنوات النزاع. فتوحيد الجهاز الإداري لا يتحقق بمجرد إخضاع الجميع لنص واحد، بل بتسوية عادلة ومدروسة للاختلافات القانونية والمالية المتراكمة.
والأفضل أن يبدأ التنفيذ بسنة تحضيرية تُنجز خلالها قاعدة البيانات والأوصاف الوظيفية وتقييم الوظائف، ثم تطبيق تجريبي في عدد محدود من الجهات قبل التوسع. ويجب أن يقاس نجاح القانون بمؤشرات مثل زمن إنجاز المعاملات، وتكلفة الخدمة، ونسبة الشواغر، ودوران العاملين، وهجرة الكفاءات، وعدد التظلمات، ورضا المواطنين؛ لا بعدد اللوائح والقرارات التي صدرت لتنفيذه.


تكشف أزمة الخدمة العامة في سورية أن المشكلة ليست في عدد العاملين أو مستوى رواتبهم كلٌّ على حدة، بل في غياب الصلة بين دور الدولة وبنيتها المؤسسية ومواردها البشرية ونظام أجورها ونتائجها. فقد راكم النظام السابق جهازاً متضخماً ومجزأً، لا بقصد بناء إدارة مرنة وشفافة يمكن استثمارها في الإنتاجية والنمو، بل لاستخدام الوظيفة العامة في التحكم وتوزيع المنافع وضبط الولاءات. وضمن هذه البنية، لم يكن الفساد والمحسوبية انحرافين عارضين، بل نتيجةً لنظام فصل التعيين والترقية والأجر عن الكفاءة والحاجة والمساءلة.
وأدى هذا الاختلال إلى إهدار مزدوج للموارد. فمن جهة، تحملت الدولة تكلفة جهاز واسع لم تُقَس إنتاجيته بصورة منتظمة، ومن جهة أخرى، موّلت تعليم كفاءات لم تستطع الاحتفاظ بها أو استثمارها. ومع انضغاط الأجور وانسداد المسارات المهنية، تراجع العائد على التعليم، وتسربت الخبرات من المؤسسات، واتسعت هجرة الكفاءات، فأضعف ذلك قدرة الإدارة نفسها على التخطيط والإصلاح.
ولا يكفي لمعالجة هذه الأزمة رفع الرواتب أو زيادة عدد المراتب. فقد حسنت الزيادات العامة الدخل الاسمي، بينما حاولت الزيادات النوعية حماية قطاعات حساسة، لكنها عمقت في الوقت نفسه تجزؤ النظام الأجري بين قوانين عامة وخاصة وتعويضات قطاعية. ولذلك يتمثل التحدي في الانتقال من أجر تحدده الشهادة أو الجهة إلى أجر يعكس قيمة الوظيفة ومسؤوليتها وندرة مهاراتها، ضمن إطار عام يحفظ خصوصية القضاء والجامعات والرقابة وغيرها من الوظائف من دون تحويلها إلى جزر منفصلة.
كما لا يمكن فصل إصلاح الخدمة العامة عن سوق العمل والتأمينات. فالعلاقة المشوهة بين القطاعين العام والخاص جعلت الأول يوفر حمايةً نسبيةً بأجر متدنٍّ، والثاني يوفر أحياناً أجراً أعلى من دون تغطية كافية. ومن ثم، فإن تقليص الجهاز العام أو توسيع التعاقد لن يكون إصلاحاً إذا نقل العامل من بطالة مقنّعة إلى بطالة صريحة، أو من وظيفة محمية نسبياً إلى عمل هش. فالمرونة الحقيقية تقتضي قطاعاً خاصاً منتجاً، وتأمينات قابلةً للانتقال، وحمايةً اجتماعيةً لا ترتبط حصراً بالوظيفة الحكومية.
وعليه، لا ينبغي أن يبدأ الإصلاح بعدد الموظفين المطلوب الاستغناء عنهم، بل بتحديد ما الذي ستفعله الدولة، ثم مراجعة مؤسساتها، وتوحيد بيانات العاملين، وتقييم الوظائف، وبناء سلم أجور ممول، وإعادة توزيع الكفاءات. وبعد ذلك فقط يمكن تحديد الفائض الحقيقي ومعالجته تدريجياً.
إن القيمة الفعلية لمشروع قانون الخدمة المدنية لن تُقاس بحداثة مصطلحاته أو كثرة مراتبه، بل بقدرته على كسر منطق الإدارة القائم على السيطرة وتوزيع المنافع، وبناء جهاز حكومي ينتج قيمةً عامةً قابلةً للقياس. فإذا ارتبط القانون بإصلاح الهياكل والأجور والتأمينات والموازنة والمساءلة، فقد يصبح مدخلاً لإعادة بناء الدولة. أما إذا اقتصر على إعادة تصنيف العاملين ضمن مراتب جديدة، فسوف يعيد تنظيم الاختلال القديم بدلاً من تجاوزه.

العربي الجديد


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس