سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:24/02/2026 | SYR: 13:40 | 24/02/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 صناعة الأزياء... قاتل صامت يهدد بيئتنا وحياتنا
24/02/2026      




سيرياستيبس :

تعد الموضة ركيزة أساسية في حياتنا اليومية، لكنها تنطوي على نمط من التدمير يلوث مياهنا ويهدد حياتنا، ووفقاً للبيانات عالمية فلا تعتبر صناعة الأزياء من أكبر مصادر انبعاثات الكربون وحسب، بل أيضاً قوة خفية وراء تلوث الأنهار وانتشار الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بصورة غير مرئية.  
وعلى رغم الألياف الاصطناعية التي تتساقط في محيطاتنا ومليارات اللترات من المياه المعالجة كيمياوياً والتي تلقى في أنظمة بيئية كانت مزدهرة، ينتج العالم اليوم ويشتري ملابس أكثر من أي وقت مضى، فخلال الأعوام الـ15 الماضية تضاعف حجم صناعة الملابس العالمية تقريباً، ونظراً إلى طبيعة الموضة الموقتة فإننا بتنا نتخلص من الملابس أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك لا تزال هذه الصناعة تعمل في فراغ، فهي تعاني نقص التنظيم والإبلاغ، ولا تخضع إلا لضغوط قلة تجرؤ على رفع صوتها.
انبعاثات الكربون
بحسب "برنامج الأمم المتحدة للبيئة" تعد صناعة الأزياء مسؤولة عن نحو 10 في المئة من انبعاثات الكربون العالمية، أي أكثر من انبعاثات الرحلات الجوية الدولية والشحن البحري مجتمعين، وتشير تقديرات "اتفاق الأمم المتحدة الإطاري في شأن تغير المناخ" إلى أن انبعاثات قطاع الأزياء قد ترتفع 50 في المئة بحلول عام 2030 إذا لم تتخذ أية إجراءات جدية، مما يجعل هذا القطاع من بين أكثر الصناعات العالمية انبعاثاً للكربون ومن بين أقلها خضوعاً للتنظيم في نقاشات المناخ.
وكذلك فإن عملية تحويل الألياف البلاستيكية إلى منسوجات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتتطلب كميات كبيرة من البترول وتطلق مواد متطايرة وأحماضاً مثل كلوريد الهيدروجين، إضافة إلى أن القطن الذي يدخل في صناعة كثير من منتجات الموضة السريعة ليس صديقاً للبيئة في تصنيعه، فضلاً عن أن المبيدات الحشرية التي تعتبر ضرورية لنمو القطن تشكل أخطاراً صحية على المزارعين.
تلوث المياه عبر سلاسل التوريد العالمية
تشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن 20 في المئة من التلوث الصناعي العالمي للمياه ناتج من صباغة المنسوجات ومعالجتها، وفي دول مثل بنغلاديش والهند تصرّف المصانع مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمحملة بمواد كيمياوية سامة مثل الكروم والرصاص والزئبق، مباشرة في الأنهار.
ووفقاً للبنك الدولي فإن النفايات السائلة السامة الناتجة من الأصباغ ومواد التشطيب تحوي مواد مسرطنة ومعادن ثقيلة مثل الكروم والكادميوم والرصاص والزرنيخ والزئبق، مما يلوث مصادر مياه الشرب ويدمر النظم البيئية المائية ويسمم الأراضي الزراعية، ولنأخذ مثالاً نهر بورينجانجا في بنغلاديش والذي كان مصدراً للمياه العذبة والغذاء، فقد انخفضت مستويات الأوكسجين المذاب فيه إلى ما يقارب الصفر في بعض المناطق، مما حوّل النهر إلى منطقة ميتة بيولوجياً بسبب انعدام الحياة.
وما يزيد الأمر خطورة هو أن صناعة الأزياء تستهلك 93 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، وهو ما يكفي لتلبية حاجات 5 ملايين شخص سنوياً، وهي ثاني أكبر مستهلك للمياه بين الصناعات، إذ تتطلب حوالي 700 غالون لإنتاج قميص قطني واحد، و2000 غالون لإنتاج بنطال جينز واحد، وهذا يعني أنه بينما تعاني بعض مناطق العالم \ندرة المياه، فإن كميات هائلة من المياه النظيفة تُلوث أو تُستنزف للحفاظ على استمرار صناعة الأزياء.
تلوث المحيطات بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة
يقول "الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة" إن 35 في المئة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في المحيطات تأتي من المنسوجات الصناعية مثل البوليستر والنايلون والأكريليك، وتتساقط هذه الألياف أثناء الغسيل وتجد طريقها إلى السلاسل الغذائية البحرية، وقد تفاقم التلوث البلاستيكي بسرعة ليصبح أحد أكثر التحديات البيئية إلحاحاً على كوكب الأرض، ومع استمرار نمو سكان العالم يزداد الطلب على البلاستيك مما يدفع الإنتاج السنوي إلى 430 مليون طن، ومن المثير للقلق أن حوالى 11 مليون طن من هذا البلاستيك يجد طريقه إلى المحيطات كل عام.
 
ومن دون تحرك عالمي إستراتيجي فقد يتضاعف هذا الرقم ثلاث مرات خلال العقود المقبلة، مما يهدد النظم البيئية البحرية ويعرض الحياة البرية للخطر، ويؤثر في ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم ودخلهم وبقائهم، وقد كشفت دراسة نشرت عام 2018 عن وجود الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والألياف الدقيقة في جميع أحواض المحيطات الرئيسة، مما يؤكد مدى انتشار هذا النوع من التلوث، ومن بين هذه الملوثات تحتل الألياف الدقيقة، وهي خيوط صغيرة غالباً ما تتساقط من المنسوجات الاصطناعية، مرتبة بين أكثر الملوثات الدقيقة شيوعاً على طول السواحل في جميع أنحاء العالم.
الأصباغ والمعالجات الكيمياوية
وتشير التقديرات إلى أن 17 في المئة من التلوث الصناعي للمياه على مستوى العالم يُعزى إلى صباغة ومعالجة المنسوجات، ويُستخدم في جميع أنحاء العالم حوالى 8 آلاف مادة كيمياوية اصطناعية لتبييض الملابس ومعالجتها وتلوينها، إذ تصرّف معظم هذه المواد الكيمياوية في المجاري المائية.
وتشتهر مصانع الصباغة في الهند والصين وإندونيسيا بإلقاء مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الجداول والأنهار المحلية، ففي مقابل كل كيلوغرام من المنسوجات المنتجة يحلّل كيلوغرام من المواد الكيمياوية ويصرّف بصورة غير قانونية في الأنهار، مما يلونها بألوان غير طبيعية مثل الأحمر القاني والأصفر والأخضر، ناهيك عن وجود مواد كيمياوية سامة مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ في بعض عينات مياه الأنهار في إندونيسيا، حيث تشكل هذه المواد الكيمياوية خطراً صحياً جسيماً على السكان المحليين الذين يعتمدون على الأنهار في معيشتهم، وخطراً وجودياً على الحياة البحرية.


أما الأرقام الصادمة فتأتي من الصين، إذ يقدر البنك الدولي أن نحو 90 في المئة من المياه الجوفية المحلية ملوثة في الصين، حيث تحوي إمدادات المياه 72 مادة كيمياوية سامة ناتجة من صباغة المنسوجات.
الآثار الاجتماعية للموضة السريعة
ولا تقتصر آثار الموضة السريعة اليوم على البيئة وحسب، بل إنها تسبب أيضاً بمشكلات اجتماعية ولا سيما في الاقتصادات النامية، وبحسب منظمة "ريميك" غير الربحية فإن 80 في المئة من الملابس تُصنع على أيدي شابات تتراوح أعمارهن ما بين 18 و24 سنة.
وكشف تقرير صادر عن وزارة العمل الأميركية عام 2018 أدلة على العمل القسري وعمالة الأطفال في صناعة الأزياء في الأرجنتين وبنغلاديش والبرازيل والصين والهند وإندونيسيا والفيليبين وتركيا وفيتنام وغيرها من الدول، وفي عالم الموضة السريعة فغالباً ما تعطى الأولوية للمبيعات والأرباح على حساب رفاهية الإنسان.
ويعمل حالياً واحد من كل ستة أشخاص في قطاع ما من قطاعات صناعة الأزياء العالمية، مما يجعلها الصناعة الأكثر اعتماداً على العمالة وبأجور منخفضة، وغالباً ما تفتقر كثير من الدول إلى لوائح بيئية صارمة، فمثلاً تعد الصين منتجاً رئيساً للأزياء السريعة لكنها تعاني تدهوراً كبيراً في الأراضي وتلوث الهواء والماء.

اندبندنت عربية 


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق