سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:23/05/2026 | SYR: 13:23 | 23/05/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 أزمة مضيق هرمز تتسلل إلى جيوب الخليجيين
23/05/2026      



سيرياستيبس 

تتحكم العقبات الجيوسياسية في آمال الشارع الخليجي بتلمّس تراجع سريع لأسعار السلع. ومع استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الاستراتيجي، الممر الملاحي الحيوي الذي يعبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ارتفعت رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل قياسي، ما يفرض أعباء لوجستية إضافية تؤخر أي انخفاض ملموس في أسعار السلع بالأسواق الخليجية لأشهر مقبلة.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي عبد الله الخاطر، لـ"العربي الجديد"، إلى أن تداعيات الحرب ستستمر لفترة ممتدة، بخاصة في ما يتعلق بمعدلات التضخم، حيث تشير التقديرات إلى الحاجة إلى نحو 36 شهراً للعودة إلى الوضع الطبيعي حتى في حال فتح مضيق هرمز فوراً، نظراً إلى طول فترة إعادة بناء سلاسل التوريد واستقرار الأسواق. ولا مؤشرات حالياً تبعث على التفاؤل بشأن الوساطات الدولية لحل الأزمة، بخاصة مع استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في حالة من التحفز المستمر.
ورغم زيارة الرئيس دونالد ترامب بكين وما قد تعكسه من تغيير في الذهنية الأميركية نحو واقعية أكبر تدرك طبيعة العالم متعدد الأقطاب وصعوبة السيطرة الكاملة على منابع الطاقة، فإنّ الجهود المبذولة تبدو مركزة على إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين من دون حل جذري فوري، كما يوضح الخاطر.
وفي حال استمرار التوتر أو تصاعده ودفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، يتوقع الخاطر أن تشهد الولايات المتحدة والعالم ارتفاعاً متصاعداً في معدلات التضخم وأسعار الفائدة وعوائد السندات، ما يشكل ضغطاً هابطاً على البورصات والنمو الاقتصادي العالمي، وهو ما يجعل الأفق المنظور خالياً من أي تغيير إيجابي سريع، إذ ستظل المنطقة تعاني من التداعيات الاقتصادية لمدة تتراوح بين تسعة أشهر وثلاث سنوات حتى مع افتراض التوصل إلى حل سياسي.
استراتيجيات للصمود بمواجهة تداعيات مضيق هرمز
وإزاء ذلك، يرى الخاطر ضرورة أن يأخذ أصحاب الأعمال والشركات هذا المستوى من الأداء الاقتصادي المتدني في الحسبان، ووضع استراتيجيات تهدف إلى الصمود خلال هذه الفترة، مع ضرورة تعزيز التنسيق الخليجي لإيجاد حلول لتصريف المنتجات، سواء في مجال الطاقة النظيفة أو الأسمدة أو غيرها، ما قد يمثل فرصة لبناء وتنويع وتعميق قدرة المنطقة على مواجهة الأزمات مستقبلاً.

كما يلفت الخاطر إلى إمكانية الاستفادة من الموانئ الاستراتيجية مثل ميناء الدقم وميناء ينبع، وإشراك الموانئ اليمنية والبصرة التركية في ترتيبات لوجستية شاملة لدعم المنطقة وفتح مسارات تجارية بديلة نحو أوروبا، غير أنه ينبه إلى أن هذه المشاريع تبقى حلولاً طويلة الأمد تتطلب تخطيطاً بنيوياً عميقاً.
وعلى المدى القصير، يعتمد تخفيف حدة الاختناقات اللوجستية على النقل البري عبر الشاحنات باستخدام مسارات تمر عبر سورية والأردن والسعودية، لكن غياب التركيز والعمل المنظم لدعم هذه المسارات بنيوياً يعني استمرار المعاناة الاقتصادية، بحسب الخاطر، ما يجعل المرحلة الحالية من أصعب اللحظات التي يمر بها اقتصاد المنطقة وقطاع الأعمال، وهي مرشحة للاستمرار.
جهود تدريجية
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، إلى أن توقيت جني ثمار جهود الوساطة الإقليمية، خاصة في ما يتعلق بالمسألة الإيرانية، يعد السؤال الأهم حالياً، إذ يجب أن تتجه الجهود نحو الطرفين الأميركي والإيراني؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى شروط استسلام، بينما تريد إيران حفظ ماء الوجه، ولم تنجح الوساطة حتى الآن في كسر الحلقات العنيدة المتعلقة بالملف النووي والحضور الإقليمي الإيراني.
وإزاء ذلك، يرى عايش ضرورة أن تكون جهود الوسطاء تدريجية، بحيث يوفر كل تقدم ضمانات إضافية لمنع العودة إلى الحرب، ما يبني ثقة بأن التهديد المتبادل قد زال، وهي رسالة قوية تؤدي إلى تهدئة الأسعار وعودة سلاسل الإمداد وحركة الشحن إلى طبيعتها، وبالتالي عودة أسعار الطاقة إلى مستويات ما قبل الحرب.


فالعالم يحتاج إلى حالة من الهدوء لعودة الحياة الاعتيادية، وبخاصة المستهلك الأميركي والخليجي والمواطن الإيراني، ما ينعكس، بحسب عايش، في انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية وتراجع معدلات التضخم، واستئناف تدفق الإمدادات النفطية والغازية والأسمدة والهيليوم والألمنيوم، التي تأثرت أسعارها عالمياً بسبب الاضطرابات.
وفي حال نجاح الوساطة وتحقيق هدوء طويل الأجل، ستبدأ الأسعار بالتراجع التدريجي، ما يدفع المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين إلى تأجيل قراراتهم انتظاراً لمزيد من الانخفاض، في حالة من "الانتظار الإيجابي" التي تساهم في خفض التضخم الناتج عن أسعار الطاقة والشحن والمدخلات الزراعية، بحسب عايش.
كما يتوقع الخبير الاقتصادي عودة الأسواق المالية وأسعار الفائدة إلى حالتها السابقة قبل الحرب، خاصة مع إلغاء المحكمة العليا الأميركية العديد من الرسوم الجمركية التي كانت تعيق خفض الفائدة، ما يعزز التوقعات بتراجع التضخم واتخاذ قرارات بخفض أسعار الفائدة عالميًا.
ويخلص عايش إلى أن الأسابيع الثلاثة المقبلة حاسمة إما للاستقرار أو للعودة إلى العمليات العسكرية، لكن رهان استمرار الهدوء خلال كأس العالم في الولايات المتحدة وما يليه من انتخابات نصفية قد يقلل فرص التصعيد العسكري، ما يسمح بتوصل الأطراف إلى تفاهمات مرحلية جانبية تخفف الضغط على حركة المرور عبر مضيق هرمز حتى لو ادّعى كل طرف تحقيق النصر.
وتستبعد التوقعات الفنية حدوث أي انفراجة وشيكة للوضع الحالي، إذ تصب أغلب ترجيحات المحللين في بقاء أسعار خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل لما تبقى من العام الحالي. وحتى في حال التوصل إلى اتفاق دبلوماسي سريع، فإن عملية استعادة مستويات الإنتاج وتطبيع الإمدادات النفطية والغازية ستستغرق أشهراً لتجاوز الأضرار اللوجستية والمادية، ما يبقي أسعار الطاقة العالمية في منحنى صعودي حاد يفوق التقديرات السابقة بنسبة تصل إلى 100%، ويجهض آمال خفض التكاليف محلياً، بحسب تقدير نشرته ستاندرد أند بورز في 18 مايو/أيار الجاري.
سلاسل التوريد
ويرتبط تأخر انخفاض أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق الخليجية بآلية انتقال عدوى التضخم من أسواق الطاقة إلى قطاع التجزئة والأغذية، وهي عملية يصفها تقدير نشرته منصة The Real Economy، المتخصصة في الاستشارات المالية والتحليلات الاقتصادية، في 18 مايو/أيار الحالي، بأنها "معقدة وتغذيها الارتفاعات القياسية في أسعار وقود الديزل المخصص لعمليات الشحن البري وسلاسل الإمداد".


وتشير البيانات الاقتصادية لأسعار المنتجين إلى تسجيل قفزة بلغت 6%، وهو مؤشر يمهد لموجات تضخمية متتالية تطاول أسعار السلع في محلات التجزئة بشكل مباشر، إذ تلجأ الشركات إلى تمرير هذه التكاليف اللوجستية المرتفعة إلى المستهلك النهائي لتفادي انكماش أرباحها، بحسب التقدير ذاته. وهو ما دفع أكسفورد إيكونوميكس إلى خفض توقعاتها لنمو دول مجلس التعاون الخليجي عام 2026 من 4.6% إلى ركود فعلي بنمو سلبي يبلغ -0.2%، بينما يرجح جي بي مورغان انكماشاً أعمق بنسبة -0.6% نتيجة الصدمة المزدوجة لأسعار الطاقة وتعطل سلاسل التوريد، بحسب ما أوردته منصة Socialist Alternative في 20 مايو/أيار الجاري.
وفي السياق ذاته، دخلت أسواق الوقود العالمية مرحلة تدمير هيكلي للطلب نتيجة تعطل الإمدادات المستدام عبر مضيق هرمز، ما سبّب خفض تشغيل المصافي وتراجع المعروض العالمي من الديزل ووقود الطائرات. لذا يرى خبراء قطاع الطاقة أن قواعد تجارة الطاقة العالمية يعاد رسمها بالكامل في الوقت الراهن، ما يفرض مسارات ملاحة تجارية بديلة ترفع تكاليف الشحن بشكل دائم وتضمن بقاء معدلات التضخم الاستهلاكي مرتفعة حتى نهاية العام الحالي وما بعده، بحسب تقرير نشرته S&P Global Energy في 19 مايو/أيار الحالي.



العربي الجديد


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق