كلمة واحدة في القاموس الشعبي اللبناني قد تختصر تاريخاً كاملاً من العلاقة المضطربة بين الفقر والذوق، وبين الحاجة والهوية، وهي البالة. تُلفظ أحياناً بخجل وأحياناً بفخر صريح وكستايل يتباهى به شبان وشابات على "إنستغرام" و"تيك توك" تحت اسم Thrift، لكن قبل أن تصبح البالة موضة، كانت قماشة نجاة، وطريقة الناس في التعامل مع الأشياء، حتى من دون اسم.
جذور أقدم من الاسم
ليست فكرة إعادة استخدام الثياب اختراعاً حديثاً أو استجابة طارئة لأزمة عابرة. ومنذ أن عرف الإنسان النسيج تعامل مع الثوب باعتباره استثماراً يستحق أن يحيا طويلاً من دون أن يستهلك بسرعة. فلقد انتشرت في روما القديمة أسواق كاملة لبيع الأقمشة والأثاث المستعملة ضمن اقتصاد حضري متكامل. وفي عصور أوروبا الوسطى ازدهرت في مدن فلورنسا وباريس ولندن مهنة تجار الخِرَق الذين كانوا يعيدون صباغة الأقمشة أو يفككونها لصناعة الورق والملابس من جديد. ووجدت أسواق للسلع المستعملة في مدن عربية كبرى منها بغداد العباسية والقاهرة المملوكية، ضمن منظومة الحِسبة التي كانت تراقب جودة التداول، مما يعني أن وعياً اقتصادياً بقيمة الشيء بعد استخدامه الأول كان قائماً منذ قرون في قلب الحضارة العربية أيضاً.
في اليابان تحولت إعادة الاستخدام منذ القرن الـ17 إلى أخلاق، حيث يحمل مفهوم mottainai جذوراً بوذية، ويعبّر عن أسف أخلاقي تجاه أي هدر مهما كان صغيراً. أما في بداية القرن الـ20 في أوروبا، فقد أعطى عالم الاجتماع ماكس فيبر هذه العادة بُعداً فلسفياً حين ربط في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" (1905)، بين الانضباط والزهد النسبي وتراكم الثروة. ثم جاءت أزمة الكساد الكبير في أميركا (1929-1939) لتحوّل بيع المستعمل من عادة إلى مؤسسات وجمعيات خيرية، فتحول التبرع بالثياب إلى منظومة منظمة لإعادة التوزيع.
بالة لبنان الأولى
لا يمكن اختزال الظاهرة في لبنان بكونها موضة مستوردة. فتسمية البالة شعبية بجذور محلية لا تحتاج إلى ترجمة، وهي بنية اجتماعية متكاملة قائمة على شبكة استيراد وفرز وبيع بالتجزئة واستهلاك ذكي تحت الضغط، وليست تفصيلاً هامشياً في اقتصاد المدينة.
تعود جذورها إلى مدينة طرابلس شمال البلاد إلى ما يقارب عام 1950، قبل أن تتوسع لاحقاً على نطاق وطني. ويمكن اعتبارها ظاهرة اقتصادية اجتماعية عمرها يتجاوز 70 سنة، ارتبطت أصلاً بحركة الاستيراد من أوروبا وأميركا للثياب المستعملة التي كانت تباع بالكيلو أو بالة، ومن هنا جاء الاسم من الكلمة الإنجليزية bale أي حزمة أو "بالة قماش" مضغوطة، كما كانت تصل هذه الشحنات فعلياً إلى الموانئ اللبنانية. أما كلمة Thrift الإنجليزية فهي ذات الجذور النوردية القديمة وتعني "أن يزدهر"، وفسرت بحسن التدبير.
لقد تحولت الأسواق الشعبية في بيروت إلى مختبر دائم لإعادة تدوير الأشياء، وأبرزها "سوق الأحد" الذي تأسس عام 1989 ويضم مئات التجار وبضائع قديمة وجديدة في فضاء واحد، وهي فلسفة thrift كاملة، قبل أن تتأنق بالمصطلح الإنجليزي وتصعد إلى "إنستغرام" بدلاً من كلمة بالة الشعبية. والفكرة ببساطة عبارة عن اقتصاد واقعي للطبقات الأقل قدرة، يقوم على مزيج من الندرة والرغبة في ماركات عالمية، ويكشف كيف يستطيع المجتمع أن يبتكر أناقته بأقل الأسعار.
حكاية الوصمة أو الغياب؟
من الناحية الفعلية لم تتوقف البالة يوماً عن العمل في لبنان، وظلت تعمل بلا انقطاع طوال عقود. ولكن ما تغير هو موقع البالة في الهرم الاجتماعي للاستهلاك.
بعد نهاية الحرب الأهلية في مطلع التسعينيات، دخل لبنان مرحلة إعادة إعمار حملت معها موجة استهلاكية جديدة من مراكز تسوق كبيرة وانتشار واسع للماركات العالمية التي بدأت تفتح فروعها الأولى في بيروت، وصعود طبقة وسطى وطبقة ثرية أرادت أن تنسى ربما سنوات الحرب عبر واجهة استهلاكية لامعة. في هذا السياق، أصبح شراء الجديد رمزاً للتعافي، والمستعمل إشارة صريحة إلى العجز عن مواكبة هذا التعافي. اختفت البالة من الحديث الاجتماعي المقبول، لكنها لم تختفِ من السوق، ومن كان يشتري منها كان يخفي ذلك، ومن كان يبيعها كان يفعل ذلك تحت غطاء من الصمت.
أُخفيت البالة إذاً من دون أن تختفي فعلاً، وهذا ما يفسر لماذا عادت بهذه السرعة والقوة عندما تبدلت الظروف الاقتصادية لاحقاً، فلقد كانت البنية التحتية من الموردين، والتجار وشبكات الاستيراد وصولاً إلى الأسواق الشعبية لا تزال قائمة بانتظار لحظة اجتماعية تعيد الاعتبار لها ربما.
العودة إلى الواجهة
مع نهاية عام 2019 ودخول لبنان أعنف أزماته الاقتصادية منذ الحرب الأهلية، انهارت الليرة اللبنانية بشكل متسارع أمام الدولار، وتبخرت القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الطبقة الوسطى خلال أشهر معدودة. وتوثق تقارير محلية أن أسواق البالة شهدت ازدهاراً كبيراً منذ أواخر 2019 مباشرة، مدفوعة بالأزمة الاقتصادية، وأن المستعمل بات مقبولاً داخل الطبقة الوسطى.
وظهرت المفارقة الكبرى، فالبالة التي كانت رمزاً للعجز في التسعينيات، أصبحت فجأة خياراً ذكياً يتبناه الناس. والواقع أن الأزمة لم تخترع البالة، لكنها أسقطت عنها الوصمة الاجتماعية دفعة واحدة، لأن الجميع تقريباً وجدوا أنفسهم أمام معضلة كيف يبقون على مظاهرهم وهم يخسرون قيمة رواتبهم كل أسبوع.
ولم تكن الأزمة الاقتصادية العامل الوحيد، فلقد شكلت الصدمات المتتالية منذ التحركات الشعبية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، ثم انتشار جائحة كورونا عام 2020، ثم انفجار مرفأ بيروت في اأغسطس (آب) من العام نفسه إعادة لتشكيل علاقة اللبنانيين بالاستهلاك جذرياً. وفي هذا السياق، تحول تطبيق "إنستغرام" مثلاً إلى بنية سوق كاملة للبالة، وكأنه واجهة متجر ووسيلة فرز وتقييم وعرض قطع مختارة إضافة إلى كونه وسيلة إعلان. ووثّقت تقارير محلية عن صعود صفحات البالة اللبنانية بسرعة لافتة خلال سنوات الأزمة.
مخطط الفراشة
خلف كل هذا التحول الثقافي ظهر اقتصاد حقيقي بأرقام قابلة للقياس. إذ يذكر تقرير لشركة الاستشارات "مجموعة بوسطن الاستشارية" حول سوق إعادة البيع أن القطع المستعملة تشكل ما يصل إلى 32 في المئة من خزائن "جيل زد" عالمياً، مع ارتفاع هذه النسبة في فئات معينة كالحقائب، ويشير التقرير إلى أن الاكتشاف واللعب بالهوية يشكلان جزءاً من الدافع، إلى جانب السعر. وقدم تقرير لمنصة "ثريد أب" لإعادة البيع نشرته عام 2024 مؤشرات إلى أن المستهلكين، وخصوصاً الأصغر سناً، يجدون في المستعمل قيمة مقابل المال في ظل التضخم العالمي، وأن الشراء من المستعمل يتحول تدريجياً إلى سلوك اعتيادي. كما تلفت مؤسسات الاقتصاد الدائري إلى تحول صناعة الموضة العالمية من نموذج خطي يعتمد على ثلاثية إنتاج ثم استهلاك ثم رمي، إلى نموذج دائري يقوم على إبقاء المنتج قيد الاستخدام عبر إعادة البيع أو الإصلاح أو التأجير. وقد اشتهرت المؤسسة بما يُعرف بـ"مخطط الفراشة"، وهو رسم توضيحي يفصل بين دورتين متوازيتين، دورة تقنية تشمل إعادة الاستخدام والترميم وإعادة التصنيع، ودورة بيولوجية تشمل التحلل الطبيعي والتجدد. وبهذا المعنى، لم يعد المستعمل مجرد بديل رخيص، وصار جزءاً من إعادة تعريف صناعة كاملة.
فيما تضع تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة قطاع الأزياء ضمن القطاعات ذات البصمة الكربونية العالية، وتقدّر مساهمته بما يراوح ما بين اثنين وثمانية في المئة من الانبعاثات الكربونية العالمية.
في لبنان، يأخذ هذا المنطق الاقتصادي بعداً أكثر إلحاحاً. فالبالة أصبحت خطاً دفاعياً أمام انهيار العملة، حيث تظهر ضرورة حسابية بحتة، فثوب مستورد جديد بالدولار الفعلي بات خارج قدرة شريحة واسعة من الأسر، في حيت قد توفر البالة نفس المظهر، وأحياناً القطعة نفسها من الماركة نفسها بجزء بسيط من السعر. هكذا يلتقي الخطاب البيئي العالمي عن الاستدامة مع الحاجة اللبنانية المحلية البحتة للبقاء على قيد الأناقة.
من سوق عفوية إلى مؤسسات
وظهرت في السنوات الماضية في لبنان تجارب نقلت المستعمل من سوق عفوية إلى نموذج مؤسسي يربط بين الأثر الاجتماعي والبيئي. أبرزها "فابريك إيد" FabricAID، التي تأسست عام 2017 كمؤسسة اجتماعية تجمع الملابس عبر حاويات وشبكات تبرع، ثم تفرزها وتجهزها وتبيعها بأسعار "ميكرو" للفئات الأكثر هشاشة. وتشير بعض التقارير إلى أحجام جمع يومية كبيرة بالأطنان عبر مئات المستوعبات المنتشرة.
ونمت مبادرات فردية وشبه مؤسسية أخرى وسّعت الخريطة. ففي الجنوب، أطلقت اختصاصية النطق لارا دبوق مشروعاً كعمل جانبي تبيع فيه قطعاً عالمية مستعملة أو جديدة، بجودة عالية وأسعار مخفضة بشكل ملحوظ.
وفي الجميزة ومار مخايل في العاصمة بيروت، أسست نوال عقل متجراً قبل عدة سنوات، وتحول إلى محطة أساسية لعشاق القطع القديمة، عبر تعاونها مع مصممين ومنسقي أزياء محليين لضمان أن كل قطعة تحمل قصتها الخاصة. كذلك برزت مبادرات ذات طابع خيري صريح مثل المتجر الخيري الذي أطلقته الناشطة سيرين منصور عبر صفحة إنستغرام، وخصصت أرباح بيع الثياب المستعملة والجديدة لمساعدة الأسر الأكثر فقراً بطريقة منظمة بدل التوزيع العشوائي.
وفي تطور لافت على هذا المسار، استضافت بيروت في الـ25 من يونيو (حزيران) 2026 أول عرض أزياء للملابس المستعملة في الشرق الأوسط، في خطوة وصفتها مؤسسات إعلامية عربية بأنها محاولة لإعادة النظر في طريقة استهلاك الملابس وقيمتها، وسط توجه عالمي متسارع نحو الموضة الدائرية. فصمم كل منسق أزياء مشارك في العرض مجموعة كاملة من خمس إطلالات، مستخدماً حصراً قطعاً مستعملة من متاجر البالة اللبنانية من الرأس حتى القدمين، على أن يقاس نجاح العرض بقدرة الجمهور على الانبهار بالإطلالات قبل أن يكتشف أنها مصنوعة بالكامل من مستعمل. يختصر هذا العرض المسافة التي قطعتها البالة من سوق شعبي في طرابلس الخمسينيات، إلى منصة أزياء في قلب بيروت 2026.
ذاكرة شخصية ومشروع جماعي
لفهم كيف يتحول شغف شخصي إلى مساحة جماعية، كان لا بد من العودة إلى تجربة جيهان زهاوي ومتجرها في مار مخايل، وهي واحدة من أكثر التجارب اللبنانية دلالة على أن البالة لا تندرج فقط تحت عنوان الاقتصاد، إذ يمكن أن تكون أيضاً ذاكرة شخصية وتتحول إلى مشروع جماعي. تروي زهاوي أن علاقتها بإعادة البيع والتدوير بدأت مبكراً جداً، حين كانت في سن الـ14 تقريباً وتعيش في لندن، وتقول إن هناك كان الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية يملأون سياراتهم بأغراض لم يعودوا بحاجة إليها ويبيعونها في ساحات المدارس أو المواقف العامة أيام الأحد. وتتذكر كيف باعت يوماً قطعة أنتيكا تعود لعائلتها مقابل 20 جنيهاً استرلينياً، مما أثار غضب والدتها، لكنها شعرت حينها بنشوة الاكتشاف المتجلية بإمكانية تحويل الفائض إلى قيمة. تقول جيهان إنها كانت تميل إلى اقتناء أشياء كثيرة، ثم تراكمت لديها مقتنيات عبر السنوات، خصوصاً بعد عودتها إلى لبنان، حتى باتت فكرة إعادة التدوير وإعادة البيع بالنسبة إليها حاجة شخصية بقدر ما هي خيار اقتصادي.
ومع اندلاع الأزمة اللبنانية في 2019، ثم الثورة والانهيار المالي وانفجار المرفأ، رأت زهاوي أن الوقت بات مناسباً لتحويل شغفها إلى مساحة جماعية. وبدأت بتجربة صغيرة داخل متجر، لاختبار ذائقة الناس، ثم أخذت تشجع الآخرين على عرض أغراضهم أيضاً، مع اقتراحات لتحسينها أو إعادة تصميمها.
من هنا ولدت فكرة متجرها في مار مخايل، كسوق منظمة يمنح المشاركين طاولات لعرض مقتنياتهم، فانطلق أولاً في موقف سيارات قبل أن ينتقل إلى مساحة داخلية أكبر. تصف جيهان تلك المرحلة بالاستثنائية، فالسوق جمع أشخاصاً من خلفيات اجتماعية ودينية متنوعة، وتحول أحياناً إلى ما يشبه مهرجاناً شعبياً بموسيقى ودبكة وأجواء احتفالية. وتؤكد أن التجربة لم تكن تجارية بحتة، وصارت مساحة تضامن وتبادل أفكار، حتى إن المشاركين باتوا أشبه بعائلة تلتقي أسبوعياً.
وتشير جيهان إلى أن زبائن السوق تنوعوا بين طبقات اجتماعية مختلفة، من الطبقة المخملية إلى طلاب ومعلمين وأجانب، لكنها لاحظت أيضاً مفارقة لبنانية أن بعض الناس كانوا يترددون في الاعتراف بشراء المستعمل، على رغم الإقبال الفعلي عليه، وترى أن هذه النظرة تقف عائقاً أمام ثقافة الاستدامة.
أما عن توقف السوق، فتوضح أن الأسباب كانت اقتصادية بالدرجة الأولى، منها ارتفاع الإيجار وصعوبة تحمّل الأعباء في بلد يمر بانهيار مستمر. وعلى رغم تنظيم فعاليات وأسواق شارع لاحقاً، بقيت الظروف العامة تعيق الاستمرارية. وتؤكد أنها لم تكن تسعى إلى الربح بقدر ما كانت تريد خلق مساحة تمكّن الناس من الوقوف على أقدامهم عبر تحويل مهاراتهم وأغراضهم إلى مصدر دخل، وهي ما زالت ترى في إعادة التدوير والتصنيع اليدوي فلسفة حياة وليست مجرد مشروع عابر، محاولة لصنع شيء من لا شيء، ومقاومة منطق الاستهلاك السريع بثقافة الحرفة والمعنى.
قصة جيهان تلخص أكثر من أي تحليل اقتصادي لماذا تعود البالة اليوم، لأنها لم تكن يوماً مجرد بيع وشراء، وكانت دائماً عن العلاقة بالأشياء، وعن المجتمع الذي يتشكّل حول طاولة فيها ثوب قديم وذكرى ربما.
البالة خط نجاة في زمن كورونا
إلى جانب المبادرات المؤسسية والتجارب الجماعية، هناك آلاف الحكايات الفردية الصغيرة التي لا تصل إلى العناوين، لكنها تشكّل العمود الفقري الحقيقي لاقتصاد البالة في لبنان. حكاية وسام خشيش واحدة منها، وهي نموذج لكيفية تحول هواية شخصية إلى مصدر دخل، ثم إلى عبء، في دورة اقتصادية كاملة عاشها كثيرون في السنوات الأخيرة.
خلال فترة جائحة كورونا حين توقفت الشركة التي كانت تعمل فيها، وجدت وسام نفسها مضطرة للبقاء في المنزل من دون مصدر دخل ثابت. لم تكن فكرة بيع الملابس المستعملة جديدة عليها، فهي منذ سنوات تشتري قطعاً مستعملة، وخصوصاً الستات، لكن خلال تلك الفترة، تحول الأمر من ممارسة فردية إلى نشاط شبه تجاري. تروي وسام أن الفكرة بدأت بشكل عفوي، إذ كانت تعرض بعض القطع على صديقاتها بالسعر نفسه الذي اشترته به، من دون أي هامش ربح يُذكر. غير أن إحدى المشتريات اقترحت عليها أن تحول الأمر إلى بيع فعلي، ومن هنا بدأت التجربة تتوسع تدريجياً. أغلب الزبائن في البداية كنّ من صديقاتها ومعارفها، ولم يكن هناك أي حرج اجتماعي يُذكر في شراء الملابس المستعملة، بل على العكس، كانت الأسماء تُذكر علناً على "فيسبوك"، وكانت التفاعلات مباشرة وواضحة، بعيداً عن الحسابات المبطنة التي أصبحت أكثر شيوعاً لاحقاً.
خلال تلك المرحلة، كان الطلب مرتفعاً نسبياً، ما شجعها على الاستمرار على رغم التعب الجسدي الذي كانت تعانيه، إذ تشير إلى أنها كانت من مشكلات صحية، لكنها كانت تتحمل طالما أن المبيعات جيدة. إلا أن الوضع تغير لاحقاً، فمع تراجع الطلب، بدأت تشتري البضائع بأسعار أعلى من دون أن تتمكن من بيعها، ما أدى إلى خسائر مالية واضحة. عند هذه النقطة، وجدت أن الجهد لم يعد مجدياً، فتوقفت عن هذا النشاط.
في بدايات المبادرة، كانت وسام تعرض أساساً أغراضاً شخصية تخص أولادها، معتبرة أنها قطع استخدمت فعلياً في منزلها وليست بضاعة اشتُريت بهدف إعادة بيعها وتحقيق الربح، لكن مع اشتداد الأزمة وتراجع العمل، تحول جزء كبير من نشاطها إلى تصريف ما تبقى منها.
تعكس تجربة وسام تحول البيع المستعمل من خيار شخصي محدود إلى استراتيجية بقاء اقتصادية فرضتها ظروف الجائحة، قبل أن تعيدها تقلبات السوق إلى نقطة التوقف. وهي في جوهرها صورة مصغرة عن مسار البالة نفسه في لبنان، من ازدهار سريع مدفوع بالضرورة ثم تعب، ثم انحسار جزئي، لكن من دون أن تختفي الفكرة كلياً، لأنها ببساطة أصبحت جزءاً من مهارات البقاء التي يحتفظ بها كل بيت لبناني تقريباً، جاهزة للعودة عند أول أزمة جديدة.
من وصمة الأهل إلى هوية الأبناء
إذا كانت أزمة 2019 هي التي أعادت البالة إلى الطبقة الوسطى، فإن "جيل زد" هو من أعاد تعريفها بالكامل. والأهل الذين عاشوا التسعينيات وبداية الألفية اشتروا من البالة على رغم أنفهم ربما، بصفتها آخر الخيارات حين تضيق الحلول. أما أبناؤهم اليوم فيذهبون إليها طوعاً، وأحياناً يفضلونها على المتجر الجديد نفسه.
هذا التحول يعبر عن نمط استهلاكي موثق عالمياً، فيما المستعمل لم يعد استثناء في خزانة الجيل الجديد إنما ركيزة أساسية فيها. والدافع إضافة إلى السعر المنخفض متعة الاكتشاف، أي إحساس الصيد الذي لا يوفره المتجر الجديد حيث كل قطعة مكررة على الرف بقياسات مختلفة، إضافة إلى اللعب بالهوية الشخصية عبر تركيب لوك فريد لا يشبه أحداً. وهذا ما يفسر لماذا يفضل كثير من شباب "جيل زد" أن يقولوا "هذه القطعة من البالة" بفخر، من دون أن أن يخفوا مصدرها كما كان يفعل جيل آبائهم بمعظمهم.
الوعي البيئي
على السوق العربية، لا تتوفر دائماً تقارير إقليمية بالدقة نفسها المتوفرة في الأسواق الغربية، لكن الإشارات تذهب في الاتجاه نفسه، حيث تقديرات سوق الملابس المستعملة في الشرق الأوسط وأفريقيا تتوقع نمواً ملحوظاً خلال العقد المقبل، مدفوعاً بعاملين متلازمين هما الوعي البيئي المتصاعد لدى الأجيال الشابة، والبحث المستمر عن أسعار أقل في ظل تضخم إقليمي عام.
وفي لبنان، يضاف إلى هذا كله عامل خاص، حيث "جيل زد" اللبناني الذي كبر في زمن الإنترنت و"التيك توك"، عاش أيضاً في زمن انهيار مالي متواصل، ما جعل علاقته بفكرة الادخار الذكي أكثر إلحاحاً من أي جيل سبقه. فحين يجمع جيل بأكمله بين ضغط اقتصادي حقيقي وثقافة رقمية تحتفي بالتفرد الشخصي بدل الاستهلاك الجماعي المتماثل، تصبح البالة الحل المثالي لمعادلتين في آنٍ، أولها أن تكون أنيقاً بلا كلفة، وثانيها أن تكون مختلفاً من دون تكرار. ويظهر هذا جلياً في تحول صفحات "إنستغرام" اللبنانية للبالة من مجرد نقاط بيع إلى منصات تنسيق ملابس تعرض القطع وكأنها في مجلة أزياء، مع إضاءة مدروسة وتنسيق ألوان مما يدل على أن "جيل زد" الذي يشتري ثوباً مستعملاً، يشتري معه ربما سردية بصرية كاملة حول هذا الثوب. وهذا ما جعل عرض الأزياء الأول للمستعمل في الشرق الأوسط، الذي استضافته بيروت ممكناً أصلاً، حيث الجمهور الشاب لم يعد يرى تناقضاً بين كلمتي مستعمل وأزياء راقية.
استثمار في الفرادة والمال
تتحدث جويس، 21 سنة، أمام صديقاتها بأريحية تامة عن كونها إذا أرادت قطعة مميزة فإنها تذهب إلى محلات الألبسة المستعملة، وتأخذ وقتها لاختيار الأفضل وبنوعية ممتازة، مقارنة بما تستورده أحياناً من المواقع الصينية. وتعترف زميلتها هدى بأنها اشترت حقيبة من إحدى بالات بيروت بـ15 دولاراً أميركياً عندما اكتشفت أن القطعة أصلية، لتبيعها لاحقاً بـ200 دولار. في المقابل، ترفض زميلة ثالثة فكرة شراء قطعة لبسها أحد قبلها حتى لو غُسلت مراراً، مما يفتح نقاشاً حول نوع الأقمشة والأيادي التي تعمل في المعامل، بل وحتى الحشرات والقوارض التي قد تكون مرت فوق القطعة قبل أن تصلها.
ومع ذلك، فإن هذا الجيل في غالبيته، لا يجد حرجاً في الإعلان ببساطة أنه يرتدي قطعاً مستعملة، سواء بدافع التوفير أو التميز أو الوازع البيئي. حتى إن بعضهم يذهب أبعد من ذلك، فبعد أن تابع كيف يُستخدم الأطفال أحياناً في معامل إنتاج الملابس وخياطتها، بات يتقصى مصدر كل قطعة قبل شرائها، ليتأكد من خلوها من الموانع الأخلاقية التي يضعها لنفسه، كعمل الأطفال أو استخدام جلود الحيوانات أو الإفراط في المواد الكيماوية.
البالة طبقات أيضاً
ومع انتشار "الاقتصاد الواعي" أصبح من السهل أن تتحول الفكرة إلى خطاب يقول اشترِ مستعملاً وأنقذ الكوكب ونم مرتاح الضمير، لكن الواقع أكثر تعقيداً، فالمستعمل نفسه ينقسم طبقياً من الداخل، إذ هناك مستعمل الضرورة كما في أسواق البالة التقليدية ومستعمل الذائقة كما في المتاجر الخاصة بالقطع القديمة. الاثنان يسميان "بالة"، لكنهما لا يخدمان الحاجة نفسها ولا الجمهور نفسه، حتى لو تشاركا الرف والحاوية. كما قد يتحول المستعمل إلى شكل جديد من الاستعراض هو استعراض الوعي بدل استعراض الماركة. فتتحول القطعة المستعملة أحياناً إلى ما يشبه شهادة أخلاقية.
وفي لبنان تحديداً، يرتبط هذا التعقيد بالأزمة ارتباطاً مباشراً، فكثيرون دخلوا عالم البالة لأنهم اضطروا، ثم اكتشفوا لاحقاً أن بالإمكان تحويل هذا الاضطرار إلى "ستايل"، لكن هذه المصالحة المتأخرة مع البالة لا تلغي الحقيقة الأولى والأقسى، وهي أن المستعمل هنا لم يكن يوماً مجرد اتجاه عالمي عابر، ولطالما كان مهارة بقاء ولغة أناقة في آنٍ. وربما هذا بالضبط ما يجعل البالة اللبنانية مختلفة عن أي thrift غربي، فهي ليست موضة إنما ذاكرة تنسى أحياناً ثم تعود لتُذكّرنا بأننا كنا نعرف كيف ننجو، قبل أن نتعلم كيف نتأنّق أثناء النجاة.
ويبقى السؤال هل نحن فعلاً نقلل الهدر، أم أننا فقط نبحث عن طريقة أقل كلفة، وأكثر أناقة إذا أمكن، لنواصل الاستهلاك نفسه بضمير مرتاح. في لبنان نحن نفعل الأمرين معاً في آنٍ واحد، من دون أي تناقض. نشتري المستعمل لأننا مضطرون أولاً، ثم نتعلم بمرور الوقت كيف نحوله إلى ذائقة. وقد يكون التعريف اللبناني الأدق لكلمة thrift أو البالة هو حسن تدبير يُفرض علينا تحت الضغط، يتحول إلى محاولة صادقة، وإن كانت متأخرة، لنمنح هذا الضغط معنى نعيش معه.
اندبندنت عربية

