سيرياستيبس :
كتبت أمينة خيري
الحروب والصراعات التي عصفت بكثير من الدول العربية طوال العقد ونصف العقد الماضيين لم تؤدِّ إلى زيادات ملحوظة في معدلات استهلاك التبغ فقط بين المدنيين العالقين فيها، لكن أيضاً بين من نزحوا سواء داخلياً أو عبر الحدود للإقامة في خيام موقتة، أو منازل توفرها جهات أممية أو أهلية في دول الجوار.
يتحدث أحد العائدين لبيته المهدم في غزة أمام الكاميرا التي تخفق في تمويه بقايا الدخان الناجم عن النفس العميق الذي سحبه قبل أن يرد على أسئلة المراسلة. جيرانه وأقاربه في الخلفية يعوضون بقايا السيجارة المختبئة بين أصابع قريبهم. يروحون ويجيئون في خلفية "الكادر"، من بينهم من يبحث عن بقايا قد تكون نافعة من حطام البيت، ومن بينهم من يسجل بكاميرا الهاتف المحمول أو بذاكرة الدماغ ما كان وما أصبح عليه البيت، والسيجارة لا تفارق معظم الأيدي.
أيادٍ شبيهة في السودان، حيث كارثة الحرب لا تقل وطأة، فقط أسماء وانتماءات مختلفة للمتحاربين، واهتمام عالمي أقل بكثير من غزة، على رغم أن محصلة الصراعين أقرب ما تكون إلى التطابق. وعلى رغم نزوح وفرار ولجوء نحو 14 مليون شخص، وعلى رغم أن نحو 19. 5 مليون سوداني، أي نحو 40 في المئة من السكان، يعانون مستويات حادة من الجوع وانعدام الأمن الغذائي، وعلى رغم معدلات الفقر الآخذة في الارتفاع، وعلى رغم الاستخدام المنهجي للاغتصاب والاعتداءات الجنسية كسلاح حرب، وعلى رغم اعتماد نحو نصف من بقي من السكان على مساعدات منقذة للحياة، فإن السيجارة وغيرها من أدوات وأنواع استهلاك التبغ لم تختفِ أو تتقلص، بل زادت. ليس هذا فقط، بل جرى تطويع صناعة السجائر من أجل استمرار ضخها وترويجها وزيادة استهلاكها في السوق السودانية.
تقارير موثقة، أبرزها ما نشرته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية في يونيو (حزيران) عام 2023 حين كشف الصحافي روب دافيس عن "خطة مخزية" لضغوط تبذلها شركة صناعة تبغ على باكستان للسماح لها بتصنيع عبوات سجائر أصغر حجماً لتصديرها إلى السودان الغارق في الحرب والفقر ومصاعب المعيشة، مما يجعل شراء علبة السجائر المعتادة (20 سيجارة) أمراً صعباً، ويؤثر سلباً في رغبات المستهلكين (بمعنى آخر أرباح الشركات)، وأن طرح علب سجائر صغيرة (10 سجائر فقط) من شأنه أن يرضي جميع الأطراف.
يشار إلى أن باكستان ضمن 80 دولة تعهدت بعدم بيع عبوات صغيرة للسجائر، وألا يقل العدد عن 20 سيجارة، منعاً لانخفاض السعر وجعله في متناول يد أعداد أكبر من الأفراد، ولا سيما الأطفال والمدخنون، لكن أيضاً في أزمنة الحروب وتصاعد القلق والبحث المحموم عن متنفس، لو نفس دخان، تتسع قاعدة التدخين، فالمدخن يدخن أضعافاً، وغير المدخن ينجرف إلى ما تيسّر من تدخين.
حروب قوم وفوائد شركات
حروب قوم عند شركات فوائد ومكاسب، فحين تعلو أصوات الانفجارات وتتفاقم آثار المسيّرات والقصف والاستهداف ويتسارع عداد الموتى والمصابين وتصل الخسائر المادية إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من خراب ودمار، يبدو حديث الصحة والآثار السلبية للتدخين والصور المقارنة بين رئة المدخن وغير المدخن وأثر تدخين الأم على الجنين وصحته ورفاهه وكلفة علاج الأمراض الناجمة عن التدخين على موازنة الدولة ومدخرات الأفراد، أقرب ما تكون إلى الكوميديا السوداء في وقت شديد السواد.
ليس هناك ما هو أشد قتامة من الحروب التي تفتك بالمدنيين، ولا تجد غضاضة في استهداف مدنيين لا ناقة لهم في أسباب الصراع، أو جمل في أهدافه، من استغلال هذه الأجواء المميتة من أجل مزيد من الإماتة.
تاريخ الحروب في جزء منه هو تأريخ للتدخين، إذ هناك علاقة وثيقة ومؤكدة بالبحث العلمي بين الصراعات والحروب والتدخين، سواء كعامل معضد للروح المعنوية، للمقاتلين والمدنيين على حد سواء، أو كوسيلة للتعامل مع القلق والخوف والتوتر، أو كعملة بديلة للأموال.
خلال الحرب العالمية الأولى، اعتمد قادة الجيوش على السجائر باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التموين الذي يجري صرفه للجنود. كانت السجائر محورية لتهدئة الأعصاب وتسكين المخاوف، لذلك كانت تحظى بالأهمية نفسها التي تحظى بها الذخيرة.
واستمرت مكانة السجائر والتبغ والتدخين خلال الحرب العالمية الثانية، لكن مع إضافة محسنات اجتماعية تتمثل في ارتباط التدخين بالمظهر الذكوري القوي المهيمن، وفي القلب منه قدرة الرجال على الذود عن أوطانهم والمواطنين.
مئات الدراسات والبحوث العلمية أجريت على هوامش علاقة الحروب والصراعات والأزمات من جهة، والتدخين من جهة أخرى. والمؤكد والمثبت علمياً هو أن الحرب وما تنطوي عليه من عنف وقلق وخوف ونزوح وهروب تؤدي إلى تفاقم معدلات استهلاك النيكوتين بأنواعه، حتى أولئك الذين كانوا في عداد غير المدخنين.
من جورجيا وأوكرانيا وروسيا إلى سوريا وليبيا والعراق ومنها إلى اليمن ولبنان والسودان وغيرها من أماكن الحروب والصراعات، تبرز مؤشرات على زيادة في معدلات التدخين، وكذلك إبداع في سبل التسويق والترويج، لكن تبقى الأرقام والنسب المئوية غائبة. فحين تغيب الإحصاءات الدقيقة لعدد القتلى، والتقديرات الواقعية لحجم الدمار، والكلفة المتوقعة لعلاج الجرحى، وكذلك إعادة الإعمار (في حال انتهى الصراع)، يصعب الحديث عن إحصاءات دقيقة أو تقديرات واقعية للتغيرات التي طرأت على أعداد المدخنين ونسب التدخين وأنماطه.
"الخطة المخزية" التي أسهبت تقارير في سرد تفاصيل إغراق السودان الممزق بالحرب والقتال والنزوح واللجوء وانهيار الأنظمة الصحية والتعليمية بعبوات صغيرة لـ"تلبية مطالب" المستهلك السوداني ليست الوحيدة. ربما تكون الوحيدة التي عرفت تفاصيلها طريقها إلى العلن، ومن العلن إلى تحذيرات الخبراء ومخاوف الأطباء من الآثار الصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية المتوقعة على المجتمع السوداني، ولا سيما الأطفال والمراهقون، لكنها خطة متكررة في كل مناطق الصراع، إن لم يكُن عبر شركات "تصطاد في مياه الحروب العكرة"، فعبر بحث مضنٍ للأشخاص العالقين في صراعات عن "قشة" تخفف عنهم الضغوط النفسية ومشاعر القلق والخوف.
الحروب والصراعات التي عصفت بكثير من الدول العربية طوال العقد ونصف العقد الماضيين لم تؤدِّ إلى زيادات ملحوظة في معدلات استهلاك التبغ فقط بين المدنيين العالقين فيها، لكن أيضاً بين من نزحوا سواء داخلياً أو عبر الحدود للإقامة في خيام موقتة، أو منازل توفرها جهات أممية أو أهلية في دول الجوار.
سوريا والنزوح والتدخين
دراسات عدة أجريت على المدنيين السوريين الذين نزحوا أو عبروا الحدود أو حتى استقروا في دول مجاورة على مدى أعوام الحرب الأهلية. وأشارت دراسة عنوانها "عادات التدخين وأثر الحرب على تدخين السجائر والشيشة في سوريا" (2021) ومنشورة على موقع "المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية" إلى أن نسبة تدخين السجائر بين الذكور عام 2019 بلغت نحو 35 في المئة، و10 في المئة بين الإناث، في حين بلغت نسبة تدخين الشيشة 34 في المئة بين الذكور ونحو 28 في المئة بين الإناث.
وجاء ضمن الدراسة أنه على رغم وباء التدخين في المنطقة العربية، فإن النسب في سوريا "مقلقة للغاية، ولا سيما أن الصراعات المتعددة في سوريا لها آثار مضاعفة على معدلات التدخين. معدلات التدخين بين المدخنين زادت، ومعدلات المنضمون الجدد إلى التدخين، سواء السجائر أو الشيشة، زادت بصورة ملحوظة.
وفي دراسة منشورة على موقع "منظمة الصحة العالمية عنوانها "الحروب والنزاعات أرض خصبة لصناعة التبغ" (2024)، جاء أن دول الشرق الأوسط التي تعيش حروباً تشهد كذلك عمليات تصدير واستيراد سجائر على نطاق واسع. وأشارت إلى أن اليمن الذي يشهد صراعاً منذ نحو عقد، ويعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، استورد عام 2019 سجائر بنحو 20 ألف دولار أميركي. كذلك، افتُتح مصنع لتصنيع التبغ في العام نفسه، بحسب ما كشفت عنه "مجموعة بحوث مكافحة التبغ" في "جامعة باث" البريطانية.
وعن سوريا، أوردت الدراسة أن خلال الحرب التي استمرت نحو عقد ونصف العقد، وأدت إلى نزوح قسري لما يزيد على 12 مليون سوري، استمرت البلاد في تصدير التبغ.
بعضهم يرفع راية "الضرورات تبيح المحظورات"، فالحروب والصراعات، وما ينجم عنها من تشريد ونزوح وفقر وفقدان أرواح وممتلكات وغيرها تجعل محظورات العمل في صناعة التبغ أو تصديره ضرورات تخفف من حدة المصاعب من توفير فرصة عمل ودخل مادي وغيرهما. وفي هذا الشأن، تفيد الدراسة بأن "استمرار التجارة في أكثر المنتجات الاستهلاكية فتكاً بالصحة في العالم يؤدي إلى إطالة أمد معاناة الحرب وتفاقمها، ويزيد أيضاً من أعباء الفقر والمرض والوفيات، سواء الآن في ظل الحرب أو غداً بعد انتهائها".
وانتهاء الحروب لا يعني انتهاء الزيادات التي طرأت على معدلات التدخين والمدخنين، بل على الأرجح، العكس هو الصحيح. فمن جهة، لا يجري إدراج جهود التوعية وخطط التثقيف وبرامج المساعدة في الإقلاع عن التدخين، وكذلك إعادة تطبيق القوانين التي عطّلتها الحرب وشل الصراع تنفيذها والخاصة بحماية صحة المواطنين، ومواجهة شركات التبغ بزيادة أسعار المنتجات وفرض الضرائب وتقييد أعمار المشترين وغيرها، إذ يندرج كل ما سبق تحت بند الرفاهية مقارنة بغيرها من متطلبات إعادة البناء، أو الضرورات، لكن القابلة للتأجيل.
وتُضاف إلى قائمة الأولويات الطارئة التي تفرضها ظروف وأوضاع ما بعد الحروب والصراعات الخدمات الصحية وتقديم الدعم والعلاج لمن يصابون بأمراض ناجمة عن التدخين، إذ إن انهيار الأنظمة الصحية أو تأثرها سلباً يضع جرحى الحرب على رأس الأولويات مقارنة بـ"مصابي التدخين".
ويضاف إلى ارتفاع الإقبال على التدخين وقت الحروب والصراعات، استمرار الزيادة وربما مزيد منها في أوضاع ما بعد الحرب التي لا تقل ضراوة عن الحرب نفسها. وينظر بعضهم إلى الحرب، مهما بلغت من ضراوة وقسوة، على أنها مرحلة موقتة ستصل إلى النهاية بصورة أو بأخرى، لكن حين يكتشف أن هذه النهاية هي بداية مرحلة لا تقل صعوبة، فمواجهة مع حجم الخسائر البشرية والمادية، والواقع الجديد الذي قد يعني بيتاً تهدم، أو عملاً لم يعُد له وجود، أو أسرة قتل عدد من أفرادها، أو حياة لن تعود كما كانت، أو كل ما سبق، يؤدي إلى البحث عن مهرب عبر التبغ بأنواعه، وكذلك بدائله.
ومتلازمة الصراعات والتدخين تمتد لتلجأ إلى بدائل للتغلب على ضيق ذات اليد الناجم عن الحرب الذي يحول دون شراء السجائر، أو عدم توافرها بسبب انعدام الأمن وتوقف حركة التجارة أو الاستيراد، أو غلائها الفاحش حال توافرها.
على هامش الحروب
وعلى هامش الحروب، تنشأ أسواق التهريب للسجائر والتبغ ومنتجاته غير معلومة المصدر، وتنشأ أيضاً بدائل مصنعة محلياً، لعل أبرزها ما ذكرته تقارير من غزة خلال الأشهر الأخيرة عن سجائر الملوخية التي أصبحت بديلاً اضطرارياً مع شح التبغ وارتفاع أسعاره بصورة جنونية نتيجة الحرب، إذ إن أوراق الملوخية أو الخروع تُجفف، ثم تُخلط بسائل النيكوتين وتُلفّ وتُدخن. وبحسب تقارير واردة من غزة، فإن صانعي هذه السجائر أنفسهم يؤكدون أن أحداً لا يعلم إن كانت هذه الأوراق، أو السائل المستخدم للخلط سام أو لا، ولكنه ضروري، لأن المدخن سيدخن بصرف النظر عن المحتوى أو الأثر، أو كما قال أحدهم لوكالة الصحافة الفرنسية "أدخن منذ كنت في الـ13 من عمري. الآن أدخن سجائر الملوخية، لو وضعوا سماً سندخنه. لا حياة ولا مستقبل لنخشى على صحتنا".
الكبار مستمرون في التدخين في أماكن الصراع بحثاً عما يخفف وطأة الأوضاع. أما الصغار، فهم المقبلون الجدد الهاربون مما هو آتٍ عن طريق التدخين، ولا سيما في ظل غياب الرعاية والرقابة والمتابعة بسبب الأوضاع الأمنية، وتغير قائمة الأولويات تحت وطأة الصراع. ففي مايو (أيار) الماضي، حذر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط "إمرو" من وصول معدلات التدخين بين المراهقين (بين 13 و15 سنة) في بعض الدول إلى 43 في المئة بين الذكور، و20 في المئة بين الإناث. وتبين أن أعلى معدل انتشار لتعاطي التبغ بين الفتيان في الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية) بنسبة 43.3 في المئة، ثم الأردن (33.9 في المئة)، فسوريا (31.6 في المئة).
وحذرت "إمرو" من تضاؤل الفجوة في تعاطي التبغ بين الرجال والنساء، مما يعكس إقبال أعداد أكبر من النساء والفتيات في المنطقة على التدخين.
يشار إلى أن الهاربين من قلق وخوف وضغط الحروب والصراعات لا يقتصرون على من يعيشون في أماكنها، بل يمتدون إلى دول الجوار، إذ إن دراسات عدة على مدى عقود برهنت على أن متابعة الأخبار المتعلقة بالحروب تؤدي إلى زيادة معدلات التدخين، وأن هذه المعدلات تزيد كلما كانت المشاهدة قريبة جغرافياً من منطقة الصراع. والقلق والخوف والاحتراق العاطفي تجعل النيكوتين وسيلة تكيف، بالغة الخطورة، مع الواقع المثير للجزع.
وكثرٌ يُعدون الاطلاع على مجريات الحروب جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، لكن بينهم من لا يدرك أن هذا النوع من التفاصيل قد تؤثر فيه بصورة بالغة الخطورة، تحديداً ارتفاع نسبة القلق والتوتر، وأن إحدى وسائل الهروب منهما تكمن في التدخين. إنها الحلقة المفرغة التي تزيد ضيقاً واستحكاماً كلما كانت هذه الحروب المطلع عليها قريبة من المتلقي.
إسرائيل نفسها تجد نفسها أمام أخطار ارتفاع معدلات التدخين جراء الحرب، أو بالأحرى الحروب التي هي سبب رئيس في اندلاعها، فأشارت تقارير إسرائيلية في مايو الماضي إلى أن نسبة البالغين المدخنين للسجائر ارتفعت العام الماضي من 20 إلى 24 في المئة، وأن 37 في المئة من المدخنين قالوا إنهم بدأوا التدخين أو عادوا له بعد فترة انقطاع، بسبب التوتر والقلق الناجمين عن الوضع الأمني وحرب إيران.
دخان الحروب والصراعات المشتعلة في المنطقة العربية يخلف أدخنة من نوع آخر، بين تلك الناجمة عن حرق القطران والنيكوتين والبفرة (ورقة لف السيجارة)، أو المنبعثة جراء احتراق الفحم مع المعسل في الشيشة أو "الجوزة" (تشبه الشيشة ولكن أكثر بدائية)، أو المندفعة بسبب احتراق أوراق الملوخية مع سائل غير معلوم المصدر أو المحتوى، وجميعها، بما فيها دخان الحرب، مهلك ومميت وممتد التأثير.
اندبندنت عربية

