سيرياستيبس
لو تأملت خريطة العالم بعين رجل الاقتصاد أو التخطيط العسكري، لاكتشفت أن كوكب الأرض، بكل اتساع قاراته ومحيطاته، لا يُحكم بالسيادة على اليابسة بقدر ما يُحكم بـ"سبع نقاط خناق مائية لا تجاوز مساحتها الإجمالية كسراً مئوياً صغيراً من جغرافيا البحار. من مضيق الملاقة في أقصى الشرق الآسيوي، الذي يعبره ثلث التجارة العالمية وتتغذى عبره الصين بالنفط، إلى مضيق جبل طارق وباب الملاحة في قناة بنما، وصولاً إلى المثلث المائي الأشمل والأشرس صراعاً في الشرق الأوسط: مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس. عبر هذه الشرايين المائية الضيقة، ينبض أكثر من 80 في المئة من حجم التجارة العالمية المباشرة، وينساب شريان الحياة الاقتصادي الذي يحرك المصانع والدبابات ومحطات الكهرباء من الشرق إلى الغرب. لكن خلف هذا الجريان البحري الظاهر، تدور اليوم معركة صامتة وأشد خطورة على "جغرافيا الظل"، معركة لا تُستخدم فيها القذائف فقط، بل تُخاض بخرائط السكك الحديد الفائقة السرعة، وصفقات الاستحواذ على الموانئ الاستراتيجية، ومشاريع الجسور البرية التي تحاول إعادة هندسة الخريطة البحرية للقرن الـ21. فخلف كواليس حرب الممرات البديلة، ودوافع القوى العظمى لتجاوز نقاط الاختناق البحرية، تُساق المنطقة العربية وإسرائيل لتكون عُقدة الربط أو نقطة الخنق في نظام تجاري دولي يُعاد تشكيله تحت خطوط النار. "صمام الطاقة الأول"
إذا كانت الممرات المائية هي شرايين الكوكب، فإن مضيق هرمز يمثل شريانه الأبهر. غير أن تاريخ هذا المضيق ليس مجرد أرقام تجارية، بل هو تاريخ ملطخ بالدماء وحروب الناقلات التي جعلت العبور منه كابوساً أمنياً يهدد الاقتصاد العالمي بالانهيار عند كل مواجهة عسكرية. ولم يكن القلق الغربي من هرمز مجرد سيناريو نظري في ظل الاعتداءات الإيرانية المتواصلة، بل ولد من رحم الكوارث الميدانية. ومنذ حرب الخليج الأولى في الثمانينيات، واستهداف أكثر من 500 سفينة وناقلة نفط بالألغام والصواريخ، ثبت للعالم أن هذا الممر الضيق، الذي لا يتعدى الممر المائي للعبور فيه ثلاثة كيلومترات في كل اتجاه، هو أسهل موقع في العالم يمكن تحويله إلى أزمة. فطوال أعوام الصراع والحروب الأخيرة، عاش المضيق على وقع ضرباتٍ متتالية، من زرع الألغام البحرية في أبدان الناقلات قبالة الفجيرة وهرمز، إلى هجمات الطائرات المسيرة الانتحارية، واحتجاز الحرس الثوري الإيراني للناقلات البريطانية واليونانية والأميركية تحت تهديد السلاح. هذه الكوارث العسكرية لم تكتفِ بتعطيل حركة تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً (تشكل 30 في المئة من نفط البحار عالمياً)، بل تسببت في قفزات جنونية بأسعار التأمين ضد أخطار الحرب بنسبة تجاوزت 500 في المئة، ورفض كثير من شركات الشحن وربابنة السفن دخول المضيق خوفاً من الاحتجاز أو التفجير. إلا أن المشاهد الدرامية للناقلات المشتعلة وسفن البضائع المستهدفة في عرض البحر كانت الدافع الفعلي والشرارة التي أطلقت هندسة المشاريع البديلة.
وما إن أدركت واشنطن ونيودلهي أن الاعتماد على البحار والمضايق المائية في ظل إمكانية إغلاقها أو تحويلها لساحة حرب، هو "انتحار اقتصادي"، حتى وُلدت فكرة تفادي الممر المائي كلياً، عبر تفريغ البضائع في موانئ الخليج الواقعة قبل المضيق أو على أطرافه، ونقلها عبر السكك الحديد برياً نحو الأردن وإسرائيل وصولاً إلى المتوسط. وبحسب تحليلات لمستشارين في هيئة الطاقة الدولية وخبراء في سلاسل الإمداد، فإن ما شهده العالم في مضيق هرمز طوال أوقات الحرب والتوتر العسكري، لم يكن مجرد أزماتٍ عابرة، بل كان كوارث أمنية شلت حركة التجارة الدولية وأثبتت أن الشرايين المائية في الشرق الأوسط أصبحت "رهائن جيو-عسكرية". ولفت المستشارون إلى أن اللجوء المتسارع نحو الجسور البرية وشبكات الأنابيب لم يكن دافعه البحث عن التوفير المالي، بل كان قراراً اضطرارياً بسبب الاعتداءات الإيرانية على الملاحة البحرية وعرقلتها. ممرات كبرى
لم تكن هذه الكوارث الميدانية وحال الاستنزاف في مضيق هرمز مجرد أزمةٍ أمنية عابرة، بل أعادت ترتيب أولويات القوى العظمى، التي أدركت أن الارتهان المباشر لهذا الشريان النفطي الهش لم يعد مجرد مخاطرة تجارية، بل أصبح تهديداً يمس الأمن القومي لسلاسل إمدادها بالكامل.
وعقب هذه الأزمة اللوجيستية، تحول البحث عن البدائل من مجرد خطط طوارئ محلية لتأمين النفط إلى صراعٍ دولي مفتوح لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية. فلم يعد السؤال "كيف نمر من هرمز؟"، بل "من يملك الشريان البديل الذي يربط آسيا بأوروبا برياً وبحرياً؟". وهنا بالتحديد، بدأت معركة كبرى يقودها معسكران لا يلتقيان على النفوذ والسيادة اللوجيستية بين واشنطن وبكين. فالأخيرة وبصفتها المصدّر الأكبر عالمياً بتبادل تجاري يتجاوز 6.3 تريليون دولار، تعتمد على الاستثمار في الموانئ الأجنبية لحماية تجارتها. ووفق مؤشرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، تسيطر الشركات الصينية المملوكة للدولة مثل COSCO وSIPG على حصص تشغيلية وإدارية في أكثر من 100 ميناء حيوي حول العالم، بينها موانئ محورية في اليونان (بيريوس)، مصر (الفيوم والسنخية)، وإيطاليا.
إلا أن التمدد الصيني، دفع قمة مجموعة الـ20 (G20) في نيودلهي عام 2023 إلى الإعلان عن الممر الاقتصادي الممتد من الهند، وصولاً إلى إسرائيل ومنها إلى أوروبا، الذي يستهدف كميزة تنافسية، اختصار زمن شحن البضائع بين الهند وشمال أوروبا بنسبة 40 في المئة (من 18 يوماً عبر طريق قناة السويس والبحار إلى نحو 10 أيام فقط عبر النقل المزدوج)، مع تقليص كلف النقل التشغيلية بنسبة 30 في المئة. وتحولت مدينة وميناء حيفا إلى الميدان الأكثر سخونة لتطبيق هذه الاستراتيجيات المتقاطعة، حيث اشتبكت المصالح الغربية مع النفوذ الصيني بصورة مباشرة. ففي عام 2015، وقّعت إسرائيل اتفاقاً مع شركة موانئ شانغهاي الدولية (SIPG) الصينية لتطوير وإدارة "رصيف الخليج" في ميناء حيفا لمدّة 25 عاماً باستثمار بلغ 1.7 مليار دولار، وجرى افتتاحه رسمياً في عام 2021 بطاقة استيعابية تبلغ 1.86 مليون حاوية نمطية سنوياً. مما أثار حفيظة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) نظراً إلى قرب الرصيف الصيني من نقطة رسو الغواصات الإسرائيلية والسفن الحربية للأسطول السادس الأميركي، مما مارس ضغطاً أمنياً هائلاً على تل أبيب. ورداً على الخطوة الصينية، اندفعت الهند بالتحالف مع إسرائيل وبتدبير أميركي لاسترداد الموقع. وفي يناير (كانون الثاني) 2023، اكتملت صفقة شراء ميناء حيفا القديم لمصلحة مجموعة "أداني" (Adani Group) الهندية المملوكة للملياردير غوتام أداني بالتحالف مع شركة "جادوت" الإسرائيلية مقابل 1.2 مليار دولار. مما حول الميناء إلى النقطة البحرية المائية الأولى والرئيسة لممر (IMEC) على المتوسط، وحرم الصين من الاحتكار اللوجيستي للشاطئ الإسرائيلي. جسر بري
لم تكن معركة الموانئ في حيفا والصراع الهندي-الصيني عليها مجرد منافسةٍ استثمارية على الورق، بل كانت تحضيراً لبنية تحتية تنتظر "لحظة الانفجار". وهذه اللحظة لم تأتِ من حوض المتوسط نفسه، بل أطلت برأسها من أقصى الجنوب، وتحديداً من مضيق باب المندب. فعندما بدأت اعتداءات الحوثيين في البحر الأحمر وتسببوا بمخاطر متعددة، وجد العالم نفسه أمام واقعٍ صعب، فالتوترات هناك واستهداف السفن عند مضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية و10 في المئة من النفط المنقول بحراً، أديا إلى إجبار بعض السفن على الالتفاف حول أفريقيا وإضافة مسافة زمنيةٍ تراوح ما بين 10 و14 يوماً لكل رحلة بين آسيا وأوروبا، وارتفاع أسعار شحن الحاويات النمطية (40 قدماً) بنسب تجاوزت 250 في المئة في أوقات الذروة، فضلاً عن إضافة أقساط التأمين ضد أخطار الحرب التي فرضتها مؤسسة Lloyd's البحرية. وأمام هذا الاختناق، نشطت شركات اللوجيستية لإطلاق "الجسر البري للتمرير السريع"، حيث تُفرغ البضائع في موانئ دبي أو المنامة، وتُنقل بالشاحنات عبر الأردن، لتصل معبر "الملك حسين/الكرامة" ثم إلى ميناءي حيفا وأشدود ليجري تحميلها نحو أوروبا. واستطاع هذا المسار تقليص زمن وصول البضائع من الخليج للمتوسط إلى ثلاثة-أربعة أيام فقط، محولاً الخطوة من مجرد خطة طوارئ إلى مسارٍ تجاري قائم. ويتكامل مشهد الموانئ مع خطط حفر الممرات (قناة بن غوريون) وتأمين موارد الطاقة في حوض البحر الأبيض المتوسط. وبحسب وثائق صادرة عن وزارة الطاقة الأميركية عام 1963 (رفع عنها السرية لاحقاً) يقوم المشروع على فكرة حفر قناةٍ مائية لتربط بين خليج العقبة (إيلات) وشواطئ المتوسط في النقب قرب غزة أو أشدود.
وعلى رغم تكلفته الخيالية التي تُقدر بـ30 إلى 50 مليار دولار، فإن التفكير فيه يهدف إلى خلق منافسٍ هيكلي لقناة السويس يستند إلى سلطة وسيادة إسرائيلية كاملة، خصوصاً وأن حقول الغاز الكبرى (مثل حقل "لوثيان" و"تمار" الإسرائيليين، وحقل "غزة مارين" قبالة ساحل غزة) تتداخل مع هذا الصراع، إذ ترى الشركات الغربية الاستثمارية أن السيطرة على الواجهة البحرية وتأمين خطوط الأنابيب شرطان أساسان لربط غاز المنطقة بمحطات التسييل في مصر وتصديرها لأوروبا. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة قناة السويس، فقد تتسبب الممرات البديلة واعتلال الملاحة في باب المندب بضغوط هائلة على الاقتصاد الوطني لمصر، إذ إن تحول السفن تسبب في هبوط حركة الملاحة وحمولات السفن بنسبٍ تراوحت بين 40 و50 في المئة، مما أدى إلى خسائر شهريّة قدرت بـ300 إلى 400 مليون دولار. وفي تصريحٍ رسمي للباحثة والاستشارية في الاقتصاد السياسي نادية عبدالرؤوف، فإن الممر الهندي-الأوروبي والجسر البري لا يستهدفان فقط تقليل زمن الترانزيت، بل يعيدان توزيع ورقة النفوذ الجيوسياسي في الشرق الأوسط، مؤكدة أن تهميش الدور المحوري لقناة السويس ومضيق باب المندب يستهدف تحويل تل أبيب إلى المركز اللوجيستي الأول الذي يربط الاستقرار الغربي بأسواق آسيا. مقارنة علمية
وبحسب خبراء ومتخصصين، فإن المحاولات للالتفاف على مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس عبر الجسور البرية والموانئ البديلة، قد يوفر حلولاً موقتة للشركات الدولية إبان الأزمات، غير أن المقارنة الهندسية واللوجيستية تؤكد أن النقل البحري الكثيف سيبقى العمود الفقري للقلب التجاري للكوكب، كيف لا وسعة الحمول للشحن البحري عبر الممرات (السويس / هرمز) فائقة الضخامة (سفينة واحدة تحمل حتى 24 ألف حاوية نمطية) والكلفة للطن منخفضة جداً، كذلك أن عمليات المناقلة تجري مباشرة عبر الشحن من الميناء وإليه بحد أدنى من التفريغ، ناهيك عن أن الاستدامة والجاهزية مجربة منذ أكثر من قرن ونصف. في المقابل، فإن سعة الحمولة عبر النقل البري والسكك الحديد (IMEC) والجسر البري محدودة (القطار أو الشاحنة تحمل بين 100 و200 حاوية فقط) والكلفة للطن مرتفعة وتعتمد على الوقود الشديد ورسوم الصيانة والمناقلة، كذلك أن عمليات النقل معقدة وتتطلب نقل البضائع بين ثلاث وسائط (سفينة-قطار-شاحنة-سفينة). إضافة إلى ذلك، فإن الشحن عبر النقل البري والسكك الحديد (IMEC) والجسر البري تتطلب مئات المليارات لتسوية السكك وتوحيد الجمارك عبر الدول.
ويرى مراقبون أن محاولة تشكيل "استقرار لوجيستي" في المنطقة بتهميش الجغرافيا العربية لمصلحة مشاريع المحاور الترانزيتية تظل رهاناً على رمال متحركة، لأن أمن الممرات والبحار لا يقتصر على تأمين السكك الحديد وحدها، بل بإحكام السلام القائم على العدالة السياسية والسيادة التامة على الموارد والأرض.
اندبندنت عربية
|