من اقتصاد الحاكورة إلى اقتصاد المبادرة
سيرياستيبس كتب الدكتور ابراهيم محمد : من «حاكورة الجبل» التي كان أبي يدللها، إلى «حاكورة النقر» التي كان عمي يتغنى بها، حكايةُ أرضٍ صنعت للأجداد مصدر رزق وأمل. فهل يستطيع أبناء اليوم أن يحوّلوا إرث الحاكورة إلى اقتصاد مبادرة ورقمنة، يجعل من القرية مكانًا للعمل والإنتاج والابتكار، لا محطةً للهجرة فقط؟ كتب الدكتور إبراهيم محمد – برلين* في قريتي بسّين، حيث وُلدت وترعرعت، كان والدي، رحمه الله، يدلل حاكورته «حاكورة الجبل» كما يدلل أولاده. كانت الحاكورة شغفه الأكبر وسط قسوة العيش؛ ينظفها، ويرمم جدرانها الصخرية، ويركشها بعناية فائقة. وكان يفرش تربتها بالسماد العضوي من المتأتي من روث بقرته التي أطلق عليها اسم «غنيجة»، دلالةً على دلاله لها. وكانت شتلات التبغ الشامخة في الحاكورة تبسط أوراقها كأجنحة الطيور الجارحة، في مشهد مهيب يعكس نجاحًا نادرًا في بيئة صعبة. أما خضرواتها، من الطماطم والسلق والهندباء والكوسا والفجل والخيار والملفوف وغيرها، فكانت بالنسبة إليه ألذّ من أي طعام في العالم. حاكورة أبي وحاكورة عمي وتحدي البقاء وكما كانت «حاكورة الجبل»، كانت هناك أيضًا «حاكورة النقر» لعمي المرحوم علي سعيد إسبر حمودة. كان العم، بدوره، يدلل حاكورته على نحو يشبه والدي، وكأن بينهما نوعًا من المنافسة على من يقدم لأرضه مزيدًا من الخدمة والدلال. وقد وصل هذا الحب إلى حد أنه كان يغني لها ويتغنى بها، كأنها أجمل حاكورة بين حواكير الضيعة، التي حملت أسماء عائلات وأماكن، مثل يحيا، والبياضة، والزريقة، والموشة، ودغمان، وريا. ولم تكن «حاكورة الجبل» أو «حاكورة النقر» الوحيدتين اللتين حظيتا بكل هذا الدلال في القرية وجوارها. فقد كان لدى معظم العائلات في قريتنا حاكورة تفخر بها. ولم يأتِ هذا الفخر من كون الحاكورة شكّلت، على مدى عقود، ركيزة أساسية في معيشة أبناء المنطقة وحسب، بل لأن إنشاء حاكورة في سفح جبل، بين الصخر والحجارة، كان شكلًا من أشكال الأمل والإصرار على قهر الطبيعة وتحدّي البقاء، من أجل توفير الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم. وأعتقد أن علاقة الآباء والأجداد بالحاكورة تنطبق على غالبية قرى الساحل السوري، إن لم يكن على جميعها؛ إذ تربط أهلها بالأرض علاقة عشق وخدمة وتفانٍ، رغم الوظيفة والغربة. وهي علاقة نادرة قلّما رأيت مثلها خلال جولاتي المهنية في عشرات الدول حول العالم. الحاكورة... بين اقتصاد الأمس وغياب الأمن الغذائي اليوم وانطلاقًا من الأهمية التاريخية للحاكورة، ونوعًا من الوفاء لكل من أحبها واعتنى بها كما فعل والدي وعمي، أطلقت في قريتي مشروعًا متناهي الصغر تحت عنوان «حاكورتي سندي بالصيف والشتي». ويهدف المشروع إلى مساعدة أسر محتاجة في القرية وجوارها على توفير جزء من احتياجاتها من الخضار الصيفية والشتوية، من خلال زراعة حاكورة أو قطعة أرض صغيرة بجوار المنزل. وتنبع أهمية المشروع، أيضًا، من فقدان الكثير من أرباب الأسر وظائفهم وأعمالهم نتيجة تسريح أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات الدولة خلال عامي 2025 و2026، إضافة إلى تراجع اقتصاد الحاكورة وتضاءل الاعتماد عليها بفعل الهجرة إلى أطراف المدن ونزوح الشباب من الريف بحثًا عن فرص عمل أفضل.
بالطبع، لن تؤدي زراعة حاكورة إلى توفير مصادر العيش للعائلات، لكنها يمكن أن تساعد في توفير حد أدنى من الأمن الغذائي على مدى أكثر من نصف السنة. وفي عالم يشهد ارتفاعًا مستمرًا في معدلات التضخم والأسعار، لم يعد اقتصاد الحاكورة، بمعناه التقليدي، قادرًا وحده على حل معضلة العيش في زمن تتسارع فيه المصروفات وتتزايد المتطلبات. من اقتصاد الحاكورة إلى اقتصاد المبادرة ومن هنا، فإن الحاكورة التي مثّلت بالأمس مصدرًا للأمل، وجسّدت إبداع الأجداد في تطويع الطبيعة ومواجهة الفقر، ينبغي أن تصبح اليوم مصدر إلهام لشبابنا من أجل العمل بكل السبل لنقل قراهم من اقتصاد الحاكورة التقليدي إلى اقتصاد يقوم على المبادرات الخلاقة والمتنوعة، التي تحاكي متطلبات العصر الرقمي، إذا صح التعبير. ولعل التحدي الأكبر الذي تواجهه قرى الساحل السوري اليوم هو أن كثيرًا من شبابها باتوا يرون في الهجرة الطريق الأقرب إلى مستقبل أفضل، بعدما ضاقت فرص العمل وتراجعت قدرة الريف على توفير مصادر دخل مستقرة. والهجرة، في هذه الحالة، ليست مجرد رغبة في مغادرة المكان، بل تعبير عن بحث مشروع عن فرصة وحياة أكثر استقرارًا. لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل يمكن أن نجعل من القرية نفسها مساحةً لصناعة هذه الفرص، بدل أن يكون الرحيل هو الخيار الوحيد أمام شبابها؟ فإذا كان الأجداد قد نحتوا، بإصرار وتضحية، مصادر عيشهم في الجبال الصخرية، فلماذا لا يحاول الأبناء والأحفاد اليوم إعادة اكتشاف محيطهم وتطويعه بأدوات العصر، التقليدية منها والرقمية، وبكل الحب والرعاية اللذين منحهما الأجداد لحواكيرهم؟ وإذا كانت الهجرة اليوم تستنزف شباب قرانا، فإن اقتصاد المبادرة والاقتصاد الرقمي قد يمنحان بعضهم سببًا للبقاء، وبعض من غادروا سببًا للعودة. من حاكورة الأرض إلى حاكورة الاقتصاد الرقمي قبل فترة وجيزة، استمتعت بمقابلة مهندس معلوماتية هجر مدينة برلين عائدًا إلى قريته النائية في ريف ولاية براندنبورغ الألمانية، ليؤسس منصة إلكترونية تساعد القرية والقرى المجاورة على بيع منتجاتها، واستقبال السياح مع عائلاتهم في بيوتهم، للاستمتاع بالطعام التقليدي القروي والطبيعة الهادئة والجميلة، بعيدًا عن ضجيج المدينة. وقبل أيام، أخبرني جار لي يدير شركة بناء صغيرة في برلين أنه يعمل مع مهندسين يعيش بعضهم في أرياف الفلبين. وهناك عشرات الأمثلة التي يمكنني أن أسوقها في هذا الإطار، بحكم تنقلي وعملي في ألمانيا وخارجها. حين يلتقي اقتصاد الأرض باقتصاد التكنولوجيا وعلى ضوء ذلك، أعتقد أن لدى الجيل الجديد في الساحل السوري وخارجه، في الأرياف الأخرى، فرصة حقيقية للعمل والإبداع من أجل ما يمكن تسميته الربط بين الاقتصاد التقليدي في الزراعة والسياحة والاقتصاد الرقمي، الذي يفتح أبوابًا واسعة لرزق جديد في مجالات كثيرة وواعدة. فالقرية لم تعد بالضرورة مكانًا يذهب منه الشباب بحثًا عن العمل إلى المدينة. ومع توفر الإنترنت والأدوات الرقمية، يمكن أن تصبح القرية مكانًا لإنتاج المعرفة والخدمات، وتسويق المنتجات المحلية، واستقبال السياح، والعمل عن بُعد، وإطلاق مشاريع صغيرة تتجاوز حدود المكان. وهنا لا بد من التأكيد على أهمية أن يحب كل شاب مجال إبداعه، كما أحب والدي وعمي والأجداد حواكيرهم وتفانوا من أجلها. فالحب والشغف ليسا مجرد مشاعر جميلة تجاه ما نعمله؛ إنهما، في كثير من الأحيان، شرط أساسي للاستمرار والنجاح. ولعل الرسالة الأهم التي يمكن أن نتعلمها من «حاكورة الجبل» و«حاكورة النقر» ليست فقط أن الأرض تستطيع أن تمنحنا بعض ما نحتاج إليه، بل أن الإنسان، حين يحب المكان الذي يعيش فيه، يستطيع أن يرى فيه إمكانات لا يراها الآخرون. لقد رأى أجدادنا في الصخور والحجارة مكانًا لزراعة التبغ والخضار. وربما حان الوقت لكي يرى أبناؤنا في القرية نفسها منصةً رقمية، ومشروعًا سياحيًا، وعملًا عن بُعد، ومنتجًا محليًا قابلًا للتسويق، أو فكرةً صغيرة يمكن أن تتحول إلى مصدر رزق. أخيرا فإن الحاكورة لم تكن يومًا مجرد قطعة أرض، بل هي، في جوهرها كذلك، فكرة عن الإنسان وقدرته على صناعة الأمل من المكان الذي يعيش فيه. وهذه الفكرة، ربما، ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى . * الدكتور إبراهيم محمد: أكاديمي وخبير وكاتب في السياسات الاقتصادية
|