سيرياستيبس
ضجّت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً بعد تصريحات رئيس جمعية معتمدي الغاز بأن بيع الغاز والمحروقات سيكون بالدولار، ما أثار ذعر المواطنين وقلقهم من ارتفاع كلفة المعيشة، ساعات قليلة كانت كافية لتخرج الجهات الرسمية وتنفي الخبر، مؤكدة استمرار الدفع بالليرة السورية.
لكن وراء هذا التسرب السريع للخبر، قد يكون هناك تجربة مقصودة من قبل وزارة الطاقة، لاختبار ردة فعل الشارع السوري، وتقييم مدى قبول المواطنين أو رفضهم لأي تعديل على سياسات تسعير الطاقة.
الوزارة واختبار الثقة:
ما حدث كشف جانباً أعمق في إدارة القرارات الاقتصادية، فهذه الحوادث تشير إلى ضعف في دراسة القرارات مسبقاً، واعتماد على مفاصل قد لا تمتلك الخبرة الكافية لإدارة ملفات استراتيجية تمس عجلة الاقتصاد وحياة المواطنين اليومية.
ولنا في قرار رفع أسعار الكهرباء مثال دامغ على هذا النمط من اتخاذ القرار.
جاء قرار بيع الغاز بالدولار للمعتمدين في ظل تقلّبات سعر الصرف، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً يضع الحكومة أمام تحدٍّ مزدوج يتمثّل بالحفاظ على استقرار المالية العامة، وضمان ألا يتحمل المواطن عبئاً إضافياً يفوق قدرته الشرائية، هذه المعادلة الدقيقة تفرض رقابة صارمة على الأسعار وتحرّك الحكومة بسرعة لتجنّب أي تضخّم غير مبرر أو أزمة ثقة في السوق.
الرقابة الحازمة
وعلى المقلب الآخر في مواجهة أي محاولة للتلاعب بأسعار الغاز أو بيعه في السوق السوداء، أعلنت الجهات الرقابية عن إجراءات صارمة تشمل فرض غرامات مالية كبيرة، قد تصل فيها العقوبات إلى السجن في بعض الحالات.
هذه الإجراءات تؤكد أن الحكومة جديّة في حماية السوق والمواطنين على حدٍّ سواء، وتعمل على ردع أي تجاوزات قد تضرّ بالاقتصاد المحلي أو حياة المواطن اليومية.
رئيس قسم عمليات الغاز في دمشق عبداللطيف قدور أكد لـ”الوطن” أن الهدف من الإجراءات الحالية هو ضمان توزيع عادل وشفّاف للمشتقات، وحماية المواطن من أي استغلال، وضبط السوق من خلال رصد المخالفات.
وكشف أن جميع المشتقات النفطية تتبع نفس نظام التسعير، وسيتم إلزام أصحاب محطات الوقود بالتسديد بالدولار أسوة بمعتمدي الغاز، بما يضمن توحيد الأسعار في الكازيات والمحال، مع مراعاة التعامل بالدولار كأداة لتسهيل العمليات المالية.
ورغم التنظيم الرسمي، يبقى الواقع أكثر تعقيداً، فبعض ضعاف النفوس في السوق يسعون إلى استغلال الأوضاع لمصلحتهم، عبر تأمين أسطوانات الغاز بأسعار أعلى واعتماد المحسوبيات في التوزيع.
وأضاف: إن كل مخالف سوف يتلقى العقوبات التي تتمثّل بسحب الرخصة بالكامل من المخالفين، لضمان عدم تكرار المخالفة، كفرض غرامات مالية كبيرة تصل إلى مستويات رادعة، قد تصل الى السجن، وتسجيل المخالفات رسمياً، ما يوفّر قاعدة بيانات لمتابعة كل تجاوز مستقبلي.
أما بالنسبة للمواطن، فقد تم وضع حصص يومية محدّدة من الغاز لكل أسرة، لضمان توزيع عادل ومنع الاحتكار، حيث تتراوح المعاملات اليومية بين 65 و70 ألف أسطوانة في المدن الكبرى مثل دمشق، مع مراعاة التغيرات الطارئة في التوريدات خلال الأزمات.
على صعيدٍ آخر، أشار إلى أن تأمين الدولار أصبح سهلاً نسبياً، سواء عبر الحوالات أم المعاملات اليومية في المحال والمولات، ما يحدّ من احتمالية ارتفاع الأسعار بشكل كبير، حتى مع تقلبات السوق، كما أن التزام الكازيات والموزعين بالسعر الرسمي يفرض حدوداً على الأرباح الإضافية، مع ضمان متابعة أي تجاوز من خلال الشكاوى أو المراقبة المباشرة.
ومن خلال هذا الحوار يتضح أن الواقع اليوم يعكس مزيجاً دقيقاً بين التنظيم والمرونة، فالتنظيم من خلال تحديد الأسعار، مراقبة المخالفات، وتحديد الحصص، والمرونة عبر اعتماد الدولار كوسيلة للتسهيل، وترك هامش ربح بسيط للكازيات والموزعين.
فالجهات المعنية لا تسعى فقط لتنظيم السوق، بل لضمان وصول الغاز لكل مواطن بطريقة عادلة ومنظّمة، مع تطبيق العقوبات الرادعة على أي من يحاول خرق القواعد.
باختصار، سوق الغاز اليوم يعيش تجربة دقيقة عبر إلزام المعتمدين التسديد بالدولار، مع رقابة صارمة، وحصص محدّدة، وعقوبات واضحة للمخالفين، وهو نموذج يعكس محاولة خلق توازن بين حاجة المواطن، استقرار السوق، وحق الدولة في إدارة الموارد الأساسية.
الوطن
|