سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:10/06/2026 | SYR: 17:31 | 10/06/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Takamol_img_7-18

 رأسمالية الدولة واشتراكية المجتمع...
كيف توائم الصين بين نهجين اقتصاديين؟
10/06/2026      



سيرياستيبس 
كتب الاعلامي غالب درويش 

لم تعُد الصين بعد أكثر من أربعة عقود على سياسة الإصلاح والانفتاح، تجربة اقتصادية يمكن وضعها داخل تعريف واحد، فهي ليست رأسمالية غربية تترك السوق تتحرك بحرية كاملة، وليست اشتراكية تقليدية تعيد الاقتصاد للتخطيط المركزي المغلق، بل طورت بكين نموذجاً هجيناً يقوم على سوق واسعة تنتج الثروة، وقطاع خاص يبتكر ويوظف، ودولة مركزية تحتفظ بالقرار الاستراتيجي وتسيطر على القطاعات الحيوية مثل المال والطاقة والبنية التحتية والصناعات الكبرى.
هذه المعادلة هي ما جعل التجربة الصينية تبدو أقرب إلى "رأسمالية أدوات" تعمل تحت "اشتراكية توجيه"، فالسوق حاضرة في الإنتاج والمنافسة والربح، لكنها لا تتحول إلى سلطة مستقلة عن الحزب، والقطاع الخاص ضروري للنمو، لكنه لا يعمل خارج المجال الذي تحدده الدولة.
أما الخطاب الرسمي، فيبقى مشدوداً إلى مفاهيم مثل "الرخاء المشترك" و"التحديث الصيني" و"النهضة الوطنية"، وهي مفاهيم لا تقدم النمو بوصفه هدفاً اقتصادياً مجرداً، بل بوصفه مشروعاً سياسياً واجتماعياً تقوده الدولة وتمنحه معنى يتجاوز حسابات الأرباح والخسائر.
بهذا المعنى، لم يكُن نجاح الصين نتيجة انتصار السوق على الدولة أو العكس، بل نتيجة صيغة جعلت السوق تعمل داخل مشروع تقوده الدولة، فالقطاع الخاص ينتج ويبتكر، لكنه يتحرك ضمن أولويات تحددها بكين التي تتدخل حين ترى أن المنافسة تهدد الاستقرار الاجتماعي أو النفوذ السياسي للحزب الشيوعي الحاكم.
والمنافسة مرحب بها حين تخدم الكفاءة الوطنية، وعندما تبدو مهددة للاستقرار الاجتماعي أو لهيبة الحزب تعود الدولة لتذكير الجميع بأن السوق ليست قوة فوق السياسة، بل أداة ضمن هندسة سياسية أوسع.
وتأتي قوة النموذج الصيني من قدرته على إدارة التناقض بين الدولة والسوق، فالدولة التي قادت التصنيع والبنية التحتية منحت الاقتصاد قدرة كبيرة على الحشد، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا توسعت في التدخل وأضعفت ثقة القطاع الخاص. وفي المقابل، أنتجت السوق الثروة ورفعت مستويات المعيشة، لكنها خلقت أيضاً فجوات اجتماعية تتطلب ضوابط مستمرة.

داخل هذه المسافة الدقيقة تتحرك بكين، محافظة على طاقة الرأسمالية في الإنتاج، ومتمسكة بمنطق الاشتراكية في التوجيه والضبط.

أرقام تكشف عن التحول
تكشف أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء الصيني عن أن الاقتصاد لا يزال قوياً، لكنه لم يعُد يتحرك بالسهولة التي ميزت مرحلة الصعود السريع.
وبلغ الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من العام الحالي نحو 4.92 تريليون دولار على أساس تحويل تقريبي عند 6.79 يوان للدولار، وفق سعر بنك الصين في الـ23 من مايو (أيار) الجاري، محققاً نمواً سنوياً قدره خمسة في المئة ونمواً فصلياً قدره 1.3 في المئة.
ويُعد هذا الرقم كبيراً بما يكفي لتأكيد قدرة الاقتصاد على الصمود، لكنه يتجاور مع إشارة رسمية لا تقل أهمية في بيان المكتب نفسه، مفادها بأن اختلال التوازن بين قوة العرض وضعف الطلب لا يزال حاداً، وأن أساس النمو يحتاج إلى مزيد من التثبيت.
وتمنح هذه الملاحظة الرسمية قراءة النمو عمقها الحقيقي، فالصين لا تعاني ضعفاً في القدرة على الإنتاج، بل تواجه صعوبة متزايدة في تحويل هذه القدرة إلى طلب داخلي مستقر.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي بلغت مبيعات التجزئة نحو 2.43 تريليون دولار، لكنها لم تنمُ إلا 1.9 في المئة، وفي أبريل (نيسان) الماضي وحده ارتفعت 0.2 في المئة فقط على أساس سنوي.
ففي اقتصاد اعتاد أن يدهش العالم بقوة التصنيع، تبدو هذه الأرقام مؤشراً إلى أن معركة المرحلة المقبلة لن تدور حول حجم الطاقة الإنتاجية فقط، بل حول قدرة الأسر على الإنفاق وثقتها بالمستقبل.
ويعطي الاستهلاك الرقمي جانباً آخر من الصورة، فخلال الربع الأول من العام الحالي، بلغت المبيعات الإلكترونية للسلع والخدمات نحو 733 مليار دولار بنمو ثمانية في المئة، ووصلت مبيعات السلع عبر الإنترنت وحدها إلى نحو 466 مليار دولار، مستحوذة على 24.8 في المئة من إجمال مبيعات التجزئة.
وتؤكد هذه الأرقام أن التحول الاستهلاكي لم يتوقف، لكنها تكشف أيضاً عن أنه يتحرك داخل قطاعات معينة، بينما تبقى السلع الكبرى والإنفاق المرتبط بالثقة طويلة الأجل أكثر تأثراً بضغط العقارات وسوق العمل وتوقعات الدخل.
ولا تقف الإشارة عند الاستهلاك وحده، إذ سجلت استثمارات الأصول الثابتة خلال الربع الأول نحو 1.51 تريليون دولار، وحققت نمواً 1.7 في المئة، لكن الصورة تغيرت مع بيانات الأشهر الأربعة الأولى، إذ انكمش الاستثمار 1.6 في المئة، وتراجع الاستثمار الخاص على نحو أوضح.
في المقابل، أظهرت البيانات الرسمية أن الاستثمار في البنية التحتية والتصنيع عالي التقنية واصل النمو، وأن الاستثمار في صناعات الحواسيب والأجهزة المكتبية ومعدات الطيران وخدمات المعلومات سجل زيادات قوية خلال الربع الأول.
وهنا تظهر إحدى عقد النموذج الصيني وهي أن الدولة تستطيع دفع النشاط في الاتجاهات التي تريدها، لكن حذر رأس المال الخاص يعني أن التوجيه الرسمي لا يكفي وحده لإنتاج الثقة.
وتزداد الصورة حساسية عند الوصول إلى العقارات، القطاع الذي كان لعقود خزان الثروة الأسرية ومصدراً مهماً لإيرادات الحكومات المحلية ومحركاً واسعاً للطلب على المواد الخام والعمالة والائتمان.
وتراجع الاستثمار العقاري 13.7 في المئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، وانخفضت مبيعات العقارات من ناحية المساحة 10.2 في المئة، وهبطت بدايات البناء الجديدة 22 في المئة، وتدنّى تمويل شركات التطوير 18.4 في المئة، وهذه ليست أزمة قطاعية عادية، بل إنه اهتزاز في أحد أعمدة العقد الاقتصادي القديم، الأرض والبناء والديون وثقة الطبقة الوسطى بأن العقار سيظل ضماناً للمستقبل.

قوة تجارية تمنح الاقتصاد متنفساً
أما في التجارة، فلا تزال الصين تملك قوة دفع واضحة، فخلال الربع الأول بلغ إجمال الواردات والصادرات نحو 1.74 تريليون دولار، وارتفع 15 في المئة، ووصلت الصادرات وحدها إلى تريليون دولار، بينما سجلت الواردات نحو 735 مليار دولار.
وتمنح قوة الصادرات الاقتصاد الصيني متنفساً مهماً، لكنها تعيد في الوقت نفسه طرح مشكلة الاعتماد على الأسواق الخارجية، خصوصاً مع ضعف الطلب المحلي مقارنة بحجم الإنتاج.
وتضيف مؤشرات الدخل والعمل بعداً أكثر اتصالاً بالمجتمع، فقد بلغ متوسط الدخل المتاح للفرد خلال الربع الأول نحو 1883 دولاراً، بنمو اسمي قدره 4.9 في المئة ونمو حقيقي قدره أربعة في المئة، بينما وصل متوسط معدل البطالة الحضرية إلى 5.3 في المئة خلال الربع الأول.
وهذه الأرقام لا ترسم صورة أزمة اجتماعية مفتوحة، لكنها تفسر حذر الأسر، فالدخل يتحسن، غير أن سرعة التحسن لا تكفي دائماً لتعويض القلق تجاه العقارات وكلف التعليم والصحة والشيخوخة.
وتضع تقديرات المؤسسات الدولية هذه الأرقام في إطار أوسع، فصندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو الصين إلى 4.5 في المئة العام الحالي، بعد نمو بلغ خمسة في المئة عام 2025، مع استمرار ضغوط العقارات والطلب المحلي والديون وتراجع عوائد الاستثمار.
أما البنك الدولي، فيقدر نمو الصين عام 2025 عند 4.9 في المئة، ويتوقع تراجعه إلى 4.4 في المئة للعام الحالي، مع بقاء إنفاق المستهلكين مقيداً بسوق عمل أقل قوة وتراجع أسعار المساكن، ولا تنفي هذه التقديرات قوة الصين، لكنها تعني أن هذه القوة باتت تحتاج إلى إعادة ترتيب مصادرها، لا إلى تكرار وصفات الماضي.

السوق تحت القيادة
بحسب هذه الخلفية الرقمية، يمكن فهم سر النموذج الصيني، فبكين لم تتعامل مع السوق باعتبارها عقيدة اقتصادية، بل باعتبارها أداة في مشروع وطني.
ومنذ إصلاحات دينغ شياو بينغ، لم يكُن الانفتاح إعلاناً عن انسحاب الدولة، بل إعادة تعريف لطريقة تدخلها، وسمحت الصين بالملكية الخاصة وجذبت الاستثمار الأجنبي وأنشأت المناطق الاقتصادية الخاصة ودفعت المصانع إلى التصدير وفتحت المجال للمنافسة، لكنها أبقت الحزب في موقع القيادة، وكان الانفتاح وسيلة لإنتاج القوة، لا تفويضاً للسوق كي تعيد تشكيل الدولة.
لذلك تبدو الرأسمالية الصينية رأسمالية مشروطة، فالربح مسموح، لكنه ليس الكلمة الأخيرة، كما أن الابتكار مطلوب، لكنه يتحرك داخل أولويات وطنية، ورأس المال الخاص مرحب به، لكنه لا يتصرف كسلطة موازية. 
وعلى خلاف النموذج الغربي، إذ تضبط الدولة غالباً تجاوزات السوق بعد وقوعها، تحاول الصين أن تحدد للسوق مجالها منذ البداية، وأن تجعل حركتها جزءاً من هندسة سياسية واقتصادية واحدة.
ولا يعني ذلك أن القطاع الخاص على الهامش، فالاقتصاد الصيني لا يستطيع الاستمرار كقوة عالمية من دون طاقة الشركات الخاصة التي تشير الأدبيات الاقتصادية حول الصين إلى أنها تسهم بنحو 60 في المئة من الناتج و70 في المئة من الابتكار و80 في المئة من العمالة الحضرية و90 في المئة من الوظائف الجديدة.
وتشرح هذه المعادلة المفارقة الأساسية، فالاقتصاد يحتاج إلى القطاع الخاص كي ينمو، والسياسة تحتاج إلى ضبطه كي لا يتحول إلى قوة مستقلة عن الحزب.
هكذا تتضح طبيعة النموذج، فالصين ليست اقتصاداً حكومياً صرفاً، وليست اقتصاد سوق حرة، إنها اقتصاد يستخدم القطاع الخاص كرافعة إنتاج، والشركات الحكومية كأداة استراتيجية، والائتمان كوسيلة توجيه، والحزب كمرجع نهائي.
ومنحت هذه الصيغة بكين قدرة كبيرة على توجيه الموارد وبناء الصناعات، لكنها أبقت ثقة القطاع الخاص مرتبطة بوضوح القواعد وحدود تدخل الدولة.

صيغة هجينة
يمثل النموذج الصيني صيغة هجينة لم تتحول إلى نظرية مكتملة، لكنها أثبتت قدرة عملية على إدارة التناقض، فهو ليس رأسمالية ليبرالية لأن الحزب يحتفظ بالكلمة الأخيرة في القطاعات الحساسة، وليس اشتراكية كلاسيكية لأن القطاع الخاص والمنافسة والتجارة العالمية عناصر مركزية في قوته. إنه نموذج يستخدم الرأسمالية كي ينتج، والاشتراكية كي يمنح الإنتاج معنى سياسياً واجتماعياً، والدولة كي تمنع السوق من التحول إلى سلطة مستقلة.

توجيه مركزي وتجريب محلي
تقرأ الباحثة الاقتصادية يوين يوين أنغ هذه التجربة باعتبارها مزيجاً من التوجيه المركزي والتجريب المحلي، وفي مفهومها عن "الارتجال الموجّه"، لا تفسر المعجزة الصينية بالسلطوية وحدها، لأن الدولة الصينية كانت شديدة المركزية قبل الإصلاحات ولم تحقق حينها القفزة الاقتصادية نفسها.
وأضافت أن جوهر النجاح في هذا التحليل يتلخص في أن القيادة حددت الإطار العام، بينما تركت للحكومات المحلية ورواد الأعمال مساحة لاختبار حلول عملية داخله. وبهذه القراءة ينتقل النقاش من ثنائية "دولة ضد سوق" إلى صورة أكثر دقة، الصين سمحت للسوق بالحركة، لكنها لم تسمح لها بالانفلات.
ولا تعمل هذه المرونة بالطريقة نفسها في كل مرحلة، فعندما تتزايد الأخطار تتقدم الدولة، وعندما يحتاج الاقتصاد إلى الابتكار والنمو تحتاج الدولة إلى ترك مساحة أوسع للسوق. وهذه الحركة المتبادلة كانت سر المرونة الصينية، لكنها تصبح أكثر صعوبة عندما يتباطأ النمو لأن الدولة خلال لحظات الضغط تميل إلى التشدد طلباً للاستقرار، بينما تحتاج السوق إلى طمأنينة أوسع كي تستثمر وتبتكر.
إصلاحات في السوق وتوسع دور القطاع الخاص
وفي قراءة مختلفة، يرى الباحث لدى "معهد بترسون للاقتصاد الدولي" والمتخصص في الاقتصاد الصيني نيكولاس لاردي أن الصين حققت قفزتها الكبرى منذ أواخر السبعينيات بفعل الإصلاحات في السوق وتوسع دور القطاع الخاص، لا بفعل عودة الدولة للتحكم المباشر في الاقتصاد.
ويجادل لاردي بأن تعزيز موقع الشركات المملوكة للدولة وتراجع دينامية القطاع الخاص يضعفان فرص النمو على المدى الطويل، لأن الإنتاجية لا تُخلق بالحشد الإداري وحده، بل بالمنافسة والحوافز وتخصيص رأس المال على أساس الكفاءة.
وهذه القراءة لا تلغي دور الدولة في التجربة الصينية، لكنها تحذر من أن الدولة التي صنعت الإطار قد تضعف المحرك إذا ضيقت المساحة التي تحتاج إليها السوق كي تبتكر.
ومن هنا يبدو النموذج الصيني أقرب إلى "رأسمالية دولة اجتماعية الملامح" لا إلى رأسمالية دولة جامدة، فالدولة لا تلغي القطاع الخاص، لكنها تضعه داخل مشروعها.
ولا تنكر السوق، لكنها ترفض أن تتحول إلى حاكم، ولا تتخلى عن الاشتراكية في الخطاب، لكنها تستخدم أدوات رأسمالية في الإنتاج والتمويل والتجارة، وهذه الصيغة هي مصدر القوة والتوتر في آن واحد.

العدالة والكفاءة
حين رفعت بكين شعار "الرخاء المشترك"، لم تكُن تعلن عودة لاشتراكية تقليدية، بل كانت تحاول إعادة ضبط العلاقة بين النمو والعدالة، فالأعوام التي شهدت صعود شركات التكنولوجيا وتضخم ثروات المليارديرات واتساع الفجوات بين المدن والريف جعلت الحزب أكثر حساسية تجاه نفوذ رأس المال الخاص، لذلك جاءت الحملات التنظيمية في التكنولوجيا والتعليم والعقارات كرسالة سياسية واقتصادية في وقت واحد، لا توجد ثروة خارج منطق الاستقرار، ولا توجد شركة أكبر من الدولة، ولا يوجد نمو يمكن فصله عن شرعية الحزب.
لكن العدالة لا تتحقق بمجرد ضبط رأس المال من أعلى، فالصين التي تريد جعل الاستهلاك المحلي محركاً رئيساً للنمو تحتاج إلى أسر أقل خوفاً من المستقبل، فالمواطن الذي يخشى كلفة التعليم والصحة والسكن والشيخوخة يميل إلى الادخار لا الاستهلاك، في حين أن الطبقة الوسطى التي ترى قيمة العقارات تتراجع تصبح أكثر حذراً، حتى لو ظل الناتج المحلي ينمو.
وعند هذه النقطة، يتحول "الرخاء المشترك" من شعار سياسي إلى اختبار اقتصادي يمس قدرة الدولة على بناء شبكة أمان اجتماعي تجعل المواطن أكثر استعداداً للإنفاق.

ترسيخ الاستقلال الاقتصادي
تقول أستاذة الاقتصاد في "كلية لندن للاقتصاد" كيو جين إن الاقتصاد الصيني يعاني عجزاً في الطلب مرتبطاً إلى حد كبير بتراجع ثقة القطاع الخاص، وترى أن وصفة عام 2009، حين استخدمت الدولة البنوك الحكومية والشركات المملوكة لها لدفع الاستثمار في البنية التحتية، لم تعُد تعمل بالكفاءة نفسها.
وفي قراءة كيو جين، لم تعُد المشكلة في قدرة الدولة على ضخ الأموال فقط، بل في قدرة النظام الاقتصادي على استعادة ثقة الأسر والشركات، وتضيف ضمن طرحها الأحدث أن انتقال الصين إلى نموذج أكثر اعتماداً على الاستهلاك الداخلي ليس مجرد تصحيح اقتصادي، بل وسيلة لترسيخ الاستقلال الاقتصادي في عالم تتزايد فيه التقلبات الجيوسياسية.
ويظهر التحدي الحقيقي في المسافة بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية، فالسوق تحتاج إلى حوافز واستقرار في القواعد وحرية نسبية في الاستثمار، بينما تحتاج العدالة إلى إنفاق اجتماعي أوسع وخدمات عامة تقلل حاجة الأسر للادخار الدفاعي.
ونجاح الصين في جمع الأمرين سيمنحها نموذجاً أكثر توازناً، أما التعامل مع العدالة كضبط سياسي للثروة فقط، فقد يحافظ على السيطرة لكنه يضعف الثقة.
لهذا لم تعُد الطبقة الوسطى الصينية مجرد ثمرة للنمو، بل أصبحت شرطاً لاستمراره، إذ استفادت من التصنيع والتعليم والهجرة إلى المدن، فيما بات صعود أسعار العقارات الآن أكثر حساسية تجاه البطالة وكلفة السكن وتعليم الأبناء ورعاية الآباء.
وإذا كانت مرحلة الصعود سمحت بمقايضة ضمنية بين الانضباط السياسي والازدهار الاقتصادي، فإن مرحلة النمو الأبطأ تجعل هذه المقايضة أكثر صعوبة لأن المجتمع لا يراقب حجم الناتج فقط، بل يقيس الأمان والفرص والقدرة على الحفاظ على مستوى المعيشة.

فجوة الطلب
لا تقف معضلة الصين عند حدود تباطؤ الاستهلاك أو تراجع العقارات، بل تمتد إلى خلل أعمق في بنية النمو نفسها، فالاقتصاد الذي اعتاد أن ينتج بكثافة ويستثمر بكثافة ويصدر بكثافة بات مطالباً ببناء دافع داخلي أوسع، بعدما لم يعُد الاستثمار العقاري ولا الطلب الخارجي قادرين على أداء الدور القديم بالزخم نفسه.
يرى المحلل الاقتصادي في مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" مايكل بيتيس أن جوهر الاختلال الصيني لا يكمن في ضعف القدرة الإنتاجية، بل في ضعف الطلب المحلي مقارنة بحجم الإنتاج.
والصين، في تحليله، تنتج أكثر مما يستطيع اقتصادها المحلي استهلاكه أو استثماره بكفاءة، وحين يتسع هذا الفارق يصبح الاقتصاد مدفوعاً نحو تصدير الفائض إلى الخارج أو تمويل نشاط إضافي عبر الدين.
وفي الحالين لا تختفي المشكلة، بل تنتقل إلى الخارج عبر التوترات التجارية، أو تبقى في الداخل على هيئة ديون وضغوط مالية متراكمة.
وتمنح هذه القراءة أرقام الاستهلاك والعقارات معناها الأوسع، فضعف مبيعات التجزئة لا يعود مجرد مؤشر شهري باهت، وتراجع الاستثمار العقاري لا يبقى أزمة قطاعية معزولة، بل يصبحان علامتين على نموذج يحتاج إلى إعادة توزيع مصادر القوة داخله.
وبقاء الأسر أقل قدرة أو أقل رغبة في الإنفاق وبقاء الحكومات المحلية معلقة بدورة الأرض والديون يجعلان زيادة الإنتاج أو تطوير صناعات أعلى تقنية غير كافيين وحدهما، والمطلوب أن يتحول جزء أكبر من الثروة إلى دخل وثقة واستهلاك داخلي.
بهذا المعنى لا يصبح رفع دخل الأسر وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية وإصلاح مالية الحكومات المحلية ملفات اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد، بل شروطاً لاستمرار النمو نفسه. والصين التي استخدمت الاستثمار والتصدير والعقار لصناعة القوة تحتاج خلال مرحلتها المقبلة إلى أن تجعل المواطن محركاً للنمو، لا مجرد عامل في ماكينة الإنتاج أو مدخر يحتمي من المستقبل.

خصوصية التجربة الصينية
وقال رئيس قسم الأبحاث في "إيكويتي غروب" رائد الخضر إن خصوصية التجربة الصينية جاءت من قدرة الدولة على استخدام السوق من دون أن تتركها تقود وحدها، فالصين لم تتبنَّ الرأسمالية الغربية، لكنها استفادت من أدواتها في التصنيع والتجارة والتكنولوجيا، مع إبقاء القرار الاستراتيجي في يد الدولة، غير أن هذه الصيغة تدخل اليوم اختباراً أكثر حساسية لأن قوة الإنتاج لم تعُد كافية إذا ظل المستهلك حذراً والقطاع الخاص متردداً.
وأشار الخضر إلى أن تراجع الاستهلاك وضعف الاستثمار الخاص يكشفان عن أن الشركات والأسر لا تقرأ الاقتصاد من رقم النمو العام فقط، بل من درجة وضوح المستقبل، فالسوق لا تطلب غياب الدولة، لكنها تحتاج إلى قواعد مستقرة وإشارات أكثر طمأنة.
وكلما استطاعت بكين تحويل قوة الدولة من أداة ضبط إلى مصدر ثقة، زادت قدرة النموذج على الاستمرار من دون أن يفقد حيويته.

بين الرأسمالية والاشتراكية
أما المحلل الاقتصادي محمد كرم، فرأى أن النموذج الصيني يمثل صيغة هجينة أكثر من أنه اختيار خالص بين الرأسمالية والاشتراكية، فالصين سمحت للسوق بأن تعمل، لكنها لم تسمح لها بأن تقود، وفتحت المجال أمام القطاع الخاص كي ينتج ويصدر ويبتكر، لكنها أبقت السياسة الصناعية والائتمان والقطاعات الاستراتيجية تحت توجيه الدولة.
وأشار كرم إلى أن هذه الصيغة صنعت نجاحاً تاريخياً لأنها جمعت بين كفاءة السوق وقدرة الدولة على الحشد، لكنها في مرحلة التباطؤ تحتاج إلى توازن أدق، فالاقتصاد الناضج لا يكفيه التدخل الإداري وحده، بل يحتاج إلى ثقة الشركات واستقرار توقعاتها، وإذا شعرت الشركات بأن مساحة الحركة قد تضيق فجأة، فإنها ستؤجل الاستثمار، حتى لو بقيت المؤشرات الصناعية قوية.

التحدي المقبل
وفي السياق نفسه، قال المحلل الاقتصادي محمود عطا إن التحدي المقبل أمام الصين لا يتوقف عند العقارات أو الاستهلاك فقط، بل يمتد إلى الديون المحلية والديموغرافيا. والمجتمع الذي يتقدم في العمر يميل إلى الادخار أكثر، ويحتاج إلى إنفاق صحي ورعائي أكبر، بينما تواجه الحكومات المحلية ضغوطاً متزايدة مع تراجع العقارات وإيرادات الأراضي.
وأوضح عطا أن قوة الدولة ستظل ميزة للصين إذا استُخدمت في إعادة التوازن، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا زادت التدخلات بما يضعف مبادرة القطاع الخاص، فالمعادلة الصينية المقبلة تحتاج إلى دولة قوية، لكن أكثر قدرة على بناء الثقة، وسوق مرنة لكن أكثر اطمئناناً، ومجتمع منضبط لكن أقل خوفاً من المستقبل.
ومن زاوية أكثر ارتباطاً بسلوك الأسر، أوضح المحلل الاقتصادي أحمد نجم أن أزمة العقارات تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم ضعف الطلب الداخلي، فالعقار في الصين لم يكُن مجرد قطاع بناء، بل كان مخزن الثروة الأكبر للطبقة الوسطى، ومصدراً مهماً لتمويل الحكومات المحلية، وحلقة تربط البنوك والمطورين والصناعات الثقيلة والخدمات، لذلك فإن تراجع المبيعات والاستثمار العقاري لا يضغط على الشركات فقط، بل يضغط على شعور الأسر بالأمان.
ولفت نجم إلى أن الأسرة التي ترى أصلها الأكبر، وهو السكن، تحت ضغط، تصبح أكثر ميلاً إلى الادخار وأقل استعداداً للإنفاق.
ومن هنا لا يمكن فصل ضعف الاستهلاك عن تراجع الثقة العقارية، فبكين تستطيع دعم الصناعة وتوسيع الصادرات، لكنها تحتاج إلى طمأنة الطبقة الوسطى إذا أرادت تحويل الاستهلاك إلى محرك رئيس للنمو.

العقارات والديون
وتظهر أزمة العقارات هنا باعتبارها أكثر من تراجع في المبيعات أو الاستثمار، والقطاع كان لعقود حلقة الوصل بين الدولة والسوق والمجتمع وفق منظومة متكاملة، فالأسرة تضع مدخراتها في السكن، والحكومة المحلية تمول توسعها من بيع الأراضي، والمطور العقاري يبني بالاقتراض، والبنوك تمول الدورة، والاقتصاد كله يستفيد من الطلب على الحديد والأسمنت والعمالة والخدمات.
وعندما بدأت هذه الحلقة تتعطل، لم تهتز شركة أو صناعة واحدة، بل اهتزت الثقة التي حملت جزءاً كبيراً من النمو الصيني.
وبكين لا تتعامل مع العقار كقطاع عادي، فترك التصحيح يمضي بقسوته يضغط على الأسر والبنوك والبلديات، وإنقاذ القطاع بالطريقة القديمة يعيد إنتاج الفقاعة نفسها، لذلك تتحرك الدولة داخل مساحة ضيقة، حماية مشتري المنازل واستكمال المشاريع المتعثرة ومنع العدوى المالية، مع تجنب العودة لنموذج يقوم على الأرض والديون بوصفهما الطريق الأسهل للنمو.
بهذه الصورة لا تعود أزمة العقارات مجرد عبء على الناتج المحلي، بل تصبح اختباراً لقدرة "رأسمالية الدولة" على تصحيح أخطائها من دون أن تفقد السيطرة.
الدولة قوية بما يكفي لمنع الانهيار، لكنها لا تستطيع بالأوامر وحدها إعادة الثقة إلى أصل فقد جزءاً من مكانته في وجدان الطبقة الوسطى.
والسوق قادرة على إعادة تسعير الأخطار، لكن تركها وحدها يجعل الكلفة الاجتماعية أكبر من أن تتحملها بكين، وبين هذين الحدين تبحث الصين عن مسار لا يكرر الفقاعة ولا يسمح بانفجارها.
ولا تنفصل العقارات عن الديون المحلية، فالمدن التي اعتادت تمويل خدماتها وتوسعها العمراني عبر بيع الأراضي أصبحت مطالبة ببناء موارد أكثر استدامة.
وإذا ظل التمويل المحلي مرتبطاً بالأرض، فستبقى الدورة القديمة قادرة على العودة كلما ضعف النمو، أما كسر هذه الحلقة فيقود إلى نموذج أقل اعتماداً على الديون وأكثر ارتباطاً بالدخل والإنتاجية.

ديموغرافيا ضاغطة
إذا كانت العقارات تضغط على الثقة الحالية، فإن الديموغرافيا تضغط على المستقبل كله، والمجتمع الذي يتقدم في العمر لا يستهلك بالطريقة نفسها ولا يدخر للأسباب نفسها ولا يمنح الاقتصاد قوة العمل ذاتها التي اعتمدت عليها الصين في صعودها الطويل.
ومع تراجع المواليد وارتفاع نسبة كبار السن تصبح معادلة النمو أكثر تعقيداً، فعمال أقل ومتقاعدون أكثر وكلفة رعاية أعلى وأسر أكثر حذراً في الإنفاق.
ووفق مسح السكان الصادر عن المكتب الوطني للإحصاء الصيني لعام 2025، بلغ عدد سكان البر الصيني الرئيس 1.4 مليار نسمة، بينهم 321.2 مليون شخص في عمر 60 سنة فأكثر، أي 22.86 في المئة من السكان، و223 مليون في عمر 65 سنة فأكثر، أي 15.87 في المئة.
وتظهر البيانات نفسها أن عدد السكان ما بين 15 و59 سنة بلغ 869.87 مليون، وأن عدد الأسر العائلية وصل إلى 514.65 مليون أسرة بمتوسط حجم 2.52 فرد.
وهذه الأرقام لا تضيف ضغطاً جانبياً على الاقتصاد، بل تعيد تعريف أولوياته، لأن الصين التي بنت قوتها على وفرة العمالة والادخار والاستثمار تحتاج الآن إلى إنتاجية أعلى ورعاية أوسع ودخل أسري أقوى وثقة أكبر بالمستقبل.
وعند هذه النقطة يصبح البعد الاجتماعي جزءاً من صميم الحساب الاقتصادي، فالدولة التي تريد من الأسر أن تنفق أكثر لا تستطيع أن تتركها وحدها أمام كلفة التعليم والصحة والسكن والشيخوخة.
وإذا بقي الخوف من المستقبل هو الدافع الأقوى، فسيظل الادخار الدفاعي أقوى من الدعوات الرسمية إلى تنشيط الطلب، لذلك لم يعُد شعار "الرخاء المشترك" مجرد خطاب سياسي، بل شرطاً عملياً لبناء اقتصاد يقوده الاستهلاك لا القلق.
المعادلة المقبلة
إلى هنا، تبقى الصورة التي ترسمها الأرقام أكثر وضوحاً، فالإنتاج القوي وحده لم يعُد كافياً، لأن النمو يحتاج إلى طلب داخلي أكثر متانة، والطلب يحتاج بدوره إلى دخل أعلى وثقة أكبر لدى الأسر والشركات، كما أن استقرار العقارات وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي باتا جزءاً أساساً من معادلة النمو المقبلة.

الصين ليست أمام انهيار، لكنها أمام إعادة معايرة عميقة، فهي لا تزال تمتلك قاعدة تصنيع ضخمة وشركات تكنولوجية متقدمة ودولة مركزية قادرة وبنوكاً تستطيع توجيه الائتمان وسوقاً داخلية واسعة، غير أن هذه الأدوات لا تكفي وحدها إذا بقي القطاع الخاص حذراً والأسر مترددة والعقارات ضاغطة والديموغرافيا تتحول إلى عبء طويل الأمد.
لذلك لن يكون مستقبل النموذج الصيني مرهوناً بالاختيار بين الدولة والسوق، بل بطريقة ضبط المسافة بينهما، فمنح السوق مساحة كافية للعمل، وتوفير شبكة أمان كافية للمجتمع، يمكن أن ينقلا الاقتصاد إلى نمو أبطأ لكنه أكثر توازناً.

أما تغليب منطق السيطرة على منطق الثقة، فيبقي الصين قوية في قدرتها على الحشد والتوجيه، لكنه يضعف الحيوية التي يحتاج إليها اقتصاد أكثر نضجاً وتعقيداً.

التناقض الصيني
نجحت الصين لأنها لم تلغِ التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية، بل أدارته، واستخدمت السوق لإنتاج الثروة والدولة لتوجيهها والاشتراكية لتبرير ضبطها اجتماعياً وسياسياً.

وسمحت للقطاع الخاص بأن يعمل، لكنها لم تسمح له بأن يحكم، ورفعت شعار العدالة، لكنها اعتمدت على المنافسة والربح والتصدير والابتكار، وهذه الصيغة صنعت صعوداً تاريخياً، لكنها تدخل اليوم اختباراً أكثر تعقيداً، يتمثل في الانتقال من إنتاج القوة إلى إنتاج الرفاه.

الإجابة العملية ستتحدد في قدرة بكين على تحويل مركز النمو من العقارات والديون والصادرات إلى الدخل والاستهلاك، والخدمات والتكنولوجيا.
الإجابة العملية ستتحدد في قدرة بكين على تحويل مركز النمو من العقارات والديون والصادرات إلى الدخل والاستهلاك، والخدمات والتكنولوجيا.

ونجاحها في رفع ثقة الأسر وطمأنة القطاع الخاص وإصلاح العقارات وتوسيع الرعاية الاجتماعية سيجعل النموذج قابلاً للتجدد.

أما بقاؤها عالقة بين فائض إنتاج وضعف طلب، وبين دولة متدخلة وسوق حذرة، وبين طبقة وسطى قلقة وديموغرافيا ضاغطة، فيبقيها قوة اقتصادية كبرى، لكنه يجعل النمو أبطأ والتناقضات أعلى كلفة.
الصين، في النهاية، ليست رأسمالية غربية ولا اشتراكية تقليدية، إنها تجربة ذاتية تقوم على توتر دائم بين الكفاءة والعدالة وبين السيطرة والثقة وبين السوق والحزب، وهذا التوتر كان سر نجاحها، وهو أيضاً اختبارها المقبل، فالدولة التي عرفت كيف تجعل السوق تخدم مشروعها الوطني، مطالبة الآن بأن تثبت أن المجتمع ليس مجرد قوة عمل وقاعدة ادخار، بل هو شريك في الرفاه.

ومن دون هذا التحول، ستظل المعادلة الصينية قوية في إنتاج النمو، لكنها أقل قدرة على إنتاج الطمأنينة التي يحتاج إليها أي نموذج كي يستمر.

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

سورس_كود



Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس