سيرياستيبس
يتساءل كثيرون، داخل المملكة وخارجها، عن أسباب وجدوى توجه المملكة العربية السعودية نحو الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في وقت تمتلك فيه احتياطات هائلة من النفط والغاز الطبيعي. يبدو السؤال منطقياً للوهلة الأولى: لماذا تستثمر دولة نفطية كبرى في مصادر بديلة ومنافسة للمصادر التي تعيش منها؟ لماذا تتوسع بهذه المصادر البديلة لتوليد الكهرباء وهي قادرة على توليد الكهرباء من وقودها الأحفوري لعقود طويلة؟ غير أن الإجابة تكمن في حقائق استراتيجية واقتصادية وبيئية وتقنية تتجاوز النظرة السطحية إلى الموارد الحالية.
الحقيقة الأولى هي أن تنويع مصادر الطاقة ليس رفاهية، بل ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي لأية دولة حديثة، وخصوصاً دول مجموعة الـ20، ومن ضمنها السعودية. الاعتماد شبه الكامل على مصدر واحد أو اثنين، مهما كانت وفرتهما، يعرض الاقتصاد والمصالح الوطنية الداخلية والخارجية لأخطار متعددة. تقلبات أسعار النفط العالمية، أو أي اضطراب جيوسياسي يؤثر في سلاسل الإمداد، أو حتى تغيرات في الطلب العالمي على النفط والغاز على المدى الطويل، كلها عوامل يمكن أن تهدد استقرار إمدادات الطاقة المحلية. لذلك تسعى الدول الكبرى، سواء كانت منتجة للنفط أم مستوردة، إلى بناء مزيج طاقي متوازن يجمع بين الوقود التقليدي والمتجدد والنووي. هذا التنويع يضمن استمرارية الإمداد، ويحمي الاقتصاد من الصدمات، ويعزز القدرة على التفاوض في الأسواق العالمية. السعودية، كعضو فاعل في مجموعة الـ20 وكركيزة للطاقة العالمية، لا يمكنها أن تبقى استثناء من هذه القاعدة الاستراتيجية. باختصار، التوسعة في الطاقة النووية والمتجددة ضرورة، اقتصادياً وأمنياً.
الحقيقة الثانية تتعلق بالطلب المتصاعد على الكهرباء، مع تنفيذ رؤية 2030 وما بعدها، يشهد الاقتصاد السعودي تحولاً هيكلياً عميقاً.
النمو السكاني المستمر، وتوسع المدن، وبناء مراكز بيانات ضخمة لدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير القطاعات الصناعية والسياحية واللوجستية، كلها عوامل تدفع استهلاك الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقود المقبلة. إذا استمرت المملكة في الاعتماد شبه الكلي على النفط والغاز لتوليد الكهرباء، فستضطر إلى تحويل كميات كبيرة من النفط المخصص للتصدير نحو الاستهلاك المحلي. هذا التحويل يعني خسارة مباشرة في الإيرادات الحكومية التي تعتمد عليها الموازنة العامة وبرامج التنمية، كما أنه خسارة للدور الاستراتيجي الدولي الذي تلعبه السعودية على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والتجارية.
أما الغاز الطبيعي، فبدلاً من توجيهه إلى صناعات ذات قيمة مضافة عالية مثل البتروكيماويات والأسمدة والمواد المتقدمة، سيستهلك في محطات التوليد، مما يفوت فرصاً اقتصادية هائلة ويقلص القطاع الصناعي ويخفض النمو الاقتصادي.
وجود الطاقة النووية والطاقة المتجددة يغير هذه المعادلة جذرياً، فالطاقة النووية توفر قدرة توليد مستقرة وكبيرة على مدار الساعة، بينما توفر الطاقة الشمسية والرياح كميات متزايدة من الكهرباء النظيفة بكلفة تنافسية بفضل الموارد الطبيعية الوفيرة في المملكة من جهة، وإلغاء نقل النفط إلى أماكن نائية من جهة أخرى. بهذا المزيج، يبقى النفط متاحاً للتصدير بكميات أكبر، ويوجه الغاز نحو الصناعات التحويلية التي تحقق عوائد أعلى وتوفر وظائف نوعية.
النتيجة النهائية هي تعزيز الإيرادات غير النفطية، وزيادة مرونة الاقتصاد، ودعم أهداف الرؤية في تنويع مصادر الدخل والتوسع في أساسيات الاقتصاد الجديد المتمثل في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
الحقيقة الثالثة أن جودة الهواء وصحة السكان أصبحت أولوية وطنية لا يمكن تجاهلها، تعاني بعض مدن المملكة، مثلها مثل كل المدن الكبرى في الشرق الأوسط، مستويات تلوث عالية ناتجة جزئياً من محطات توليد الكهرباء التي تعتمد على الوقود الأحفوري.
التوسع في الطاقة النووية والمتجددة يقلل الانبعاثات المحلية بصورة ملموسة، ويسهم في تحسين جودة الهواء، ويخفف العبء الصحي والبيئي على المواطنين. هذا التوجه يتوافق مع الالتزامات البيئية الدولية للمملكة، ويدعم أهدافها في خفض انبعاثات الكربون، من دون التضحية بالنمو الاقتصادي. هذه الفكرة مهمة جداً لأن عدداً من الدول الأوروبية يعاني ضعف النمو الاقتصادي، لأنها خفضت انبعاثات الكربون على حساب القطاع الصناعي الذي ضعف بصورة كبيرة في بعض هذه الدول.
الحقيقة الرابعة تتعلق بالمكاسب التقنية والجيوسياسية طويلة الأمد، فامتلاك تقنية الطاقة النووية السلمية لا يعني فقط بناء محطات توليد، بل يعني بناء كفاءات وطنية متخصصة، وتطوير خبرات في مجالات الهندسة النووية والسلامة والإدارة والبحث العلمي، ويعزز بعض الأقسام العلمية في الجامعات السعودية. هذه الخبرات تؤهل المملكة لتكون رائدة إقليمياً في مجال الطاقة النووية السلمية. ويمكن أن تسهم في نقل المعرفة والمساعدة التقنية إلى الدول المجاورة الراغبة في تطوير برامج نووية سلمية، مما يفتح أبواباً واسعة للاستثمارات المشتركة، ويعزز الاستقرار الاقتصادي والبيئي في المنطقة. كما يولد فرصاً للشركات السعودية في سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالطاقة النووية، سواء في التصنيع أم الخدمات أم الوقود.
من خلال هذه الحقائق الأربع يتضح أن التوجه نحو الطاقة النووية والمتجددة ليس بديلاً عن النفط والغاز، بل مكملاً استراتيجياً لهما. إنه استثمار في الأمن الطاقي، وفي استدامة الإيرادات، وفي صحة الأجيال القادمة، وفي المكانة التقنية للمملكة.
السعودية لا تتخلى عن مواردها الطبيعية، بل تديرها بحكمة أكبر لتعظيم قيمتها على المدى الطويل. بهذا النهج المتوازن، تضمن المملكة أن تبقى لاعباً رئيساً في أسواق الطاقة العالمية، وأن تحقق في الوقت نفسه أهداف التنمية المستدامة التي رسمتها رؤية 2030 وما بعدها. الطاقة النووية والمتجددة ليست ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لمستقبل أكثر أمناً وازدهاراً واستدامة. وما ينطبق على السعودية هنا ينطبق على الإمارات أيضاً، التي أصبحت أول دولة عربية في هذا المجال، وتجربة تستفيد منها المملكة في المرحلة المقبلة. وهنا أؤكد على أن ثلاث دول عربية أخرى تحتاج إلى الطاقة النووية في أسرع وقت، وهي مصر والجزائر والمغرب.
اندبندنت عربية
|