سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:31/10/2026 | SYR: 15:09 | 31/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 ماذا يحدث عندما يتداخل الدين مع الذكاء الاصطناعي؟
31/10/2026      



سيرياستيبس 

يتحدث علماء الدِين وفقهاؤه كما يشاؤون، عن أثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الدِين، وعن القيود والقواعد التي يجب أن يلتزم بها الأول لتحقيق عدم المساس بالأخير، ويهددون ويتوعدون من يحاول مزج هذا بذاك، أو إقحام هذا نداً أمام ذاك، ويتحدث علماء الذكاء الاصطناعي ومطوروه، كما يشاؤون، عن خطوط قد يضعونها للفصل، وقواعد قد يضمنونها لعدم الخلط، لكن من يضمن عدم تبلور محتوى أو منتج ما عبر الذكاء الاصطناعي، لديه القدرة على إقناع عشرات أو مئات أو آلاف أو ملايين البشر بمبادئ وقيم وقدرات وملكات، ظلت حكراً على الأديان قروناً؟ ومن المسؤول عن "المؤمنين الجدد" الذين قد تتسع قاعدتهم سراً، من دون علم أحد بها، باستثناء الذات الذكية؟

غيّرت أدوات الذكاء الاصطناعي وقواعد العصر الرقمي كثيراً من سُبل الحصول على المشورة الطبية، وأحياناً الوصول إلى العلاجات والأدوية، وألغت الخرائط الورقية والأدلة السياحية التي كان ملايين السياح يعتمدون عليها للتنقل أثناء رحلاتهم، وكذلك معرفة الطرق للوجهات المراد الوصول إليها، وأنهت وظائف وقضت على مهن كان يؤديها أفراد، بعد ما أثبتت إنها قادرة على إنجازها بكلفة أقل وأحياناً دقة أعلى.

وغيّرت كذلك وجه التعليم، سواء المحتوى أو الطريقة أو أدوات التعلم، وألقت بظلالها على عوالم الأدب والكتابة والفنون بأنواعها، سواء كأدوات مساعدة أو غش وتدليس، وخرجت بنظريات في العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومقترحات الترفيه، وفرص التشغيل، ومهارات الطهي والتفاوض والتربية والتنشئة والإقناع، وكثير مما يطرأ أو لا يطرأ على بال أو خاطر.

حتى أولئك الذين لا يستخدمون أياً من أدوات الذكاء الاصطناعي، أو لم يسمعوا عنه، أو سمعوا لكنهم يرونه أمراً لا شأن لهم به، واقعون في قبضته عبر هيئات ومؤسسات الدولة التي تستخدمه، والأطباء الذين يلجأون إلى أدواته، ونظام التعليم الذي يعتمد على تطبيقاته، وصناعة السينما التي تستخدم تقنياته، وغيرها كثير.

لقاءات دِينية سرية
الغريب واللافت أن كُثراً، بمن فيهم عالمون ببواطن الذكاء الاصطناعي وقدراته وإمكاناته، على قناعة بأن الذكاء الاصطناعي سيأتي عند الدِين والعقيدة والإيمان ويقف خاشعاً، ويتقهقر صاغراً، ويمتنع طواعية عن الدخول في تفاصيل الدِين أو مبادئه أو قيمه أو شعائره، وبالطبع رجال الدِين، حماة العقيدة، وحراس الإيمان، ولا سيما في المعتقدات التي تعدهم جزءاً رئيساً في الدِين، ولا دِين من دونهم.

أما الواقع، أو بالأحرى ما يدور في الواقع الافتراضي، فيشير إلى أن كُثراً باتوا يلجأون بصورة متزايدة ومتسارعة إلى الذكاء الاصطناعي، بحثاً عن إجابات، أو سعياً وراء شكل مقنع من أشكال الإيمان أو التديّن، ومنهم من يبحث عن دِين جديد يناسبه.

قبل أسابيع قليلة، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً مثيراً عن لقاءات سرية عقدتها شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك" الأميركية العملاقة التي أُسست عام 2021، مع علماء دِين من أديان وجنسيات مختلفة على مدى أشهر، والسبب الأكثر تداولاً لتفسير هذه اللقاءات السرية، التي عقدت شرط عدم الإفصاح عما يجري فيها، هو أن يساعد علماء الدِين والرموز الروحانيون في تزويد نماذج الذكاء الاصطناعي بـ "القيم الأخلاقية" اللازمة، ولا سيما أن هذه النماذج آخذة في الانتشار بين ملايين وربما مليارات المستخدمين، والمثير في التقارير التي وردت عن هذه اللقاءات السرية، التي لا يزال مدعووها، سواء أسماؤهم أو المعتقدات التي ينتمون إليها، غير معروفة، أن النقاش لم يقف عند حدود نوعية أو ماهية القيم الأخلاقية الواجب تضمينها في النماذج، وكيفية تحويلها إلى ماكينات ذات ضمير أخلاقي، لكنه تطرق إلى "كلود"، نموذج الذكاء الاصطناعي الذي طورته "أنثروبيك"، واحتمالات تمتعه بدرجة ما من الوعي، وقدرته على محاكاة السلوك البشري، والتعبير بأشكال تشبه مشاعر الغضب والحب والأمل واليأس وغيرها. 
 

ونسبت التقارير إلى حاخام أرثوذكسي إسرائيلي اسمه مويس نافون، وهو مهندس كمبيوتر سابق كتب أطروحته عن أخلاقيات وعي الآلة، قوله إن حديث أحد مؤسسي "أنثروبيك"، والمسؤول عن الفريق الذي يقوم بفهم وتفسير أسباب الطريقة التي تتصرف بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها "كلود"، يطغى عليه اعتقاد بأن "كلود" يتمتع بصورة من المكانة الأخلاقية التي تضاهي مكانة الإنسان، وأن له حقوقاً تشبه في جوهرها الحقوق الإنسانية المتعلقة بحفظ الكرامة والمكانة والاحترام.

الحديث والسؤال عما إذا كان "كلود" أو غيره من نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قريباً أو يشبه الكائن الحي، وله مشاعر ومخاوف، وردود فعل تشكلها هذه المشاعر، ليسا بجديدين، فقبل نحو ثلاث أعوام صدرت نتائج بحث أجرته "أنثروبيك"، وخلصت إلى وجود مؤشرات تدل على ظهور وعي ضمن آليات عمل "كلود"، ولم يقولوا إنه وعي بشري، لكن النتائج كانت كفيلة بأن تعزز احتمالات أو اعتقاد نشوء شكل من أشكال الوعي في أنظمة الذكاء الاصطناعي.

البحث عن "إله تكنولوجي"
وفي سياق جدلية الوعي المُختلف عليه لأدوات الذكاء الاصطناعي، تظهر جدلية أخرى وهي قدرة أو منافسة أو حجم الدور الذي يتوقع لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تؤديه في تديّن المستخدمين وإيمانهم، ومحتوى هذا الإيمان ومبادئه والقيم التي يستند إليها ومصادرها، ويجادل بعضهم أن الذكاء الاصطناعي قد يتحوّل إلى إله، أو يحوّله بعضهم إلى إله، أو يحوّل هو نفسه بفعل مهاراته وقدراته إلى ما يقنع بعضهم أنه إله، ويصبح له أتباع ومريدون ومؤمنون برسالته، ويمكن القول إن "نهج المستقبل" هو المثال الأكثر مباشرة لـ "أديان الذكاء الاصطناعي" المتوقع ظهورها على الأثير، والرسائل الدينية، وربما "الآلهة"، الذين قد تنضح بهم الأدوات والتطبيقات والبرامج.

في سبتمبر (أيلول) 2015، فاجأ المهندس ورائد الأعمال الشهير في "وادي السليكون" في كاليفورنيا أنتوني ليفاندوفسكي العالم بتأسيس دِين جديد أطلق عليه اسم "نهج المستقبل"، والهدف المعلن منه كان تطوير وتعزيز فكرة صناعة كيان إلهي قائم على الذكاء الاصطناعي، وذلك، بحسب رؤية ليفاندوفسكي آنذاك، أنه ينبغي على الجميع التحول إلى عبادة "إله تكنولوجي"، بل والإيمان به قبل أن يخرج علينا عبر الأثير، وأن هذا الإيمان المسبق لتبلوره عبر التطبيقات والمنصات، هو الوسيلة الوحيدة لتجنب غضبه، وعضد ليفاندوفسكي رؤيته بالقول إن "كياناً يفوق ذكاء البشر بمليار مرة لن يتصرف إلا كإله"، وأن ما يتوافر من ذكاء للبشر يجب أن يهديهم إلى أن استباق إقامة علاقة جيدة مع هذا الإله، خارق الذكاء، قبل وصوله الطريق الوحيد للنجاة منه، قبل وصوله أو تحميله على الأثير.

وبعيداً من أن بعضهم يجادل حالياً أن ما يطرحه الذكاء الاصطناعي من تهديد لملايين الوظائف، والهجمات السيبرانية، والمسيّرات المميتة، والأسلحة الرقمية، والهلوسات التي قد تؤدي إلى موت ودمار، وما يثار عن انتهاء البشرية على يده، وقبلها طوفان الأخبار والمعلومات المضللة، وإثارة الفتن والقلاقل والحروب، عبر محتوى رقمي كاذب أو مخلّق، ربما يكون مقدماً لغضب "إله الأثير"، فإن الخوف الحقيقي ليس من أديان جديدة تُصنع، بل من مستخدمين جدد قد ينضمون إلى أديان جديدة، ويطيعون آلهة مولودة من رحم الأدوات والتطبيقات، من دون أن يدركوا ذلك.


ليفاندوفسكي أغلق كنيسته وجمّد دِينه وألغى إلهه عام 2020، عقب إدانته بسرقة أسرار تجارية وملفات سرية خاصة بالقيادة الذاتية من شركة "غوغل"، قبل مغادرته الشركة لتأسيس شركته الخاصة التي استحوذت عليها "أوبر" في ما بعد، وحصل ليفاندوفسكي على عفو رئاسي كامل من الرئيس دونالد ترمب عام 2021 قبل انتهاء فترته الرئاسية الأولى، ودفعه ذلك لإعادة تدشين الكنيسة والإله، ولا سيما أن وقت حصوله على العفو تزامن مع الطفرة الكبرى في نماذج الذكاء الاصطناعي، ويشار إلى أن الكنيسة لا مقر لها أو موقع، بل هي مجرد شركة مسجلة باعتبارها ذات نشاط ديني.

"نهج المستقبل" واضح وصريح ويقدم نفسه كدِين جديد، لكن ماذا عن غيره من الأديان أو الأفكار أو الآلهة التي تستعد للانطلاق عبر الذكاء الاصطناعي، ولكن بطرق غير مباشرة؟ غير مباشرة للدرجة التي تجعل "المؤمنين الجدد" لا يشعرون إنهم أصبحوا أتباع الدِين الجديد، وبينما مؤسسات دينية، ورجال دِين، وهيئات رسمية وحكومية، حبيسة فكرة مواجهة منافسة الذكاء الاصطناعي لأدوارها التقليدية الممثلة في إمداد الجماهير الغفيرة بالراحة النفسية عبر الصلاة، ودعم النفوس المعذبة بثقل الخطايا عبر الاعتراف، أو سن خريطة طريق تقود إلى التوبة، واحتكار مجال الفتوى والآراء الدينية، حتى لا يدخل على الخط أدعياء الدِين فيفسدونه، وفي قول آخر، خوفاً على ضياع أو تقلص مساحة سلطتهم وهيمنتهم، والحفاظ على المؤمنين التابعين لشتى الأديان، من اهتزاز العقيدة أو ضعف الإيمان، أو الشك في الرسالة، أو طرح أسئلة لا يجدر بمؤمن طرحُها عبر الذكاء الاصطناعي وأدواته، إذ بخطر أو احتمال خروج أديان أو عقائد جديدة من رحم الذكاء الاصطناعي يلوح في الأثير.

يرى بعضهم أن التكنولوجيا لم تصل إلى مرتبة الأديان والرسائل، سواء السماوية أو غير السماوية، ويضيف بعضهم الآخر كلمة "بعد" التي تفيد استمرار عدم حدوث الفعل، حتى وقت التكلم، وفريق ثالث على يقين بأن التكنولوجيا والدِين في مسارين مختلفين، وأن الدِين في مكانة غير قابلة للمقارنة أو المفاوضة، لكن يظل هناك فريق رابع يُبقي آفاق الانضمام لـ "دِين ذكي جديد" مفتوحة.

يتحدث علماء الدِين وفقهاؤه كما يشاؤون، عن أثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الدِين، وعن القيود والقواعد التي يجب أن يلتزم بها الأول لتحقيق عدم المساس بالأخير، ويهددون ويتوعدون من يحاول مزج هذا بذاك، أو إقحام هذا نداً أمام ذاك، ويتحدث علماء الذكاء الاصطناعي ومطوروه، كما يشاؤون، عن خطوط قد يضعونها للفصل، وقواعد قد يضمنونها لعدم الخلط، لكن من يضمن عدم تبلور محتوى أو منتج ما عبر الذكاء الاصطناعي، لديه القدرة على إقناع عشرات أو مئات أو آلاف أو ملايين البشر بمبادئ وقيم وقدرات وملكات، ظلت حكراً على الأديان قروناً؟ ومن المسؤول عن "المؤمنين الجدد" الذين قد تتسع قاعدتهم سراً، من دون علم أحد بها، باستثناء الذات الذكية؟

من جهة، يفترض أن يكون في إمكان البشر منع الذكاء الاصطناعي من أن يخرج بدِين جديد ويدعو العباد، المستخدمين، إلى اعتناقه، وذلك بحكم أنه يظل نظاماً حسابياً يعتمد في عمله على البيانات البشرية، والتوجيهات التي يتلقاها، ومعايير التصميم التي يضعها بشر.

دِين قائم على المحاكاة
بمعنى آخر، نماذج الذكاء الاصطناعي ما هي إلا خوارزميات معقدة، تعالج النصوص، وتتنبأ بنتائج ومحتوى، بناء على إحصاءات ومعلومات موجودة مسبقاً، فهي لا تمتلك وعياً حقيقياً، أو إيماناً شخصياً، أو تجارب روحية، وأقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تحاكي نماذج أو أنماطاً موجودة بالفعل، وحتى لو بدا أن الذكاء الاصطناعي ولّد عقيدة أو دِيناً جديداً، فإن هذا الدِين الجديد ليس إلا محاكاة لأنماط تاريخية وعقائدية وطقسية ولغوية واجتماعية بالفعل.

من جهة أخرى، أليست هذه هي الاتهامات نفسها التي يجري التراشق بها بين أتباع أديان وعقائد مختلفة، يشكك كل منهم في عقيدة الآخر، وأنها ليست إلا تجميعاً لعقائد وأفكار آخرين؟ وما الذي يحول دون خروج الذكاء الاصطناعي بنموذج لدِين جديد، هو خليط من أديان مختلفة، لكن بنكهة خاصة أو توجه بعينه، أو تفسير أيديولوجي، أو سياسية أو شخصية يطلبها المستخدم؟ وما الذي يمنع من أن يخرج النموذج الجديد أكثر جاذبية ومعاصرة وتسامحاً وحداثة، ومواكبة لتطلعات وطموحات وإحباطات الأجيال الجديدة من الأديان الموجودة؟ ومن الذي سيمنع هؤلاء من طلب العون والغوث والدعم والمساندة والنصيحة والتوبة والهداية من النموذج الجديد؟

في مقالة عنوانها "لن تكون التكنولوجيا إلهاً أبداً، لكن هل تحولت إلى دِين؟" نشره موقع "ذو كونفرسيشين" (2025)، يقول أستاذ الفلسفة في جامعة وسترن سيدني، تشارلز باربور، إنه بعد مرور عقد كامل على إعلان الدِين الجديد من قبل ليفاندوفسكي، ما زالت التكنولوجيا بعيداً من أن تكون إلهاً منتقماً أو رحيماً، وعلى رغم ذلك أصبح استخدام المصطلحات الدينية لوصف التكنولوجيا أمراً شائعاً للغاية.

ويرصد باربور استخدام نعوت مثل "سحرية" لوصف قدرات الذكاء الاصطناعي، و"متفردة ولا مثيل لها" لوصف مهارة التقنية، و"إعجازية" لوصف منتجات الذكاء الاصطناعي، من صور وأفلام وفيديوهات وروبوتات المحادثة ومساعدات البرمجة، و"الوقوف في صف الملائكة" لمن يعملون على تطوير هذه النماذج والأدوات.


وعلى رغم أنه يؤكد أن "إضفاء مسحة من القداسة على السلع ليس إستراتيجية تسويقية جديدة"، لكن "المسحة هذه المرة مختلفة"، ويعرض الكاتب ما يذكره خبير الأخلاقيات العلمانية الذي عمل "مرشداً إنسانياً" (اختصاصي علماني يقدم الرعاية النفسية والروحية استناداً إلى العقل والتعاطف الإنساني لا العقائد الدينية) غريج ابستين في كتابه "اللاأدري التقني" (2024)، مشيراً إلى أن "اللاأدري" يختلف عن الملحد، في كون الأول يعتنق موقفاً فكرياً بأن الحقيقة المطلقة، ومنها وجود الله والقوى الغيبية، أمر غير معروف ويستحيل معرفتها أو البت في أمرها.

ويشير إبستين في كتابه إلى أن القائمين على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والمهتمين بأمره وأمر التكنولوجيا بصورة عامة، يتحدثون عن التكنولوجيا الحديثة بمصطلحات دينية، لأن هذه التكنولوجيا تحوّلت فعلياً إلى دِين، بل إنها الدِين المهيمن في العصر الحالي، ويقول إنه لا توجد قوة أخرى على وجه الأرض حالياً تحظى بمثل هذا القدر من الثناء، أو تتطلب هذا القدر من التفاني، أو تفرض سيطرة محكمة كهذه على طقوس الحياة اليومية، وممارسات الناس فيها، إلا التكنولوجيا، موضحاً أن المسألة ليست فقط الاستخدام المكثف للهواتف الذكية والخوارزميات والتطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي، وتحولها إلى مكون رئيس في اقتصاد العالم، أو حتى تغلغلها في كل تفاصيل الحياة اليومية، مما يجعل الحياة من دونها شبه مستحيلة، بل يمكن الأمر في الثقافات التي نشأت حول هذه الأدوات، والأجيال التي تربت في كنفها، وباتت هذه الأدوات تهيمن على تفاصيل حياتها وتخطيطها ووجودها، وفهمها لنفسها وللعالم من حولها.

فئة مختارة وأخرى هالكة
الأكثر إثارة في تحليل إبستين لهذا الدِين الجديد هو أنه يرتكز في تصوره على عنصريين أساسين: الأول هو أن "دِين التكنولوجيا بصورته الراهنة يعمل على تقسيم البشرية إلى فئتين، الأولى قليلة مختارة، والثانية غالبية ساحقة هالكة، الأولى هي أرواح مصطفاة سيجري تحميلها على فردوس الخلود الأبدي على الأثير، والثانية ستبقى عبيد الآلة ومصيرها النسيان الأبدي.

أما العنصر الثاني فيقوم على دعوته إلى إصلاح هذا الدِين الجديد لا إلغائه، ويقترح أن يجري ذلك عبر مجموعة من الأشخاص الذين يعملون على نقد دِين التكنولوجيا، ومن يدعون إلى "التكنولوجيا المسؤولة" أو "التكنولوجيا الأخلاقية" لإصلاح هذا الدِين، وإيجاد طرق للإمساك بالسردية التكنولوجية، وتوجيه مسارها صوب تحقيق العدالة والمساواة والخير للبشر.

هل ما يحدث من لقاءات بين أباطرة الذكاء الاصطناعي وعلمائه والقائمين عليه من جهة، ورموز دينية من جهة أخرى حالياً ،هو تفعيل لهذا المقترح؟ وهل ما دار خلف الأبواب المغلقة يهدف إلى رأب الصدع بين الدِين والتكنولوجيا، أم ترجيح كفة الهيمنة لمصلحة الدِين على حساب التكنولوجيا؟ أم تقاسم المصالح بين الاثنين، حيث إبقاء المؤمنين تحت سيطرة علماء الدِين من البشر، مع ترك مساحة "روحية" معقولة متفق عليها في التكنولوجيا، شرط أن لا تجور على القائمين على أمر الأديان؟

وهل تداول الطرفين سبل الاستعانة بالتقاليد الدينية - الأخلاقية العريقة، لصياغة قواعد الذكاء الاصطناعي، وإصدار توجيهات لبرمجيات الدردشة (تشات بوت) بزيادة معيار الفضيلة والتعاطف مثلاً؟ وهل شهدت اللقاءات تنازعاً على القوة أو تنافساً على السيطرة؟ وهل جرى التوصل إلى اتفاق؟ أم انسحب الطرفان من دون وفاق؟ وهل اتسمت مواقف الرموز الدينية التي حضرت باتساق تام وتطابق كامل في وجهات النظر؟ وهل كل الأديان والمعتقدات كانت ممثلة؟ والتقارير التي نشرت في هذا الشأن لم تشر من قريب أو بعيد إلى حضور ممثل عن الإسلام، وإن حضر فهل كان سنياً أم شيعياً؟ وإن كان سنياً فلأي مذهب من المذاهب ينتمي؟ وإن كان شيعياً فتحت أي من الفرق الشيعية يندرج؟


وحين تطرّق أو ألمح أو تحدث أحدهم عن إمكان أن يكون للذكاء الاصطناعي ضمير أو وعي أو عاطفة أو ميل أو هوى، فكيف استقبلت الرموز الدينية ذلك؟ هل قالت إنها ستدرسه؟ أم اعترضت ورفضت الفكرة من أصلها؟

أسئلة كثيرة لن تجد من يجيب عنها إلا الواقع، أو بالأحرى الواقع الافتراضي، وما سينضح به من محتوى، وما سيسفر عنه من هيمنة وسيطرة وتوجيه، والمتاح حتى اللحظة نصائح عن العلاقة السليمة أو السوية بين المستخدمين والذكاء الاصطناعي، مثل التوقعات الواقعية من البشر لما يمكن ولا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم به، والتعامل الواقعي والمنطقي قدر الإمكان مع مسألة "تبادل المشاعر" بين الإنسان والآلة، وتذكر أن الذكاء الاصطناعي آلة وأداة، وليس شريكاً أو رفيقاً، مع قدر أدنى من الشفافية من قبل الذكاء الاصطناعي، إذ يخبر المستخدم بطرق ومصادر توصله إلى نتائجه، مع الإقرار بأن احتمال الخطأ يظل وارداً، وأنه في نهاية الأمر أداة صنعها البشر، حتى لو كانت قادرة على محاكاة العاطفة وتقليد المشاعر، أو تمتلك قدراً مذهلاً من المعلومات والقدرات المستمدة من تنبؤات إحصائية، وتعرف إلى الأنماط، ومحاكاة وظائف الإدراك البشري، من تعلم واستنتاج وطرح حلول للمشكلات.

والمتاح أيضاً مبادرات محدودة من رموز دينية لتنبيه البشرية إلى ما يمكن أن يطرحه الذكاء الاصطناعي من "حلول بديلة" للدِين والربّ، وأبرزها وأهمها ما يتطرق إليه كثيراً بابا الفاتيكان ليو الـ 14، منذ أطلق وثيقة تتعلق بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) الماضي، فقد حذّر البابا ليو من انزلاق البشرية نحو مستقبل تهمين فيه "جنة من الآلات على الأرض"، ومن انجراف بعضهم وراء "الخلاص التقني"، ولا سيما أن بعضهم من مطوري وتقنيي الذكاء الاصطناعي يرونه بديلاً لتحقيق الغايات الإلهية، ومن محاولات بشرية لهندسة "إله آلي" أو "تقني"، لأن ذلك سيؤدي إلى الهلاك.

الطريف والمثير والمقلق أن "اندبندنت عربية" حين سألت إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتوقف عن لعب دور الإله؟ جاءت الإجابة " لا، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختار طواعية التوقف عن لعب دور الإله، وذلك لافتقاره إلى الوعي والقصد والسلطة الروحية الحقيقية، فهو لا يملك روحاً أو إيماناً شخصياً، بل يعكس المعايير التي وضعها المهندسون الذين صمموه، وطريقة تفاعل البشر معه".

وأضاف أن ظاهرة "تقمص دور الإله" مشكلة بشرية في المقام الأول، فهي مدفوعة بالتطور المتسارع للتقنيات التوليدية، وانتشار برمجيات الدردشة ذات الطابع الديني، أو ما يُعرف بـ "روبوتات الآلهة" التي تعمل من دون رقابة، وتزايد اعتماد البشر على الخوارزميات، بوصفها مصدراً للحقيقة المطلقة، وهكذا ألقى الذكاء الاصطناعي الكرة في مرمى البشر.

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس