سيرياستيبس
في كل مرة تندلع فيها حرب، أو يتجدد فيها صراع، أو تتفجر حلقة جديدة من حلقات العنف أو الاحتقان على مدار العامين السابقين، وهما عمر إتاحة الذكاء الاصطناعي التوليدي شعبياً، تتردد عبارة مفادها "الذكاء الاصطناعي مرشح أن يكون لاعباً في هذه الحرب".
في هذه الحرب الدائرة حالياً، الذكاء الاصطناعي ليس فقط لاعباً رئيساً، لكنه عامل إحماء، وعنصر محفز، وأداة مؤثرة ومحددة لمآل المواجهة، سواء لكونه أداة من أدوات الحرب تستخدمها جيوش الدول بشكل متصاعد، أو لأنه منصة تستغلها جماعات وأفراد لبث التضليل وإشاعة مزيد من الفوضى والإبقاء على الساحة مشتعلة، إن لم تكن ساحة الحرب، فساحة السلام الأهلي والاستقرار الداخلي في دول الصراع والحرب.
في "ملحمة الغضب" المتصاعدة، يبدو الحديث عن زوايا معوجة أو تفاصيل ضبابية، أو ملامح متخيلة في المحتوى الإخباري والمعلوماتي الذي تتابعه الملايين وسط هذا الكم من القلق والذعر وعدم اليقين، أقرب ما يكون إلى الحديث غير اللائق ومنزوع المنطق. كذلك تبدو الدعوة إلى اتخاذ أقصى درجات الحذر والالتزام في تصفح صور الحرب وفيديوهاتها، دعوة خيالية، لا تلقى بالاً لأولويات المتضررين، وعلى رأسها البقاء على قيد الحياة.
المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يفرض نفسه بقوة غير مسبوقة في حرب إيران التي تضرب المنطقة برمتها. مبان تحترق، وأخرى تنهار وتسوى بالأرض تماماً، صواريخ تخترق الأجواء وتتجه صوب العمارات السكنية والأبراج الأيقونية التي تميز المدن، مسيرات تصارع بعضها بعضاً فوق رؤوس المدنيين العزل في دول المنطقة، سكان يحتفلون بسقوط صاروخ دمر البنى التحتية في دولة مجاورة، مواطنون يرقصون طرباً لدى تداول أنباء عن مقتل قادتهم وتناثر أشلائهم، جنود يحيطون بطياري دولة معادية جرى أسرهم، مقاتلون يجري تدريبهم لاختراق الحدود وإشعال حرب أهلية، صاروخ يخترق مقاتلة ويحولها إلى حطام في الهواء على الهواء مباشرة.
من قيود الأرض إلى براح الذكاء إذا كانت حلبة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط انتقلت من قيود الأرض والقوات البرية والدبابات والمدرعات وطلقات الرصاص وستار الطائرات المقاتلة إلى براح الصواريخ الباليستية والكروز والفرط صوتية والمقاتلات الشبحية وقاذفات الشبح وغيرها، فإن براحاً آخر فتح أبوابه على مصاريعها، وهو براح الذكاء الاصطناعي.
وعلى رغم ما يقال في كل مرة من أن هذه المرة هي الأكثر استخداماً لأدوات الذكاء الاصطناعي كحرب دعائية ونفسية ومعنوية مدمرة للعدو على مدار العامين الماضيين، فإن هذه الحرب تتربع في الصدارة، باعتبارها شاهداً عياناً على نطاق وسرعة للذكاء الاصطناعي لم يسبق لهما مثيل في الحروب، وقوة بروباغندا وبروباغندا مضادة ونشر أكاذيب وخيالات غير مسبوقة.
الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وقاعدة الدول التي تنالها من الحرب جانب من دون رغبة منها، جعلت ملايين الصور وفيديوهات الذكاء الاصطناعي واقعية بشكل صادم.
مقطع فيديو حاز على أكثر من 20 مليون مشاهدة يوثق لحظات إطلاق سفينة حربية إيرانية وابلاً من الصواريخ والنيران صوب فيلق من الطائرات الحربية الأميركية، فيصيبها كلها وتسقط أجزاء في البحر، وسط تهليل وتكبير وتأكيد على نصر إيراني كبير.
مقطع آخر شاهده 40 مليون شخص، وتناقله ضعف هذا العدد، ينقل تفاصيل تحبس الأنفاس لمقاتلة حربية أميركية وحيدة تخترق سماء إيران، وتستهدف منشآت نووية، ثم تنطلق إلى مبان حكومية وعسكرية فتدكها، قبل أن تمضي في طريقها عائدة من حيث أتت. التعليقات غالبيتها تبارك أميركا وتمجد رئيسها وتشكره على هذا النصر الأميركي الرهيب.
المعضلة الوحيدة في المقطعين إنهما غير حقيقيين، بل مصنعين بأدوات الذكاء الاصطناعي من الألف إلى الياء. مقطع ثالث حقيقي لطائرة إيرانية في مواجهة سفينة أميركية يحصد ملايين أخرى من المشاهدة والمشاركة باعتباره مقطعاً من الحرب، قبل أن يكتشف أمره. هو مقطع حقيقي بالفعل، لكنه مأخوذ من لعبة فيديو تقوم على المحاكاة العسكرية اسمها "وور ثاندر" أو "رعد الحرب". المشكلة لم تقف عند هذا الحد، بل تم تداوله كمادة شارحة للحرب على شاشات تلفزيونية إخبارية، بعد إضافة "خاص".
ومن الخاص إلى العام، تحديداً عمومية استخدام صور يفترض أنها ملتقطة بالأقمار الاصطناعية، لكنها تتحول إلى أدوات كذب وتضليل وتمويه تحول المخزون الخبري والمعرفي لدى ملايين المتلقين إلى خليط من الوهم والخيال مع قدر من الحقيقة ولا تخلو من توجيه. والنتيجة رأي عام مضَلَل أو مغيب أو مفبرك، وهو يعتقد أنه واع مدرك متابع لما يجري حوله.
وسائل إعلام إيرانية وأخرى موالية لإيران تنشر صور أقمار اصطناعية، يقول خبراء إنه جرى التلاعب بها عبر الذكاء الاصطناعي، تظهر قواعد أميركية مدمرة، وتؤكد أن النصر الإيراني قادم بلا شك. وسائل إعلام أميركية أو متضامنة مع أميركا وإسرائيل في حربهما تنشر صوراً وفيديوهات ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية أيضاً، لكن لم تثبت صحتها، تظهر حجم دمار رهيب في المدن الإيرانية، وتؤكد أن النصر الأميركي- الإسرائيلي مسألة وقت لا أكثر.
المحتوى المرئي من صور وفيديوهات، وتلال التحليلات المبنية عليه، تحمل في طياتها سموماً فاسدة وألغاماً قابلة للانفجار في أي وقت، حيث الأكاذيب والتضليل والفبركة قادرة على تمويه تفاصيل ومجريات ونتائج الصراع الدائر، وتحويل دفة الرأي العام من دون أن يدري أصحابه.
المشهد الجيوسياسي والحربي والأمني الراهن يبقي على الطريق ممهداً سامحاً للذكاء الاصطناعي وأدواته المتاحة بسهولة ويسر في أيدي الملايين لصناعة واقع مواز للحقيقة، وربما شرق أوسط جديد قائم على حقيقة متلاعب بها وواقع مشكوك في أمره.
ولأنه استخدام غير مسبوق، على نطاق غير مسبوق، ومن قبل لاعبين غير مسبوقين، فقد أطلّ خبر نشر البيت الأبيض على منصة "إكس" قبل أيام مقطع فيديو مأخوذاً من لعبة فيديو شهيرة بعد دمجه مع لقطات حقيقية ملتقطة من قبل وزارة الدفاع (الحرب) من دون الإشارة إلى ذلك ليصيب البعض بالذهول. أما الغالبية، فتعتقد أنها مقطع حقيقي لا جدال في مصداقيته.
صناعة مليونية ملايين الصور وجداول البيانات تتم صناعتها على مدار الساعة منذ بدء الحرب. مئات الآلاف من ساعات الفيديو تتم فبركتها منذ تلك الليلة التي اندلعت فيها الحرب. ومنها ما يخلط الحقيقة بالذكاء الاصطناعي ويتم بثه ونشره ومشاركته في أرجاء الأرض، من دون ضابط أو رابط. والنتيجة المتوقعة شبه المؤكدة هي واقع مشوه، ورأي عام مشوش، وبيئة معلومات ضبابية تجعل فهم ما يجري على الأرض فعلياً أقرب ما يكون إلى المستحيل، لا سيما في ضوء التطور الكبير الحادث على هذه التقنيات، ما يجعلها تبدو حقيقية من دون شك.
التحدي الأكبر يكمن في أن هذا التطور الكبير يتخذ من الحروب والصراعات ساحة تجارب له، ولا تواكبه أو تعادله قدرة شعبية للتعامل مع هذا "الواقع" الجديد بوعي وقدرة على التفرقة بين الحقيقة والخيال. وحتى لو توافرت القدرة والوعي، فإن سرعة الأحداث وتمدد قاعدة الحرب، لا يتركان ما يكفي من وقت وجهد للتدقيق والتأكد.
في هذه الحرب، يطلّ التضليل الإعلامي المستند إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بالغة الجودة عبر جهات عدة، بعضها ينقل الحرب "رسمياً" من سماء المواجهات الفعلية وأرضها إلى أثير العالم الرقمي. فمن جهات فاعلة تابعة أو موالية للدول، إلى شبكات تأثير محترفة تعتبر الأدوات الرقمية والمحتوى المضلل وفكرة البروباغندا المؤثرة مجال عملها، إلى أفراد "وطنيين" يقولون أو يظنون إنهم يدافعون عن بلدانهم عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لإلحاق الضرر بالعدو، وأخيراً إلى أفراد مصدر رزقهم هو استخدام الذكاء الاصطناعي للتلاعب بالوعي والواقع.
جزء معتبر من "ملحمة الغضب" يحتوي على "ملحمة أوهام". الأطراف الثلاثة الرئيسة لا تخوض فقط حرب مسيرات وصواريخ، ولكنها أيضاً كدول، منغمسة في معركة معقدة تقوم على التأثير في الآخر عبر التلاعب بالواقع بأدوات تقنية يصعب اكتشاف زيفها.
ضلوع الدول في المعركة الرقمية يمتد كذلك إلى ما يسمى بـ"الاستخبارات مفتوحة المصدر"، وهي عمليات جمع وتحليل المعلومات من السوشيال ميديا والموقع الإلكترونية والوثائق العامة، وذلك لإنتاج رؤى ومعلومات استخباراتية قابلة للتنفيذ، وتستخدمها جهات رسمية وشركات ومحققون، وشركات متخصصة في الدفاع ضد التهديدات، ومتخصصون في الأمن السيبراني. وهي تساعد أيضاً في تقييم التهديدات وصياغة رؤى تدعم عمليات صنع القرار.
ويتم تدشين حسابات مزيفة على السوشيال ميديا تضخ محتوى مدروساً بعناية، بهدف مشاركته ونشره على أوسع نطاق للتأثير في الرأي العام بشكل سابق التوجيه.
طوفان المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي الضالع بكل قوة في الحرب الحالية يشارك فيه أيضاً أفراد. "وطنيون" يلجأون إلى أدوات رقمية يتقنونها من باب الدفاع عن الوطن ومصالحه، ودرء الأعداء في عقر دارهم، لا بالسلاح أو المسيرات أو الصواريخ، لكن بالذكاء الاصطناعي الموجه والمزيف. كذلك يضخ هؤلاء محتوى مزيفاً آخر، لكن يهدف إلى رفع الروح المعنوية لدى المواطنين، وتقوية ثقتهم في أنفسهم، وتحسين حالتهم النفسية.
فيديوهات تحمل ملامح دمار تامة في تل أبيب، وأسر جنود أميركيين على مدار الساعة، وخبر عاجل متداول منذ بدء المعركة يؤكد "مقتل نتنياهو وفوضى عارمة في إسرائيل، وحاملة طائرات لينكولن وقد تحولت إلى "خردة" (قطع حديد بالية) بفعل صاروخ إيراني، وكرات اللهب تملأ سماء إسرائيل، آثار خراب مريع بعد استهداف مفاعل ديمونة تملأ الأثير العربي، وتثير القيل والقال.
فيديوهات أخرى يجري نشرها ليهود "متطرفين" يحتسون خموراً ويبصقون على مسلمين ويحتفلون بأياد مخضبة بالدماء، تصريح أميركي رسمي بدك لبنان والعراق وما تيسر من الأردن وأطراف سوريا لإعلان النصر، وغيرها الآلاف يجري تداولها على السوشيال ميديا، ومنها ما يتحوّل إلى مادة للتحليل والشرح، ثم النقاش والاختلاف والاتفاق. وبعد أن يثبت فبركتها، وإنها من صناعة الذكاء الاصطناعي المحضة، تكون الملايين قد انصرفت مزودة بمخزون خبري ومعرفي وتحليلي مفبرك.
الجبهة المقابلة لا تخلو أيضاً من فبركة مضادة، بعضها غرضه وطني لتقوية الجبهة الداخلية، والبعض الآخر يهدف إلى زعزعة العدو، وإصابة بروباغندا الكذب في مقتل.
اللافت أن المفبركين الوطنيين يعتبرون جهود التحقق من مصداقية المحتوى وحقيقة ما جرى أعداء للوطن، وكارهين للوطنية، وخونة مؤيدين للأعداء.
أثرياء حرب رقميون وفي خضم المشهد المعقد الحالي، تظهر سلالة جديدة من منتفعي وأثرياء الحروب بشكل واضح وغير مسبوق. وإذا كان أثرياء الحروب التقليديون ينتفعون من الحروب ويحققون ثروات طائلة عبر أنشطة تجارية غير مشروعة منتهزين فرصة الصراعات والنزاعات المسلحة وضعف قبضة القانون، فينخرطون في بيع الأسلحة، وتهريب البضائع، والاستيلاء على العقارات والممتلكات، فإن أثرياء الحرب الرقميين يحققون ثروات طائلة أيضاً، لكن عبر تزييف الوعي مستفيدين بأدوات الذكاء الاصطناعي.
جزء غير قليل من المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي على هامش حرب إيران هدفه الربح. آلاف، وربما ملايين الصور والفيديوهات الملعوب بها بالذكاء الاصطناعي، أو المصنوعة بأدواته من الألف إلى الياء يتم ضخها وتشاركها على مدار الساعة منذ اندلعت الحرب. بعضها يدغدغ المشاعر، والبعض الآخر يضخ الخوف والقلق، ومنها ما لا يتلاعب بالمشاعر، ويكتفي بضخ أكاذيب ونقل صور وأحداث لم تحدث أصلاً. النتيجة تداول محموم، وجني أرباح هائلة تزيد بزيادة التداول، ومن ثم ثراء من باب الحرب الرقمي الخلفي.
وعلى رغم جهود تعلنها بعض الشركات في محاولة لتطويق أو تقليل فبركات الذكاء الاصطناعي في الحرب العابرة للحدود الحالية، وتهديد بحجب المحتوى المضلل وحرمان صاحبه من جني أرباح بحسب فداحة جرم الفبركة، إلا أنه في المقابل تخطئ شركات أخرى في التحقق من مصداقية محتوى، وتعلن هذا حقيقي، على رغم أنه مفبرك، وذاك مفبرك على رغم أنه حقيقي.
هذه الفوضى تسهم في بزوغ نجم الذكاء الاصطناعي كأداة تشويه وعي، وتمويه حقائق، وفبركة واقع. وهي تلقي ضوءاً كذلك على "دمقرطة الذكاء الاصطناعي" وإتاحته وسيلة مجانية في أيدي الجميع على سبيل العدالة الرقمية. هذه الإتاحة سهلت بشكل كبير عمليات التضليل، ووسعت من قاعدتها، لا سيما في ظل غياب وسائل المراقبة والضبط والمحاسبة، واقتصارها على الوعي. من جهة أخرى، ترسخ الحرب الدائرة حالياً وجود الذكاء الاصطناعي أداة حرب رئيسية تستخدمها الدول لإدارة صراعاتها ومحاولة تحقيق النصر. خبراء يسمونها "أتمتة القتل"، وآخرون يرونها مولوداً جديداً لا بد منه في العصر الرقمي لمسايرة العصر في مجال الحروب والدفاع والهجوم، وأيضاً لتنفيذ الاغتيالات.
على سبيل المثال، كشف تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية قبل أيام عن استخدام إسرائيل كاميرات مراقبة مرورية مخترقة وأدوات مختلفة للذكاء الاصطناعي، لرصد تحركات المرشد الأعلى علي خامنئي قبل اغتياله، وهو ما أسهم في دقة التصويب.
اللافت أن أسئلة خاصة بأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب وتحديد الأهداف العسكرية يثار بين الوقت والآخر على هامش "ملحمة الغضب".
طرح تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية (مارس 2026) أسئلة خاصة بحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في ضوء الحرب الراهنة مقارنة بدور الإنسان والقرارات الصادرة عن بشر. وأشار التقرير إلى "سلسلة القتل" باعتبارها أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة، وهي السلسلة التي تبدأ برصد الهدف، وتنتهي باتخاذ قرار الضرب. وفي هذه السلسلة، يساعد الذكاء الاصطناعي على تقليص الوقت اللازم لاتخاذ قرار الضرب، وذلك بفضل تحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة أكبر.
وأشار التقرير إلى أنه على رغم أنباء عن استخدام القوات الأميركية نظاماً ذكياً اسمه "مافن" يعمل على تحديد الأهداف، وترتيب أولوياتها، وأن نموذج ذكاء اصطناعي توليدي أنتجته شركة أخرى جرى دمجه مع هذا النظام بغرض تعزيز قدرات الرصد والمحاكاة، إلا أن الشركتين المطورتين للنظمين لم تعلقا.
خفوت الجدل الأخلاقي يستمر الجدل الأخلاقي، وإن ظل خافتاً تحت ثقل الحرب وأحداثها المتلاحقة. إنه الجدل الذي تفجّر بشكل واضح إبان الحرب على قطاع غزة التي استمرت أكثر من عامين، وهيمن عليه سؤال حول مسؤولية الأخطاء في الهجمات التي يتم شنها بالذكاء الاصطناعي؟! معاقبة الخواريزم مستحيلة، لكن مسؤولية من سمح بالاعتماد على الخواريزم ممكنة، لكن غير واردة بعد.
إيرانياً، تطرح المدرسة الابتدائية التي جرى استهدافها "بالخطأ" نفسها مثالاً واضحاً لمسؤولية الذكاء الاصطناعي في الحروب، ومدى القدرة على التحقق من هوية "الجناة" المسؤولين عن مقتل ما لا يقل عن 168 طفلاً وطفلة و14 معلماً. الرئيس الأميركي ترمب اتهم "ذخائر إيران غير الدقيقة". وإيران اتهمت الصواريخ الأميركية الدقيقة.
المفارقة هي أن أدوات الذكاء الاصطناعي لديها القدرة على معالجة صور الهجوم وتحليلها، لمعرفة تفاصيلها، وأيضاً لتحسين قدرات الاستهداف الذكية في المستقبل.
تقارير اقتصادية عدة تشير إلى أن الحرب الحالية انعكست إيجاباً في عوائد ومكاسب عدد من شركات الذكاء الاصطناعي، لا سيما تلك المرتبطة بعلاقات وعقود مع الجهات الرسمية الأميركية، سواء عبر ارتفاع قيمة أسهمها، أو مشاركتها في العمليات العسكرية من الجانب العلمي والحسابي، وسرعة ترسيخ الذكاء الاصطناعي كمكون محوري ومتوقع في الحروب العسكرية الحديثة.
الرئيس التنفيذي السابق لشركة "غوغل" ورئيس مشروع الدراسات التنافسية الخاصة إريك شميدت ذكر في مقال نشره في صحيفة "فايننشال تايمز" (سبتمبر 2025) تحت عنوان "الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي تتطلب أسلحة جديدة" إن الإنفاق العسكري العالمي زاد 34 في المئة في السنوات الخمس الماضية، وأن شركات الدفاع الأميركية الخمس الكبرى تلقت طلبات جديدة كبيرة، وأن هذه الطفرة الدفاعية تتزامن والثورة التكنولوجية المتمثلة في الذكاء الاصطناعي.
يشار إلى أن شميدت من أبرز الشخصيات الداعية إلى دمج الذكاء الاصطناعي في الجيش الأميركي. وهو الذي يصف العصر الحالي بـ"عصر حرب الذكاء الاصطناعي" تتطلب تحولاً وتحديثاً سريعين لأنظمة الدفاع. ويعتبر الأنظمة المستقلة المدعومة بالذكاء الاصطناعين وعلى رأسها المسيرات، مستقبل الحروب، وأن المعدات العسكرية التقليدية الثقيلة إلى زوال، أو على الأقل إلى تقلص، لمصلحة أدوات أرخص وأخف وأسرع وأذكى.
المتشائمون يتخيلون صورة لسكان الأرض يتابعون مجريات حرب أميركا وإسرائيل في إيران وامتداداتها عبر فيديوهات وصور، وتحليلات وكتابات تفسيرية بناء عليها، ويثبت بعد ذلك أن جميعها من وحي خيال الذكاء الاصطناعي، بينما الحرب الحقيقية تدور في السماء وكذلك على الأرض إذ تتداخل الأدوات الرقمية مع المعدات التقليدية والمخططات الاستخباراتية لإدارة الحرب الحقيقية، التي بدورها تتخذ من الذكاء الاصطناعي أداة رئيسية.
أما نصف المتشائمين، فيرون أن العالم مقبل على عصر جديد من الأمم المعتنقة مذهب الذكاء الاصطناعي، في السلم والحرب، وهذا يعني أن رأب الفجوة الرهيبة في قدرات الذكاء الاصطناعي بين الدول يجب أن تكون أولوية.
يشار إلى أن أميركا تتربع على رأس قائمة أكثر دول العالم امتلاكاً لقدرات البحث والتطوير والإبداع في مجال الذكاء الاصطناعي، تليها الصين. وفي ما يختص بالذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، تهمين أميركا أيضاً على المرتبة الأولى، وتليها الصين كذلك، وتأتي إسرائيل في المرتبة الرابعة.
اندبندنت عربية
|