سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:17/09/2026 | SYR: 13:24 | 17/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 قاتل أم بطل: أين يقف الفن من جرائم الشرف؟
17/09/2026      




سيرياستيبس 


نجحت الأعمال الفنية التي تناولت جرائم الشرف في إحداث أثر لا يستهان به، لكن ربما على الجميع التوقف لفهم لماذا قد يخرج المشاهد من السينما وهو يعتقد أن القاتل بطل؟ هنا تأتي مسؤولية المجتمع لا الشاشة، وتناولها للقصة فقط، فهناك ثقافة وتوجهات علمت الغالبية العظمى أن الرجل يستطيع أن يستعيد كرامته بجثة امرأة، بسبب استخدامها جسدها بطريقة لا تروق المجتمع أو الأسرة.

في معظم جرائم القتل يحسم الحكم فيها بلا تردد لمصلحة الضحية، لكن تتعقد الأمور عندما يدخل المجتمع طرفاً في الصراع وحكماً في النزاع، ليسيطر على المشهد بحثاً عن إجابة للسؤال الأخطر: هل كان القاتل مجرماً أم رجلاً دافع عن شرفه؟

بين الجريمة والتبرير تظهر واحدة من أكثر القضايا خطراً في علاقتنا بالفن والمجتمع، وهي جرائم القتل التي تُرتكب تحت لافتة الشرف، لتضع الجميع في المنطقة الرمادية التي تختلف فيها الأحكام على رغم وجود قاتل وقتيل وجريمة كاملة معترف بها. ففكرة أن رجلاً يملك حق معاقبة امرأة أو رجل آخر، لأنه رأى شرفه تعرض للإهانة ليست فكرة يولد بها الإنسان، إنما تُبنى داخل منظومة اجتماعية كاملة من الأسرة إلى الموروث الشعبي، ومن الأمثال والحكايات إلى الإعلام والدراما والسينما.

نقلت السينما من الواقع حكايات شهيرة تحوّلت إلى أيقونات على أشرطة الشاشة الفضية من "دعاء الكروان" إلى "شفيقة ومتولي" ووصولاً إلى "الهروب" وغيرها من الأعمال التي كان على البطل قتل أخته أو زوجته أو قريبته، لأن شرفه تلطخ في رواية أحدهم، وعليه أن يطهره بدماء الضحية.

وعلى رغم بشاعة الجريمة في كل الأحوال أياً كانت أهدافها لكن في بعض تلك الأعمال وغيرها من أفلام ودراما الشرف يلتف الجمهور حول القاتل، ليمجّده ويتعاطف معه، ويصنع منه بطلاً ثأر لكرامته بالدماء المراقة دون رحمة.

القتل مقابل الشرف
وفي كثير من الأعمال تعرض السينما قضايا الشرف دون التحيز للقاتل، لكن في معظم الأحيان ينحاز الاستقبال الجماهيري للبطل المجرم، ويبرر فكرة أن غالب من يسفك دم امرأة لخيانتها له أو لعلاقة آثمة أياً كانت ملابساتها هو بطل شريف يستحق التكريم، وينتصر لفكرة الرجولة والنبل وأخلاق الفرسان.

وربما هذا المردود الجماهيري كان سبباً مباشراً في طرح سؤال يجب مناقشته بوضوح وهو: هل تفضح السينما هذه الثقافة القائمة على القتل مقابل الشرف؟ أم أنها في بعض الأعمال منحت القاتل ملامح البطل الذي يمكن للجمهور أن يتعاطف معه؟ وهل صنعت الشاشة بطل الشرف أم أنها فقط أعادت إنتاج بطل كان المجتمع قد صنعه قبل أن تعرف مصر السينما؟


في إحدى الجرائم، التي وقعت أخيراً في مصر والمعروفة إعلامياً باسم واقعة "مساكن الشوش" التبست الأمور، وثار الجدل، واختلفت أطياف الناس بين اعتبار ما حدث جريمة شرف وتمجيد مرتكبها، وبين رفض ما قام به واعتباره جريمة شنعاء يستحق عليها العقاب، فالرجل الذي لا يزال على ذمة التحقيقات ادّعى أنه عاد لينتقم من زوجته وعشيقيها بعد وصول صور له عبر وسائل التواصل الاجتماعي تكشف علاقة مزعومة بين الزوجة الشابة ورجلين، وعلى رغم كل الشكوك المحيطة بصحة الصور، أو حقيقة الواقعة من الأساس، ارتكب الزوج جريمة قتل وتمثيل ببعض أعضاء الضحايا الثلاثة.

وبعيداً من تفاصيل القضية التي لا تزال أمام جهات التحقيق، فإن اللافت هو عودة المفردات المتعلقة بجرائم الشرف نفسها إلى النقاش العام مثل الخيانة، وغسل العار، والرجولة، بل الأعجب هو انقسام الناس وتبرير القتل وتمجيد بعضهم للقاتل، وكأننا أمام قاموس لم يمت، بل يستطيع أن يعود كل مرة بالقوة التي لا يغيرها التقدم أو القوانين والزمن.

مشاعر المشاهد تجاه الجريمة
ربما لا يوجد مثال أكثر شهرة في الذاكرة المصرية من حكاية "شفيقة ومتولي"، الحكاية الشعبية التي انتقلت من الموال والسيرة الشعبية إلى المسرح والسينما، ثم تحوّلت إلى فيلم يحمل الاسم نفسه عام 1978، بطولة سعاد حسني وأحمد زكي وأحمد مظهر ومحمود عبدالعزيز وجميل راتب، وإخراج علي بدرخان.

لم يكن الشريط السينمائي عن قصة امرأة تدعى شفيقة قُتلت على يد شقيقها متولي، بل كان عن حكاية مجتمع كامل يضع المرأة تحت سلطة السمعة، ويمنح الرجل سلطة التطهير ولو بالدم.

قدّم الفيلم عالماً من الفقر والقهر والاستغلال والظلم الاجتماعي والسياسي، لكن ظلت الحكاية الأصلية والأسطورة المتبقية في الأذهان أن العمل يدور عن رجل قتل امرأة، لأنها جلبت العار، وعلى رغم الاعتراف بقيمة الفيلم الفنية فإنه ظلّ في الذاكرة الشعبية عملاً يحمل تبريراً لجريمة قتل بدافع الشرف، ويضفي البطولة على فاعلها أياً كان التعاطف مع الضحية. وهنا تحوّل متولي من شخصية درامية إلى نموذج ثقافي، فهو رجل غسل عاره، ولم يسمح للمجتمع أن يصفه بالضعف.

وربما أخطر نقطة في قضية الفن وجرائم الشرف ليست ماذا حدث في الفيلم، إنما بأي مشاعر يخرج المشاهد من القاعة؟ هل كره الجريمة أم أحبّ القاتل وبرر سفكه للدماء؟ والأهم وجهة نظره في الضحية وهل يعدها إنسانة تعرّضت للظلم؟ أم متهمة دفعت رجلاً مسالماً لقتلها؟




وقبل "شفيقة ومتولي" بأعوام طويلة، اقتربت السينما المصرية من جوهر القضية في فيلم "دعاء الكروان"، المأخوذ عن رواية طه حسين، الذي قدّم واحدة من أشهر صور العنف المرتبط بما يسمى الشرف في المجتمع المصري، إذ تتحوّل شخصية هنادي التي قامت بها زهرة العلا إلى ضحية لمنظومة اجتماعية لا ترى في المرأة إنسانة مستقلة، بل تختزل قيمتها في سمعتها وعذريتها وعلاقتها بالرجل، حيث جرى الحكم بالقتل عليها، لوجود علاقة خارج الزواج مع المهندس الذي يعيش بالقرية.

والمشهد الذي ظل عالقاً في الذاكرة الشعبية هو قتل هنادي على يد خالها بحجة غسل العار، حتى أصبحت العبارة الشهيرة "هنادي خدها الوبا" واحدة من أشهر الإشارات السينمائية إلى جرائم الشرف، وبحكم عقلية طه حسين التنويرية لم يحتف الفيلم بالقاتل، بل وضع المشاهد أمام مأساة المرأة التي يدفعها المجتمع إلى الهامش ثم يعاقبها على وجودها تحت خط الفقر والجهل بكل توابعه، وهنا نجح العمل في عرض جريمة قتل باسم الشرف دون أن يكون راعياً لها، وكرس الفيلم لفكرة مهمة، وهي أن القضية ليست في وجود الجريمة داخل محتوى فني، لكن الأزمة تكمن في زاوية النظر إليها وتناولها.

من الأفلام المهمة التي تناولت المرأة كضحية في قضايا الشرف بوضوح فيلم "حادثة شرف" المأخوذ عن قصة يوسف إدريس، الذي تدور أحداثه حول فتاة قروية تنتشر عنها إشاعة تتعلق بالاغتصاب، فينقلب أهل القرية عليها، وتصبح عذريتها موضوعاً عاماً قبل أن تثبت أنها عذراء. وتأتي البراءة بعد تعرضها لانتهاك اجتماعي ونفسي قاسٍ، ومطالبات بقتلها من قبل عائلتها ليتخلصوا من العار الذي لم يثبت من الأساس.

هنا لا نحتاج إلى جريمة قتل حتى نفهم منطق الشرف في بعض أو معظم طبقات المجتمع، إذ يمكن أن تحاكم امرأة بسبب إشاعة، ويباح قتلها لمجرد التصاق سمعتها بأخبار ملفقة وأحداث مزورة بفعل شخصيات مغرضة في بعض الأحيان. وفي تلك الحالة يصبح الحكم عليها ملكاً للجماعة، وإثبات براءتها عملية إذلال لها.

هل صنعت السينما القاتل؟
قد لا توجد حقيقة علمية تؤكد أن الإنسان الذي يشاهد فيلماً عن القتل يذهب إلى ارتكاب جريمة، لكن علم النفس طرح فرضية مهمة منذ عقود تؤكد تأثير التعرض المتكرر للصور العنيفة في تطبيع العنف أو تقليل الحساسية تجاهه في بعض السياقات.

لذلك، فالتناول الفني للجريمة، وبخاصة ما يندرج تحت بند الشرف أمر شديد الحساسية والخطورة، وعرض القضية ليس مربط الفرس بالتأثير في المشاهد، بل الفخ الحقيقي هو الرسالة المصاحبة للعرض وطريقة تقديم القاتل.

فإذا شاهد الجمهور قاتلاً يُقدم باعتباره رجلاً محطماً، ثم يحصل على الموسيقى الحزينة، واللقطات البطولية، وتعاطف الشخصيات من حوله، بينما تُختزل الضحية في كونها الخائنة، فإن العمل قد لا يقول صراحة "اقتل"، لكنه قد يسهم في جعل القتل مفهوماً ومبرراً داخل المخيلة، وهنا يظهر مفهوم أخطر من تمجيد الجريمة وهو تطبيعها.

والتمجيد يقول إن ما فعله البطل صحيح، بينما التطبيع يضع المشاهد في منطقة تفهم دوافع البطل ولماذا فعل هذا؟ وقد يتعاطف معه المشاهد أو يدينه، لكن في النهاية يجد المشاهد نفسه في منطقة قد لا تجد الجريمة أمراً شنيعاً، بل حدثت له دوافع ومبررات وهذا أخطر.




وسواء أسهمت السينما في التطبيع أو التمجيد أو حتى مجرد الطرح المحايد فلا يمكن تحميلها مسؤولية الصورة البطولية للقاتل في جرائم الشرف تحديداً، فقبل أن تظهر السينما كانت هناك حكايات شعبية ومواويل وأمثال وموروثات تتحدث عن غسل العار. وقبل الشاشة كان هناك مجتمع يضع شرف الأسرة في جسد المرأة، ويمنح الأب أو الزوج أو الأخ السلطة في إنهاء حياة المرأة باسم الكرامة وحفظ ماء الوجه للعائلة. إذن المجتمع هو المؤلف الأول لهذه الشخصية، والسينما جاءت لاحقاً لتعيد رسمها، فأحياناً تنتقدها، وأخرى تكررها، وقد تقع في المنطقة الخطرة بين الاثنتين.

نجحت الأعمال الفنية التي تناولت جرائم الشرف في إحداث أثر لا يستهان به، لكن ربما على الجميع التوقف لفهم لماذا قد يخرج المشاهد من السينما وهو يعتقد أن القاتل بطل؟ هنا تأتي مسؤولية المجتمع لا الشاشة، وتناولها للقصة فقط، فهناك ثقافة وتوجهات علمت الغالبية العظمى أن الرجل يستطيع أن يستعيد كرامته بجثة امرأة، بسبب استخدامها جسدها بطريقة لا تروق المجتمع أو الأسرة.

وتلك الموروثات أيضاً أعطت كلمة الشرف القدرة على تحويل قاتل إلى بطل وضحية إلى متهمة؟ وجعلت المرأة مطالبة بالدفاع عن شرفها حتى بعد أن تُقتل. وعلى رغم صعوبة وحساسية العلاقة بين السينما وجرائم الشرف ربما آن الأوان لترتيب رواية الحكاية، وإذا كان الواقع يكتب جرائمه، فالفن قادر على أن يختار الرواية التي ستبقى.

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس