سيرياستيبس
في الوقت الحالي، يتربع الهاتف المحمول على قائمة مكونات التصنيف، وهو التربع الذي تغذيه المؤسسات والشركات والبنوك. بدءاً بالأسعار الباهظة المعروفة للجميع، مروراً بدلالات العلامات التجارية والإمكانات التقنية، وانتهاء بصناعة وفن ربط منتج ما بمهنة أو مكانة أو شخصية أو أسلوب حياة بعينه، يفرض الهاتف المحمول نفسه على الملايين كمحدد طبقي ومصنف اجتماعي ومقيم استراتيجي للتعامل بين الناس، أو قطاع كبير منهم، وبعضهم. غالب الظن أن اختيار كارل ماركس كان سيقع على هاتف محمول "فريدوم 251" الهندي، ليحمله ومعه الملايين من أوساط الاشتراكيين الراديكاليين في العالم ونقابات وكيانات أصحاب الياقات الزرقاء بحثاً عن نموذج ملكية شخصية متحرر من عبودية الإنسان للسلعة، ونأياً بالعمال وشبهة استغلالهم بعيداً من المحمول المعقد ذي الإمكانات بالغة الحداثة والمواصفات الأقرب إلى الخيال. موبايل ماركس بسعره الذي لا يتعدى أربعة دولارات، الذي حقق فشلاً ذريعاً بدءاً بالتقنية مروراً بالتسويق وانتهاء بالتصنيع، أبعد ما يكون عن الموبايل الذي كان مقدراً لآدم سميث أن يحمله لو كان معنا. سيكون على الأرجح "فالكون سوبرنوفا آيفون بينك دايموند" (48 مليون دولار) أو حتى "دايموند كريبتو سمارت فون" (1.3 مليون دولار) لو كان يمر بضائقة مالية. ولم لا، وهو "أبو الرأسمالية" القائل إن الاستهلاك هو الغاية والهدف الوحيدان للإنتاج، وإن مصالح العمال والمنتجين لا ينبغي أن تؤخذ في الحسبان إلا إذا كانت ستفيد المستهلك القادر على شرائها. الهاتف المحمول أصبح الواجهة الأبرز والأسرع والأكثر قدرة على وضع حامليه أعلى الهرم الطبقي أو في درجاته الدنيا أو تركه يتوه في دهاليز المنتصف، محاولاً الصعود إلى أعلى تارة عبر الاقتراض أو الاستدانة أو اللجوء إلى سوق "المستعمل"، أو فاقداً القدرة على الارتقاء فيجد نفسه في "زواج كاثوليكي" غير قابل للانفصال مع آيفون ينتمي إلى الرعيل الأول مثل "4 أس" وقت كان التباهي بـ"سيري" سيد الموقف الرقمي، أو "سامسونغ بي 710" حين أطلت الكاميرتان على العالم من برج عاجي للمرة الأولى. طبقية الهاتف طبقية الهاتف المحمول سهلت على مدمني التعبير الطبقي صعود السلم الاجتماعي ولو شكلياً، ومهدت الطريق أمام الغارقين في التصنيف الطبقي لتحديد طريقة التعامل وأسلوب التفاعل لإنجاز قياساتهم وإتمام ترتيباتهم من دون الحاجة إلى اللجوء للبحث عن موديل سيارة "العميل" أو محل سكن "الزبون" أو ماركة القميص الذي يرتديه الـ"كلاينت". الطبقة الاجتماعية ليست مفهوماً أو اختراعاً جديداً، بل وجدت الطبقات منذ وجد الإنسان. المصطلح نفسه شاع استخدامه في أوائل القرن الـ19، ليحل محل "الرتبة" أو "الترتيب" في وصف التجمعات البشرية بصورة هرمية، لكنه دخل المعجم الإنجليزي والفلسفة السياسية والاجتماعية في سبعينيات القرن الـ18 وأوائل القرن الـ19، وذلك ضمن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الثورة الصناعية. آثار الثورة الصناعية، ومعها التغيرات السياسية الكبرى، استمر توسعها وتمددها في المجتمعات الغربية التي بدأت ترى وتشعر بالهيكل الهرمي الآخذ في التشكل. وبدلاً من التقسيمات الطبقية في المجتمعات بحسب الفروق الإقطاعية، ظهرت التقسيمات بناءً على الجماعات الجديدة المتشكلة من الرأسماليين والصناعيين والتجاريين والطبقات العاملة في المصانع الجديدة، وتوسع منظومات الملكية الخاصة والأجور والتدرج فيها بحسب التعليم والمهارات والعلاقات وغيرها. وعلى رغم المثالية النظرية التي تحيط بأي حديث عن الطبقية والطبقات، إذ يعد الحديث الصريح عنها "تابو" اجتماعياً، وابتعاداً من بديهيات الصوابية السياسية والإنسانية، فإن كل الطبقات تجري عمليات الفرز الطبقي بصورة أو بأخرى.
عامل محطة الوقود الذي يدقق النظر في هاتف سائق السيارة ليعرف إن كان عليه أن يرتفع أو يهبط بسقف توقعاته الخاصة بـ"البقشيش"، والشاب الذي يمعن في هاتف الفتاة التي تعجبه قبل أن يبذل مجهوداً في التعرف إليها خوفاً من أن تكون ملابسها الراقية تمويهاً لطبقتها الاجتماعية المتدنية، ومسؤول الموارد البشرية الذي يطلب من المتقدم لشغل وظيفة أن يخرج هاتفه المحمول ليسجل عليه بعض المعلومات عن الشركة بينما الهدف الحقيقي هو ملء خانة "الطبقة الاجتماعية" في ملف المتقدمين، ومسؤولة القبول في المدرسة الدولية التي تكاد تمد يدها في جيب الأب لتصنيف حجم الثروة، وحقيبة الأم، فإن كان هاتفها أقدم أو أردأ، فهذا دليل على انعدام الندية وبرهان على تدني مكانة المرأة في بيت التلميذ المحتمل، والطبيب الذي ينظر إلى هاتف المريض أكثر من المريض نفسه ليتمكن من تحديد فئة المستشفى التي سيجري إجراء الجراحة فيها، ومن ثم معرفة أتعابه المتوقعة إن كانت "اقتصادية" أم "استثمارية" أم "سياحية"، وغيرها الملايين من عمليات الرصد والتتبع تعني أن الهواتف المحمولة أصبحت وسيلة قياس طبقية، وأداة تصنيف اقتصادي واجتماعي تستخدم لشتى الأغراض. وإذا كان كثير من الحكومات يفرض ضرائب أعلى على السلع والمنتجات الفاخرة والفارهة، بينها الهواتف المحمولة الحديثة والمرتفعة الثمن، وهي صورة من صور التصنيف الطبقي والفرز الاجتماعي، لكن الحميد، حيث الهدف يكون تحقيق دخل أو إيراد من المواطنين الأثرياء لمصلحة الفقراء أو بناء مشروعات الدولة، والحد من أوجه عدم المساواة والفروق الكبيرة في الثروات، فإن الأفراد أيضاً يقومون بمهام شبيهة، لكن لأغراض شخصية بحتة. البحث في الطبقات الاجتماعية ظاهرة الفرز الطبقي عبر تصنيف الهاتف المحمول تسهم في إحكام حلقة الطبقية المغلقة، ودعم فكرة تقييم الإنسان بناءً على ما يملك، لا بناءً على ما يقدم للمجتمع أو يفيد به نفسه والآخرين. وفي سياق الهاتف المحمول، فإن تقييم حامله يجري بناءً على قيمة الهاتف السوقية، وعدد الأشخاص القادرين على شرائه. وكلما انخفض عددهم ارتقى السلم الطبقي، ومن ثم جرى تصنيفه والتعامل معه باعتباره من "علية القوم"، والعكس صحيح. المتخصص في علم الاجتماع في المعهد الدولي لعدم المساواة في كلية لندن للاقتصاد مايك سافادج أعاد إحياء البحث العلمي في الطبقات الاجتماعية المعاصرة، وما جد عليها من عوامل أعاد هيكلتها بصورة جذرية. في كتابه "الطبقة الاجتماعية في القرن الـ21" (2015)، أعاد ترتيب الطبقات، بناءً على مسح بريطاني، وحددها بسبع طبقات رئيسة. ابتعد سافادج عن المقاييس التقليدية مثل المهنة أو الدخل، واعتمد على ثلاثة أبعاد رئيسة (مستوحاة من عالم الاجتماع والمفكر الفرنسي بيير بورديو) وهي: رأس المال الاقتصادي متمثلاً في الدخل والأصول، ورأس المال الاجتماعي أي مكانة الشخص وعدد الأفراد الذين يعرفهم ومكاناتهم، ورأس المال الثقافي أي طبيعة هواياته واهتماماته. أما الطبقات السبع فهي النخبة، وهي الأكثر امتيازاً وتتمتع بأعلى مستويات رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وتمتلك حصة غير متناسبة من الثروة، والطبقة الوسطى الراسخة، وهي ثاني أغنى طبقة، وتتمتع بارتفاع مستوى رؤوس أموالها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولديها شبكات اجتماعية قوية، ثم تأتي الطبقة المتوسطة التقنية، وهي مجموعة فريدة ومزدهرة وتتمتع برأسمال اقتصادي مرتفع، لكن رأسمالها الاجتماعي والثقافي منخفضان، ويميل أعضاؤها عادة للعمل في مجالات العلوم والتكنولوجيا.
أما العمال الميسورون فهي طبقة شابة نشيطة، تتمتع بثورة متوسطة ورأسمال اجتماعي وثقافي مرتفع، وتحظى بتجارب استهلاكية وثقافية حديثة ومتنوعة. وتليها الطبقة العاملة التقليدية، وهي الفئة التي لا تحظى إلا بالقليل من رؤوس الأموال الثلاثة، لكنها غالباً تمتلك عقارات، ثم يليهم عمال الخدمات الناشؤون، وهي طبقة شابة حضرية ذات رأس مال اقتصادي منخفض، لكن رأسمالها الاجتماعي والثقافي مرتفع. وفي المرتبة السابعة، تأتي الطبقة الهشة، وهي الأكثر حرماناً، وتحتل أدنى درجات السلم الاجتماعي، وتفتقر إلى الأمن المالي، أو الاستقرار في العمل، إضافة إلى انخفاض الدخل، وانعدام رأسمال اجتماعي وثقافي تقريباً. هذه الطبقات تحمل هواتفها المحمولة معها أينما ذهبت، وأينما ذهبت يجري تقييمها بناءً على موديل وثمن وتقنيات وحداثة ما تحمله، بدءاً بالسماح لأحدهم بدخول ملهى أو شاطئ أو مطعم مخصص للفئات التي تسكن قمة الهرم أو منعه، مروراً بضبط طريقة الكلام وكم الاحترام ومقدار الاهتمام الذي يحظى به العميل، انتهاء بحب الاستطلاع الذي يهدف لمعرفة طبقة شخص ما لتحديد مصير العلاقة، يطرح الهاتف المحمول نفسه مقياساً سريعاً ومعياراً نافذاً للتقييم. بيانات الهاتف والفقر يكفي أن متخصصين في البنك الدولي يتحدثون عن "بيانات الهاتف المحمول" لقياس معدلات الفقر، وذلك بناءً على تحليل بيانات الهاتف المحمول، وهي عبارة عن بيانات وصفية دون ذكر أسماء أصحابها لضمان الخصوصية، يجري جمعها من المكالمات والرسائل النصية القصيرة والبيانات، لكن دون معلومات حول محتوى الكلمات، فقط تسجيل عدد مرات إجراء واستقبال المكالمات والرسائل واستخدامات معلومات الهاتف. وبناءً على هذه المعلومات والقياسات، يجري استشفاف المستوى الاقتصادي لصاحب الهاتف، مع الإشارة إلى أنه يمكن لنماذج التعلم الآلي استخدام هذه الطريقة لتقدير مستوى الثروة أو الفقر لدى المشتركين في أنظمة الهواتف المحمولة المختلفة، ومعرفة طبقاتهم وقدراتهم. قدرة قياس الفقر بناءً على معدل وطريقة وبيانات استخدام الهاتف المحمول، تعني بالضرورة قدرة مماثلة لقياس الغنى، لكنها تظل قدرة مقصورة على المؤسسات والهيئات والجهات الرسمية والأممية، وقيد شرعيتها بحسب القوانين. أما قوانين التعامل بين البشر، التي يميل كثير منها إلى الفرز الطبقي، ولو من باب العلم بالشيء، فهي تدفع البعض للخروج من طبقته شكلياً. في أزمنة مضت، كان الاعتماد الأكبر في التصنيف يكمن في مستوى التعليم ونوعه، والمهنة والدرجة، وطريقة الكلام، وكذلك نوع الملابس وطريقة ارتدائها. وكان البعض يشتري ملابس باهظة الثمن بالتقسيط، أو يقترض ثمنها، أو يشتري ملابس مستعملة شرط أن تكون "ماركة" بهدف تصنيفه في طبقة أعلى.
في الوقت الحالي، يتربع الهاتف المحمول على قائمة مكونات التصنيف، وهو التربع الذي تغذيه المؤسسات والشركات والبنوك. بدءاً بالأسعار الباهظة المعروفة للجميع، مروراً بدلالات العلامات التجارية والإمكانات التقنية، وانتهاء بصناعة وفن ربط منتج ما بمهنة أو مكانة أو شخصية أو أسلوب حياة بعينه، يفرض الهاتف المحمول نفسه على الملايين كمحدد طبقي ومصنف اجتماعي ومقيم استراتيجي للتعامل بين الناس، أو قطاع كبير منهم، وبعضهم. الطريف أن متخصصي الأمم ومنظري الدول من علماء الدين وأساتذة علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والفلسفة والمنطق كثيراً ما يروجون أفكاراً ومبادئ تتعلق بالمساواة والرضا والقناعة والستر ونبذ الأمور المادية لمصلحة الروحانية، باعتبارها بديلاً للثراء والرفاهية، بل يذهب بعضهم إلى درجة شيطنة الميول الاستهلاكية، وفي الوقت نفسه تجدهم أنفسهم يحملون أغلى الهواتف المحمولة، وأكثرها تقنية وإمكانات، وهو ما ينسف مبدأ الترشيد نسفاً، ويضرب مفهوم الرضا في مقتل، وينهي أسطورة صدقيتهم للأبد. من جهة أخرى بدأت تظهر في الأعوام الأخيرة صرعة في الاتجاه المعاكس، حيث أثرياء ومقتدرون و"علية قوم" قادرون على اقتناء أغلى وأحدث وأكثر الهواتف المحمولة تعقيداً، لكنهم يختارون ما يعرف بـ"التقليلية" أو "التبسيطية" أو "فن الحياة على الحد الأدنى"، ولو في ما يتعلق ببعض مظاهر الحياة. تجده يقود سيارة فارهة، ويسكن في بيت فاخر، ويجول العالم شرقاً وغرباً، لكن يرن جرس هاتفه المحمول رنة غريبة، فيخرج جهازاً أغرب من جيبه، بلا كاميرات أو بصمة وجه، أو مساعدي ذكاء اصطناعي يحدثونه ويدلونه على الطريق وينبهونه إلى تقصيره في صحته أو إفراطه في الأكل، فقط يتصل ويستقبل ويرسل رسائل نصية قصيرة.
اندبندنت عربية
|