الصناعة تبحث عن “شرارة”.. فهل تُشعلها القرارات؟
23/07/2025




سيرياستيبس 

عانت الصناعة السورية خلال السنوات الماضية من تراجع حاد في توفر مستلزمات الإنتاج، وسط تعقيدات كبيرة فرضها الحصار والعقوبات الاقتصادية، إلى جانب تدهور البنية التحتية وقطع العلاقات المصرفية مع الخارج.

دور محوري
وقبل عام 2011، كان القطاع الصناعي يشكّل ركيزة أساسية في الاقتصاد السوري، إذ بلغت مساهمته نحو 22 بالمئة من الناتج المحلي الصافي، بحسب تقرير نشرته وكالة “نورث برس” في عام 2022، ويشمل هذا الرقم الصناعات التحويلية والاستخراجية التي كانت تساهم بشكل فعّال في الصادرات وتشغيل اليد العاملة.
لكن مع بداية الأزمة وتوسع العقوبات الغربية، شهدت مساهمة القطاع الصناعي تراجعاً حاداً، فقد أشار تقرير صادر عن “مركز جسور للدراسات” إلى أن مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من نحو 25 بالمئة في عام 2010 إلى أقل من 8 بالمئة بحلول عام 2014، ويعكس هذا الانخفاض الحاد التأثير الكبير للدمار في البنية التحتية، وصعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج، وغياب البيئة التشريعية والتمويلية الداعمة.

تحديات متراكمة
ويبرز هذا التراجع حجم التحديات أمام القطاع الصناعي، مما يستدعي تبني سياسات فعالة لإعادة تنشيطه كجزء من خطة التعافي الاقتصادي.
وقد اضطر الصناعيون إلى البحث عن حلول بديلة، غالباً عبر وسطاء وسلاسل توريد معقدة، ما أدى إلى ارتفاع هائل في كلفة استيراد المواد الأولية مثل الحديد، النحاس، الألمنيوم، الكابلات، وحتى البرمجيات والأنظمة التقنية الضرورية لتشغيل خطوط الإنتاج الحديثة.
هذه الصعوبات لم تنحصر فقط في تأمين المواد الخام، بل شملت أيضاً النقل، التأمين، التمويل، وانعدام أي دعم لوجستي من المصارف المحلية، وبينما يترقب السوق حالياً نتائج القرار الأخير المتعلق برفع العقوبات، يبقى السؤال مطروحاً: هل يُمكن لهذا القرار أن يُنعش الصناعة السورية فعلاً؟ وهل ستتوفر مستلزمات الإنتاج بالسرعة والكلفة المناسبة؟

الوزارة خارج النقاش
في هذا الإطار، وجهت صحيفة الثورة بتاريخ 15 أيار 2025، استفسارات إلى وزارة الاقتصاد والصناعة عبر مكتبها الإعلامي حول توقعات الوزارة المرتبطة برفع العقوبات الاقتصادية، وانعكاسات ذلك على القطاع الصناعي السوري.
الأسئلة كانت واضحة، وتمحورت حول قضايا حيوية تمسّ مستقبل الإنتاج المحلي، تكاليف الاستيراد، وتوافر مستلزمات التصنيع، إلا أن الوزارة وحتى لحظة إعداد هذا التقرير لم تُبدِ أي تجاوب رغم أن هذا النوع من الاستفسارات يصبّ في صلب اهتمامات الصناعيين والمواطنين على حد سواء.
هذا التكتم الإعلامي غير المبرر يثير تساؤلات حول مدى انفتاح المؤسسة على الحوار والنقاش العام، خصوصاً في مرحلة حرجة تحتاج إلى أعلى درجات الشفافية والتواصل مع الرأي العام.
وفي ظل استمرار صمت وزارة الاقتصاد والصناعة، لجأت صحيفة الثورة إلى الاستماع لآراء الخبراء الاقتصاديين لتوضيح المشهد الصناعي المتوقع بعد رفع العقوبات، ومحاولة ملء الفراغ الإعلامي والتواصلي الناتج عن هذا الغياب.

مستلزمات الإنتاج غائبة


في هذا السياق، أوضح المدير التنفيذي لمنصة “اقتصادي”، يونس الكريم، أن التحسن المحتمل لن يكون فورياً، بل يتطلب وقتاً وتهيئة بيئة اقتصادية داعمة.
وبين الكريم، في تصريح خاص لـ”الثورة”، أن أهم ما يحتاجه الاقتصاد السوري اليوم غير متوفر، وهو المواد الأساسية لتشغيل المصانع وإطلاق عملية إعادة الإعمار، مثل الحديد الخام، الألمنيوم، النحاس، الكابلات، والأنظمة الالكترونية المتقدمة، وبيّن أن هذه المواد لن تدخل السوق بسهولة، حتى بعد رفع العقوبات، بسبب استمرار صعوبات تتعلق بالبنية التحتية المالية والتجارية، من غياب شراكات مصرفية خارجية، إلى غياب شركات تأمين محلية قادرة على تغطية العمليات التجارية الدولية.
وأضاف: إن كلفة الاستيراد ستبقى مرتفعة على المدى القريب، رغم التفاؤل الشعبي، فسياسات حبس السيولة لا تزال تحد من قدرة التجار على تمويل عمليات الاستيراد، والبنوك السورية غير قادرة على تقديم التسهيلات بسبب عزلها عن المنظومة المصرفية الإقليمية والدولية، إلى جانب ذلك، تبقى سوريا بعيدة عن شبكات النقل العالمية، ما يرفع كلفة الشحن الخارجي والداخلي على حد سواء، وأشار إلى أن تخفيض الكلف- إن حصل- لن يكون قبل مرور ستة أشهر إلى عام على بدء تطبيق رفع العقوبات بشكل عملي.

تصريف المخزون
وأكد الكريم أن الانخفاض الحاصل في أسعار عدد من السلع في الأسواق السورية لا يعكس تحسناً حقيقياً في المؤشرات الاقتصادية، بل هو نتيجة مباشرة لتصريف المخزون المتراكم لدى كبار التجار، إذ يسعون إلى التخلص من البضائع المخزنة تحضيراً لإحلال سلع جديدة، متوقعين أن تسهّل المرحلة المقبلة عمليات الاستيراد والتوريد.

وبيّن أن هذا التصريف يجري عادة عبر تخفيضات تصل إلى 30 بالمئة، وهي النسبة التي تمثل هامش الربح الصافي، وفي بعض الحالات، وصلت التخفيضات إلى 45 بالمئة، ما يدل على أن التجار يتخلّون حتى عن جزء من الضرائب المفروضة أو يتحملون خسائر محدودة لتسريع حركة البضائع، ورأى أن هذا الانخفاض ظرفي، ولن يستمر طويلاً ما لم يترافق مع تحسن حقيقي في الإنتاج والتوريد.

عودة المعامل تحتاج سنوات
وأوضح الكريم أن بعض السلع قد تستفيد سريعاً من رفع العقوبات، مثل المشتقات النفطية ومصادر الطاقة، كونها في صلب التوجه الدولي لتحسين الواقع المعيشي في سوريا، كما ستظهر آثار إيجابية على أسعار المواد الغذائية المخزّنة بكميات كبيرة، إضافة إلى بعض مواد البناء التي ستُستبدل بمنتجات أكثر طلباً ورفاهية في السوق.
ورغم ذلك، شدد على أن الانفتاح على الأسواق العربية والدولية سيحتاج وقتاً، فالشركات السورية في الخارج بنت علاقاتها التجارية على أساس أن السوق السورية ستظل مغلقة، وبالتالي فإن إعادة التوجيه نحو الداخل السوري يتطلب إعادة جدولة العقود وخطوط الإنتاج، ولفت إلى أن دولاً مثل تركيا والسعودية قد تسعى إلى تنشيط الطرق البرية عبر سوريا، ما يمكن أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي.
أما عودة المعامل بشكل فعلي، فأشار الكريم إلى أنها لن تحصل قبل مرور ثلاث إلى أربع سنوات على الأقل، رغم بعض المؤشرات على عودة النشاط الصناعي في المدن الصناعية الكبرى، مستفيدة من انخفاض كلفة اليد العاملة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المسار الاقتصادي في سوريا بحاجة إلى صبر، إذ لا يمكن توقع نتائج مباشرة أو فورية من أي تغيير سياسي أو قانوني، ما لم تُستكمل منظومة الإصلاحات والمؤسسات.

الثورة 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=202400

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc