النظام المروري في دمشق.. شوارع بلا خطوط مشاة وقوانين تُطبّق بانتقائيّة
14/01/2026



الازدحام المروري في دمشق … أسباب متعددة و حلول ممكنة - صحيفة الحرية
سيرياستيبس

لا تحتاج الطالبة الجامعيّة جود إلى ساعات الذروة في شوارع دمشق كي تشعر بالخطر، فعبور الطريق في أي وقت من اليوم بات مخاطرة بحدّ ذاتها، فشوارع المدينة بشكل عام تفتقر إلى ممرّات مشات، وإشارات مرورية مكتملة، ونظام سير منظم يراعي جميع مستخدمي الطريق، لا المركبات وحدها بل المشاة أيضا.

في معظم الدول يطبّق نظام السير على المشاة والمركبات، فعبور الطريق إذا كانت إشارة المشاة حمراء، يستوجب مخالفة، والعبور من خارج ممرّات المشاة يستوجب مخالفة أيضا، وفي أي حادث مروري يراعى التزام الجميع بقانون السير بما فيهم المشاة.

بحسب جولة ميدانية لشوارع رئيسية وفرعية في مناطق متفرقة من العاصمة، من البرامكة والمزة إلى الزاهرة وركن الدين، يظهر المشهد متشابهاً، تقاطعات في غالبها بلا إشارات ضوئية، وخطوط مشاة مطموسة أو غير موجودة، ولوحات إرشادية غائبة، ومشاة يعبرون الشارع بين السيارات فيتسببون بعرقلة مروريّة تضاف إلى عرقلة الازدحام، في حين يقف شرطي المرور عاجزا حائرا أمام هذا الوضع.

يقول أحد المشاة في منطقة البرامكة، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه لا يوجد مكان مخصص للعبور، نعبر من حيث نستطيع، ثم يُلام المشاة إذا حصل حادث، وكأن الطريق ملك للسيارات فقط.

ويضيف أنّ السيّارات لا تعطي فرصة لعبور المشاة، وبالتالي نضطر إلى العبور من بين السيارات، بعضها يتوقف، وبعضها الآخر يدخل في حالة سباق مع المشاة، من يعبر أوّلا.

فوضى سير

المشكلة لا تتوقف عند غياب النظام المروري، بل تتخطّى ذلك إلى تطبيق القوانين، إذ يرى سائقون ومشاة على حد سواء، أن قانون السير لا يطبّق بشكل كامل، ويكون انتقائيّا أحيانا، وغالباً ما يطبّق بعد وقوع المخالفة أو الحادث، لا كإجراء وقائي.

يقول سائق تكسي، التقاه موقع تلفزيون سوريا بالقرب من جسر فكتوريا، "نُحاسَب على الوقوف الخاطئ أو نسق ثاني، لكن لا أحد ينظم التقاطعات، ولا يوجد خطوط مشاة نلتزم بها، ولا إشارات تعمل، كيف تريد من السائق أن يلتزم بقانون غير موجود على الأرض؟

ويضيف، توقفت لشراء سندويشة من المطعم، فقال لي شرطي المرور إنّ التوقّف ممنوع، على الرغم من وجود عدد من السيّارات متوقّفة في ذات المكان، وعندما سألته عن هذه السيّارات قال إنّها أمنيّة، واستطرد، هل مازالت السيّارات الأمنيّة تحظى بامتيازات لا نحظى بها نحن غير الأمنيين؟

في المقابل، يرى مشاة أن غياب التنظيم يدفعهم تلقائياً إلى مخالفة القواعد، ليس استخفافاً بالقانون، بل اضطراراً، إذ لا يمكن انتظار إشارة غير موجودة، أو البحث عن خط مشاة لا يمتد لأكثر من بضعة أمتار.
حوادث يمكن تفاديها

بحسب إحصاءات غير رسمية، فإن نسبة غير قليلة من حوادث المرور في دمشق تقع في أماكن يفترض أن تكون ممرات آمنة للمشاة، أو عند تقاطعات غير منظّمة.

يقول المسعف محمد الحسن، العامل في أحد مشافي دمشق، لموقع تلفزيون سوريا إنّ كثيراً من الحوادث المروريّة التي تصلنا كان يمكن تفاديها لو وُجد خط مشاة واضح أو إشارة تعمل، فالسائق لا يعرف أين يتوقف، والمشاة لا يعرفون أين يعبرون.

ويضيف أنّ هذه الحوادث لا تخلّف أضراراً جسدية فقط، بل أعباء اجتماعية واقتصادية إضافية على عائلات الضحايا، في ظل واقع معيشي هش، وقطاع صحي يعاني أصلاً من نقص في الموارد.
ثقافة غائبة وفوضى تتزايد

إلى جانب ضعف البنية التحتية، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، هو ضعف الثقافة المرورية، فسنوات من غياب الردع الحقيقي، ومن التعامل الانتقائي مع المخالفات، عزّزت سلوكيات خاطئة لدى السائقين والمشاة معاً، وأحدثت مجموعة من التناقضات بين القانون المكتوب والممارسة اليومية.

يقول مدرّب القيادة، معتز ادريس، لموقع تلفزيون سوريا إنّ المتدرّب يتعلّم قانون السير نظرياً، لكنه عندما ينزل إلى الشارع يكتشف أن الواقع مختلف تماماً، فيتكيّف مع الفوضى وينسى كل ما تعلّمه

ويضيف أنّ المشكلة في دمشق لا تنحصر بنقص الإشارات أو غياب الدهانات المرورية، بل يضاف إلى ذلك غياب رؤية متكاملة لإدارة السير في مدينة تعرّضت بنيتها التحتية لتدمير كبير، من دون أن يقابل ذلك تحديث حقيقي في التخطيط المروري، لافتا إلى أنّ دمشق شهدت ما بعد التحرير ازدياداً ملحوظاً في عدد المركبات الخاصة، وباتت شوارعها تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، في حين بقي تنظيم السير على حاله تقريباً، وهذا ما تسبب بازدياد الفوضى المروريّة

المشاة الحلقة الأضعف

في هذا الواقع، يبقى المشاة الطرف الأضعف، فالقانون، حتى حين يُذكر، يكون غالباً لتبرير المخالفة بعد وقوعها، لا لحماية الأضعف في الطريق، فالمشاة يحتاجون إلى وقت طويل او مخاطرة حتّى يتمكّنوا من عبور طريق رئيسي.

أمّ خالد، سيدة مسنّة من سكان ركن الدين، تقول لموقع تلفزيون سوريا "أحتاج إلى وقت طويل لأعبر الشارع، أنتظر أن يتوقف السائقون، ولا أحد يتوقف، وإن تجرأت على العبور يصرخون بوجهي، أو يحاولون الإسراع حتّى يمرّوا قبل عبوري.

أما طلاب المدارس والجامعات، فيضطرون لعبور شوارع رئيسية مزدحمة، من دون أي وسائل حماية، ما يجعلهم عرضة للخطر بشكل دائم، خصوصاً في ساعات الصباح، وهذا ما يتسبّب بحوادث لا سيما في المناطق المزدحمة مثل البرامكة.
قانون على الورق

ينص قانون السير بأنّ أولوية العبور للمشاة في الأماكن المخصّصة لذلك، وعلى السائقين الاتزام بإشارات المرور واللوحات التنظيمية، إلا أن هذا القانون يصطدم بصعوبة التطبيق نظرا للوضع الميداني في الشوارع والطرقات.

يقول أحد عناصر شرطة المرور في دمشق، لموقع تلفزيون سوريا، نحن نعمل ضمن الإمكانيات المتاحة، لكن المشكلة ليست فقط بالمخالفات، بل بالبنية التحتية، لا يمكنك ضبط عبور مشاة إذا لم تكن هناك خطوط مشاة واضحة، ويصعب علينا تنظيم تقاطع بلا إشارة.

ويضيف أن النقص في الإشارات والدهانات المرورية يجعل من عمل الشرطة صعبا، ويحمّل الشرطي عبئا إضافيّاً، فضلا عن أنّه يتحوّل إلى ردّ فعل أكثر منه تنظيماً استباقياً، حيث يتم التدخل غالباً بعد وقوع الحوادث أو الازدحامات.

كل العوامل السابقة تسببت بحدوث فجوة بين النص القانوني والواقع الميداني، فالقانون موجود، لكن أدوات تطبيقه غائبة أو معطّلة، والمواطن، سواء كان سائقاً أو مشاة، يجد نفسه مضطراً للتكيّف مع فوضى لا يملك تغييرها.

وإلى أن يُنظر إلى المشاة بوصفهم جزءاً أساسياً من الطريق، لا عائقاً أمام المركبات، يبقى السؤال المطروح، هل ستبقى شوارع دمشق بلا خطوط واضحة، وبقوانين تُطبّق بانتقائية، وتترك السلامة العامة رهينة الحظ؟

تلفزيون سوريا



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=204234

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc