الصين تضاعف استثماراتها في الدول النامية مع غياب أميركا والغرب
21/01/2026
سيرياستيبس
مع مسار الحمائية التجارية والتوجه الانعزالي الذي تنتهجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وغياب الدعم الخارجي والاستثمارات الأوروبية والغربية عن الدول النامية والفقيرة، تضاعف الصين ضخ أموالها في تلك الدول عبر مشروعات ضخمة ضمن "مبادرة الحزام والطريق" التي طرحها الرئيس الصيني تشي جينبينغ منذ توليه السلطة عام 2012.
وبحسب دراسة مشتركة لجامعة غريفيث بأستراليا ومركز التمويل والتنمية الخضراء في شنغهاي، زاد تمويل الصين لبرامج ومشروعات في دول "الحزام والطريق" عام 2025 بأكثر من 75 في المئة.
بلغت استثمارات الصين في تلك الدول ما يصل إلى 213.5 مليار دولار، فيما أرجعته الدراسة إلى "الاستفادة من تراجع نفوذ الولايات المتحدة حول العالم".
وكان القدر الأكبر من الاستثمارات وصفقات البنية التحتية في مشروعات عملاقة للغاز والطاقة المتجددة، ووقعت الصين العام الماضي 350 صفقة مقابل 293 صفقة عام 2024 بقيمة 122.6 مليار دولار.
على مدى أكثر من عقد من الزمن منذ إطلاق "مبادرة الحزام والطريق"، تعمل الصين على تعميق علاقاتها التجارية ونفوذها الاقتصادي في الدول النامية، وأصبحت المبادرة تضم الآن 150 دولة في قارات العالم المختلفة شركاء للصين.
وتوقعت الدراسة أن تواصل الصين ضخ مزيد من الاستثمارات في عشرات الدول النامية والصاعدة حول العالم وسط الخلاف مع أميركا في شأن التجارة والتكنولوجيا، بخاصة مع الاضطراب في سلاسل التوريد والإمداد الناجم عن سياسات إدارة ترمب.
زيادة الثقة في الصين
لا تقتصر الاستثمارات الصينية في عشرات الدول الشركاء في "مبادرة الحزام والطريق" على مشروعات الطاقة، بل تمتد إلى مشروعات التعدين والتكنولوجيا، يقول مؤلف الدراسة كريستوف نيدوبيل وانغ من جامعة غريفيث إن "الاضطراب الذي يشهده الاستثمار والتجارة العالمية سيؤدي إلى مزيد من الاستثمارات الصينية (في الخارج) لدعم صمود سلاسل الإمداد وفتح أسواق تصدير بديلة للشركات الصينية".
تضمنت المشروعات الكبرى التي مولتها الصين في 2025 بمليارات عدة من الدولارات مشروع تطوير الغاز في الكونغو من قبل شركة "سذرنبيك"، وقادت شركة الهندسة الكيماوية الوطنية الصينية مشروع المنطقة الصناعية لثورة الغاز "أوغيديغيبن" في نيجيريا، إضافة إلى مصنع للبتروكيماويات في شمال كاليمانتان بإندونيسيا، وتنفذه شركتان صينيتان هما مجموعة "تونغكون" ومجموعة "جينفينغمينغ".
يعود التوسع الصيني في الاستثمار بمشروعات مليارية ضخمة إلى عاملين: زيادة حجم الشركات الصينية وحاجتها إلى مشروعات كبرى للنمو والتطور، وزيادة ثقة الدول الأخرى في الشركات والاستثمارات الصينية، بحسب تقرير لصحيفة "فايننشيال تايمز"، يشير الباحث في شؤون الطاقة والتمويل الصيني بالجامعة الأسترالية نيدوبيل وانغ إلى أن غالب الدول النامية أصبحت تثق أكثر في الصين ومستعدة لصفقات معها على مشروعات كبرى.
يضيف الباحث أن "هذه المشروعات العملاقة لم نشهدها من قبل، فقبل 12 عاماً كانت هذه الشركات (الصينية) صغيرة جداً، والآن مع زيادة حجمها أصبحت مستعدة للدخول في مشروعات كبرى، كذلك فإن زيادة الثقة من قبل من يخططون للبنية التحتية ومسؤولي السياسات تزداد أيضاً".
واضح أن الأمر لم يعد يقتصر على تفضيل الدول النامية للاستثمار الصيني لأنه لا يرتبط بأي شروط سياسية أو غيرها، كذلك دأب المحللون الغربيون على القول في تعليقاتهم على زيادة إقراض الصين لدول العالم، بل إن الصين رسخت ثقة في قدرتها على إنجاز المشروعات الكبرى التي تمولها في الدول الشريكة، وأيضاً من دون حجب التكنولوجيا والمعرفة.
الطاقة والتعدين
مع إلغاء إدارة الرئيس ترمب غالبية برامج المساعدات الخارجية، وتقليص الدول الأوروبية والغربية عموماً مخصصات التنمية الخارجية في موازناتها، بدأت الصين تملأ ذلك الفراغ في العالم، علاوة على أن تشديد قيود الائتمان وعدم قدرة كثير من الدول الفقيرة والنامية على الوصول إلى التمويل من الأسواق جعلها تلجأ إلى الاتفاقات مع بكين.
بمضاعفة التمويل والاستثمار الصيني في عشرات الدول العام الماضي، وصل حجم ما ضخته الصين من استثمارات وفي مشروعات في دول "مبادرة الحزام والطريق" على مدى نحو 12 عاماً إلى 1.4 تريليون دولار، وهكذا أصبحت الصين حالياً أكبر مقرض في العالم عبر اتفاقات ثنائية مع شركائها.
بلغ حجم الاستثمار الصيني العام الماضي في مشروعات لها علاقة بقطاع الطاقة نحو 93.3 مليار دولار، وهو ما يصل إلى ضعف الاستثمار المماثل العام السابق 2024، والأعلى سنوياً منذ إطلاق "مبادرة الحزام والطريق"، ومن بين ذلك الاستثمار هناك نحو 18 مليار دولار في مجالات الرياح والطاقة الشمسية ومشروعات تحويل المخلفات إلى طاقة، ويعزز ذلك ريادة الصين عالمياً في مشروعات الطاقة المتجددة.
زادت بكين كذلك استثماراتها في مشروعات التعدين والمعادن العام الماضي إلى نحو 32.6 مليار دولار، وقدر كبير منها على مشروعات تكرير وتنقية المعادن في الخارج.
يشير ذلك إلى مدى استخدام الصين "مبادرة الحزام والطريق" لتأمين وصولها إلى المعادن حول العالم، وشملت الاستثمارات الصينية زيادة كبيرة في مشروعات النحاس في النصف الثاني من العام في ظل الضغط على سوق المعدن الأحمر مع زيادة الطلب من مراكز البيانات الكبرى اللازمة للذكاء الاصطناعي.
تعمل الصين إذاً، من خلال "مبادرة الحزام والطريق" ومضاعفة ضخ الاستثمارات في الدول الشريكة في المبادرة، على تعديل سلاسل الإمداد والتوريد سواء للطاقة أو المواد الأولية وفي مقدمها المعادن.
يقول مدير برنامج الصين في مركز الأبحاث اليميني بواشنطن "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" كريغ سينغلتون إن الصين تعزز علاقاتها مع الدول التي بها موارد تمكن بكين من إخراج الولايات المتحدة بعيداً من سلاسل الإمداد والتوريد.
يضيف سينغلتون أن "ارتباطات الصين الخارجية تركز بصورة متزايدة على القطاعات الاستراتيجية التي تعزز الاعتماد على الذات وصمود سلاسل التوريد والإمداد ومرونتها، إضافة إلى التكامل التكنولوجي"، ويقول إن الصين تستفيد من الدروس، وآخرها التدخل الأميركي في فنزويلا "لتقليل فرص تعرضها لأخطار خارجية".
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=204287