النفط السوري المحرر .. الرهان الصعب على الزمن والوفرة المالية
26/01/2026




سيرياستيبس 

ناظم عيد 

تتحضر سوريا حالياً لطي حقبة مريرة من العوز في مجال النفط والطاقة، بامتداداته ورضوضه القاسية إلى عمق البنية الاقتصادية بكامل مكوناتها.
وإن كان ثمة اختلاف بين أرقام “التبشير” التي تضمنتها سرديات محللي الاقتصاد كما وسائل التواصل الاجتماعي، وبين الحقائق التي تنطوي عليها الوقائع الفنيّة على الأرض، فإن ثمة توافق أكيد على حجم الإنجاز الجديد المتمثّل بتحرير “منظومة” متكاملة من موارد حقول النفط والغاز تتخللها آلاف الآبار، وأن البلاد ستنفض عبء فاتورة استيراد سنوية زادت عن 1.2 مليار دولار.
تضارب أرقام ومعطيات
تتفاوت التقديرات الكمية بشكل واضح لما تحتضنه الجغرافيا العائدة إلى سيادة الدولة السورية من نفط وغاز، على قاعدة التفاوت بين الطاقات الإنتاجية “الإسمية” للحقول، وبين الطاقات الفعلية الراهنة. وهو تفاوت عائد إلى المسافة الزمنية الفاصلة بين التقديرات السابقة والاستطاعات الحالية، بكل ما اعتراها من عمليات استنزاف واستخراج عشوائي غير خاضع لأية معايير استثمار معروفة.
ففيما يخص الحقول المحررة في دير الزور، توضح آخر التقارير الصادرة عن وزارة النفط والثروة المعدنية سابقاً قبل سقوط النظام “وزارة الطاقة ” حالياً، أن إنتاج حقل العمر وصل إلى 80 ألف برميل يومياً خلال عقد التسعينيات، وتراجع إلى ما لا يتجاوز 20 ألف برميل يومياً. وحقل كونيكو “الطابية” الذي كان مخصصاً سابقاً لإنتاج الغاز الطبيعي بطاقة 13 مليون متر مكعب يومياً متوقف حالياً. أما حقل الجفرة فكان ينتج 2000 برميل يومياً، وتراجع إلى 1000 برميل، وهناك حقول التنك، وحقل التيم.
عاصمة الإنتاج
أما جُلّ الإنتاج النفطي السوري فيتركز في محافظة الحسكة، فحقول الرميلان هي من أبرز المواقع النفطية، وتضم 1322 بئراً نفطية، و25 بئر غاز في حقول السويدية المجاورة، وكان إنتاجها في السابق حوالى 90 ألف برميل يومياً، لكنه تقلص إلى 9 آلاف برميل يومياً فقط. فيما ينتج معمل غاز السويدية 13 ألف أسطوانة غاز يومياً، إضافة إلى 500 ألف متر مكعب من الغاز الذي يغذي محطات توليد الكهرباء. كذلك تحتوي الحسكة على حقول الجبسة، التي كان إنتاجها قبل الحرب حوالى 2500 برميل يومياً، وتراجع إلى 2000 برميل، إلى جانب توقف معمل الغاز فيها.
تراجع دراماتيكي
في ريف الرقة استعاد الجيش حقلي “صفيان” و”الثورة” النفطيين، وعقدة الرصافة (وهي مفترق طرق استراتيجي) قرب مدينة الطبقة” بريف الرقة.
عموماً، تعد المناطق التي كانت خاضعة لـ”قسد”، في سوريا، غنية بالنفط الذي كان يمثل عام 2010 نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ونصف صادراتها، وأكثر من 50% من إيرادات الدولة بالعملة الصعبة. وكانت البلاد تنتج 385 ألف برميل نفط يومياً. وكانت الخمس عشرة سنة الفائتة كافية لتراجع دراماتيكي للإنتاج الذي وصل عام 2023 إلى 40 ألف برميل يومياً فقط.
جردة حساب
أمام الاختلاط والتداخل في الأرقام والمعطيات، يبقى من الملحّ صياغة رؤية متأنية لخارطة الموارد النفطية السورية بارتساماتها الجديدة، وبلورة أرقام واقعية بشأن “الميزان النفطي السوري” بعيداً عن مظاهر الاحتفاء التي هي حق لكل سوري.
ويوضح الخبير الاقتصادي والباحث في الشأن النفطي سمير سعيفان في حديث لـ”المدن” أن الحقول التي كانت ملكيتها للشركة السورية للنفط سابقًا في محافظة الحسكة وهي “كراتشوك، والرميلان، السويدية، عودة، تشرين، كبيبة، الجبسة، وغولف سانت”، جرى تسليمها بعد عام 2011 من النظام إلى “الأكراد” حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومازالت حتى اليوم تحت سيطرتهم، وربما ستكون لاحقاً خاضعة لتفاهمات وتوافقات مع الدولة السورية بعيداً عن الخيارات العسكرية.
هذه الحقول، وفقاً للخبير سعيفان، لم تتعرض للدمار والنهب، وبقيت تُدار بذات الآلية التي كانت تدار بها قبل الحرب. لكن بطبيعة الحال، يحتاج الحقل بعد فترة إلى صيانة وقطع غيار للمعدات والآليات، وذلك لم يحصل، كما أن الآبار تجف وتتراجع إنتاجيتها وتمسي بحاجة إلى حفر آبار جديدة في ذات الحقول. مع الإشارة إلى أن “الأكراد” استعانوا بشركة أمريكية كما استعانوا بأربيل العراق، لذلك استمرت هذه الحقول بالعمل.
هذه الحقول كانت تنتج حوالي 170 ألف برميل، وتنتج حالياً أقل من 100 ألف برميل، كانت تحصل الحكومة السورية منها على 20 ألف برميل يومياً عبر “الوسيط قاطرجي”.
خارج الخدمة
أما بالنسبة للحقول “المحررة” الواقعة في دير الزور وهي “الجفرة، العمر، التيم، الورد… إلخ”، فيلفت سعيفان أن كل هذه الحقول تعود لشركات أجنبية وقعت عقود استثمار سابقاً، لكنها غادرت في العام 2012 بعد اندلاع الحرب في سوريا.. وكانت الآبار في هذه الحقول مغلقة بعد مغادرة الشركات.
لكن الفوضى التي حصلت آنذاك أتاحت لمن يشاء إعادة فتح الآبار واستخراج النفط و”تكريره” بأدوات بدائية مثل الحراقات التي تنتج نفطاً رديئًا.
ويؤكد سعيفان أنه لا يمكن استثمار الحقول من قبل الدولة ومؤسساتها بهذه الطرق البدائية، بالتالي لن تدخل في الإنتاج الفعلي على المدى المنظور، والأمر بحاجة إلى استقدام شركات استثمار متخصصة. والطبيعي هنا أن تُحسم مسألة التعاقدات السابقة مع الشركات التي كانت تستثمر الحقول وغادرت، أي هل ترغب هذه الشركات بالعودة أم سترسل صكوك تخلي عن العقود؟ هذا ما يجب حسمه أولاً، ومن ثم الانطلاق لمعاودة الاستثمار، وهذا بالتأكيد يحتاج لبعض الوقت، لتقييم الاحتياطي وإزالة التلوث الواسع الطيف من الأرض، وإعادة تأهيل شاملة للمعدات، وبالطبع سيكون ذلك مكلف جداً.
استقرار نسبي للغاز
بالنسبة للغاز يوضح الخبير الاقتصادي ـ النفطي، أن مناطق إنتاج الغاز تتركز في بادية تدمر بشكل رئيس، حيث تتموضع عدة حقول كبيرة بعضها كان مستثمراً من الشركة السورية للغاز، والآخر من قبل شركات أجنبية.
أما حقل ومعمل كونيكو “الطابية دير الزور”، فهو عبارة عن معمل لتجميع الغاز الموجود في الحقول بدلاً من حرقه في الآبار، المعمل ينقي الغاز المرافق ويعيد ضخه في الشبكة.
وكانت تنتج سوريا 25 مليون متراً مكعباً في 2011، منها حوالي 16 مليون متر مكعب تذهب لإنتاج الكهرباء والباقي القطاع الصناعي. حالياً جاءت الشركة القطرية بالشراكة مع شركة بتروفاك لتطوير حقول الغاز بحيث تنتج غاز يساعد في توليد الكهرباء.
في الوقت الراهن لدى سوريا إمكانية تقنية لإنتاج حوالي 6 آلاف ميغا واط، لكن التوليد الفعلي حوالي 2500 ميغا واط..إذا ازدادت كميات الغاز كما هو موعود يمكن أن يصل إنتاج الكهرباء إلى 6 آلاف ميغا، لكن هذا يحتاج إلى مايزيد عن 9 أشهر.
وهناك الغاز الأذربيجاني، والغاز الذي سيأتي من مصر عبر الأردن، وعندما تكتمل هذه المنظومة يمكن أن تكفي لتوليد كهرباء على مدى 15 ساعة على الأقل.
وفي المحصلة يبقى الرهان الصعب على الزمن والوفرة المالية.

المدن 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=204314

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc