فاتورة بـِ 800%… كهرباء سوريا تشعل غضب الشارع
27/01/2026




سيرياستيبس 
ناظم عيد

وقعت وزارة الطاقة السورية وأوقعت المواطن معها، في مأزق بات من العسير عليها الخروج منه. بقرار وُصف بأنه ارتجالي قضى برفع تعرفة استهلاك الكيلواط الساعي بنسبة وصلت إلى 800 في المئة دفعة واحدة.
وبدا واضحاً مع صدور أول فاتورة وفق التعرفة الجديدة، أن ثمة “معضلة” حقيقية ترخي بظلالها على أروقة القرار الحكومي كما الشارع. لا يمكن أن تستوي الأمور بدون مقاربة عقلانية لحلّها، على الرغم من صعوبة الحل لاعتبارين، الأول: يتعلق بهيبة المؤسسة الرسمية ومعها الدولة، فالتراجع عن القرار تهمة بحد ذاته تُرتّب علامات استفهام حول جدارة وكفاءة مكنة صنع القرار في وزارة كبرى.
والثاني: أن التعرفة الجديدة أُقرّت بناء على تقديرات وحسابات تخصّ شركات غير سورية وقعت عقوداً مع الحكومة السورية لإنتاج الكهرباء، ودفعت بدراسات جدوى اقتصادية ـ استثمارية اقتضت إقرار التعرفة “الصادمة” التي لم تكن ولا حتى في خيال السوريين، وهي انعكاس لتكاليف بناء محطات توليد ومنظومة توزيع مُضافة إلى الأرباح المطلوبة، بما أن المسألة مسألة استثمار مديد لا منحة ولا هبة لمرة واحدة أو لأجل قصير.
ويزيد من مأزق وزارة الطاقة تعقيداً، أن الدولة السورية غير قادرة ـ مالياً ـ في المدى المنظور على تولي مهمة النهوض بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء المُنهار كما غيره من القطاعات الأساسية.
*تخلّ عن خدمات الكهرباء
 

بالفعل، يشهد الشارع السوري ما يشبه الغليان هذه الأيام، مع الترجمة العملية لقرار رفع تعرفة استهلاك الكهرباء وصدور الفاتورة الأولى. وما زاد من صدمة المواطن السوري، أن صدور الفاتورة الأولى تزامن مع الفرحة الكبيرة بتحرير آبار النفط والغاز في منطقة “الجزيرة السورية”، والاستبشار ببحبوحة بعد اختناقات مزمنة على صعيد المشتقات النفطية والكهرباء.
وبدت واضحة حالة التخلّي أو الاستعداد للتخلّي عن خدمات الكهرباء، لدى العديد من المواطنين الذين التقتهم “المدن” في العاصمة دمشق، ممن أكدوا أنهم غير قادرين على دفع الفاتورة ولا بأس أن تأتي شركة الكهرباء وتسحب العداد “متوسط راتب الموظف مليون ليرة والمتقاعد 800 ألف ليرة”.
وبدعابة علّق لـِ “المدن” موظف في شركة المخابز على الموضوع بالقول: الحمد لله لم تعد شركتنا هدفاً للمواطن بعد رفعها أسعار الخبز، اليوم تولّت شركة الكهرباء العبء، وتحدث عن فاتورته البالغة حوالي 500 ألف ليرة سورية “عن شهرين” مؤكداً أنه حاول تقليص استهلاكه إلى أدنى حد ممكن “براد وشاشة تلفاز وإضاءة” لكن المبلغ كبير بالنسبة لصاحب أسرة راتبه 1000000 ليرة سورية.
*تقصير وإهمال موظف
هناك فواتير كانت قاهرة لبعض الأسر “4 و5 ملايين ليرة” على الرغم من أنها أسر لا تمتلك أدوات الترفيه المستهلكة للطاقة، وهنا لا بد أن نشير إلى ملاحظة هامة في هذا السياق، وهي أن الفواتير المبالغ فيها والناتجة عن أخطاء أو تقصير بشري، ليست جديدة على الكثير من المواطنين، إذ يشير أحد سكان توسع مشروع دمر بدمشق إلى فاتورة استهلاك صدرت باسمه قيمتها 20 مليون ليرة سورية “قبل فاتورة الزيادة” والسبب أن الموظف قارئ العدادات قصّر في عمله ولم يلحظ تأشيرات العداد لأشهر متتالية. بالتالي عندما جاء موظف آخر وقرأ رقم الاستهلاك، كان الرقم كبيراً ودخل المشترك في شريحة الاستهلاك القصوى “أعلى سعر للكيلواط”، وهذه المشكلة لن تحلّها إلا العدادات الذكية التي تحيّد العنصر البشري تماماً من العلاقة بين مؤسسة الكهرباء بشركاتها والمشتركين.
أمام كل ما يجري من جدل، لم تصدر وزارة الطاقة – الكهرباء لأي توضيح أو تبرير مقنع. فقط اكتفى مدير المؤسسة العامة لتوزيع ونقل الكهرباء المهندس خالد أبو دي عبر بيانٍ رسمي وزّعته المؤسسة، بـ”دعوة المواطنين لتشغيل الأجهزة الكهربائية عند الحاجة فقط، وترشيد استهلاك الكهرباء بالاعتماد على الإنارة الموفرة للطاقة، مع الاستفادة من الإضاءة الطبيعية خلال النهار، والحد من الاستجرار غير المشروع، لما ذلك من أثر مباشر في زيادة ساعات التغذية وتعزيز استقرار الشبكة”، وهي نصائح تلقفها الجميع على أنه لا عودة عن القرار على طريقة “اتغطى مليح”.
*هل من حلول وسط؟
 

الواضح تماماً أن وزارة الطاقة لا تملك خيار العودة عن القرار كلياً، بما أن ثمة شركات قد أبرمت عقوداً وربما شرعت بالتنفيذ، والواضح أيضاً أنه يستحيل على المواطن التكيف مع التعرفة الجديدة بسبب تراجع متوسط دخل الفرد في بلد تؤكد التقارير الرسمية أن نسبة الفقر فيه لامست عتبة الـ90%.
لذا تتجه الأنظار إلى الحلول الوسط كزيادة الرواتب مثلاً، لكن المشكلة هنا أن ليس كل مواطن موظفاً، أو الإبقاء على العقود مع الشركات الجديدة، لكن مع إرجاء تنفيذ العقود ريثما يُصار إلى تعافي الاقتصاد ومعه معيشة المواطن السوري.. واللجوء إلى الزيادة التدريجية للتعرفة “على مراحل”.
*5000ميغا بلا “استعانة بمستثمر”
كانت لافتة وجهة نظر أحد الباحثين في الشأن الطاقي، الذي يرى أن سوريا يمكن بإمكاناتها بالبنية الراهنة والمستجدات على صعيد تحرير آبار النفط والغاز، أن تنتج 5000 ميغا ولا حاجة ملحّة للاستعانة بشركات خارجية لإنعاش القطاع.
فالكاتب والباحث المتخصص في الشؤون الطاقة معد عيسى، يوضح أنه بعد عودة الغاز والنفط، أصبح لدى سوريا إمكانية لتشغيل مجموعات إضافية. فقد تمت إعادة مجموعتين في حلب إلى الخدمة “مجموعتين جدد” باستطاعة 400 ميغا. وهناك محطة الرستين في اللاذقية تحتوي على مجموعتين باستطاعة 400 ميغا، وفيها دارة مركبة، أي الاستطاعة تصل إلى 500 ميغا، فيكون المجموع 900 ميغا.
هذا إضافة إلى محطة الدير علي الكسوة بريف دمشق، المرحلتين الأولى والثانية، ومحطة جندر، ومحطة تشرين التي تحتوي على مجموعات كاملة تم تعميرها.
بالعموم يؤكد عيسى في حديثه لـ”المدن” أن المنظومة القائمة حالياً يمكن أن تعطي 5000 ميغا من المحطات القائمة وتعمل، والأخرى التي كانت متوقفة بسبب نقص الوقود. والرقم يعني مانسبته 60% من حاجة سوريا للكهرباء.
ويتوقع عيسى أن تكون نسبة تغطية الحاجة بالمعدات القائمة حالياً أكثر من 60% في ظل الترشيد الذي حصل، وتركيب منظومات طاقة شمسية وانتشارها على نطاق واسع في سوريا وتخلّي كثيرين عن استخدام كهرباء الشبكة.. فالـ 5000 ميغا يمكن أن تغطي 15 ساعة وصل في اليوم.
*والد الرئيس يطالب بالتروّي
في سياق الضخ المكثف الذي جرى حول موضوع الكهرباء، كان مميزاً منشور تم تداوله نُسب للدكتور حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، يوجّه عبره رسالة وُصفت بـِ “الهادئة والعميقة حول ملف الكهرباء في سوريا الجديدة”.
دعا فيه إلى التروي في قرار رفع أسعار الكهرباء، مؤكدًا أن الملف يجب أن يُدرَس بعناية تامة، لأن أغلبية العائلات السورية ذات الدخل المحدود لن تتحمل هذه الأعباء الجديدة.
وقال الدكتور الشرع: إنّ الكهرباء كانت لعقود طويلة حلمًا مؤجلًا للسوريين، إذ عاش الشعب سنوات طويلة في ظلّ التقنين والانقطاع المزمن، بينما كانت قلة قليلة فقط تنعم بخدمة مستقرة، وهذا ما ولّد شعورًا بالظلم الاجتماعي.
وأضاف: “المواطن لا يفهم المبررات الاقتصادية المعقدة، هو يريد الكهرباء تصل إلى بيته، يريد تشغيل أجهزته، وهذا حقه الطبيعي، وعلى الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها كاملة دون تبريرات”.
المدن اللبنانية



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=204328

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc