أوروبا تشرع في الانفصال عن الاقتصاد الأميركي
10/02/2026





سيرياستيبس 

في خطاب ألقته في المنتدى الاقتصادي العالمي الشهر الماضي، شددت أورسولا فون دير لاين، رئيسة الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، مراراً على حاجة التكتل أو الاتحاد إلى "الاستقلال".

وكان خطابها في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وهي منطقة ذات سيادة تابعة للدنمارك، أو ابتزاز بيعها، وفرض رسوم جمركية على عدة دول أوروبية تعارض خططه. وقد مثّل ذلك نقطة تحول لمنطقة لطالما فضلت الدبلوماسية الحذرة على المواجهة مع البيت الأبيض.

وعلى رغم أن تهديدات ترمب قد تلاشت، فإن الشعور السائد في أوروبا بضرورة تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة الأميركية في التجارة والطاقة والتكنولوجيا لا يزال قائماً. ومع ذلك، فإن تخفيف هذه الروابط سيكون بالغ الصعوبة وسيُكبّد أوروبا تكاليف باهظة.

في مذكرة بحثية حديثة، قال كبير الاقتصاديين في مجموعة "كابيتال إيكونوميكس"، نيل شيرينغ، "ستحاول تفكيك عدة قرون من الروابط الاجتماعية والتاريخية والمؤسسية والاقتصادية والمالية التي تتعمق باستمرار".

مع ذلك، لا يمكن لأوروبا أن تتهاون في مواجهة احتمال أن يستمر نهج واشنطن المتقلب، القائم على مبدأ "الفائز يأخذ كل شيء"، تجاه حلفائها حتى بعد انتهاء ولاية ترمب، وأن اعتمادها على الولايات المتحدة قد يتحول إلى نقطة ضعف. قال شيرينغ، "أعتقد أن هناك نوعاً من انعدام الثقة الجوهري الآن، أو القلق في شأن ما قد يحدث بعد ترمب". لكن الدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة في اقتصاد أوروبا يجعل الانفصال التام أمراً غير واقعي، بل وربما كارثياً على المنطقة في وضعها الراهن.

أكبر سوق تصدير لسلع الاتحاد الأوروبي
يُعدّ تعزيز العلاقات التجارية مع الدول الأخرى وسيلة مهمة لتقليل اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، وبالفعل، وقع الاتحاد الأوروبي هذا العام، اتفاقيات تجارية مع الهند وأربع دول من أميركا الجنوبية، وهي كتلة تُعرف باسم "ميركوسور"، وذلك بعد عقود من المفاوضات.

قال الرئيس العالمي لأبحاث الاقتصاد الكلي في بنك "آي أن جي"، كارستن برزيسكي، إن هذه الصفقات تبدو خطوة نحو فك الارتباط مع واشنطن، لكن "لن تتمكن ميركوسور ولا الهند، في العقد المقبل، من تولي الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في التجارة الأوروبية".


بحسب مجلس الاتحاد الأوروبي، يتمتع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بأكبر علاقة تجارية واستثمارية ثنائية في العالم. وقد تجاوزت قيمة السلع والخدمات المتبادلة بينهما 1.68 تريليون يورو (2 تريليون دولار) في عام 2024، ما يمثل نحو 30 في المئة من الإجمالي العالمي.

وأكد المجلس، أن الولايات المتحدة هي أكبر سوق تصدير لسلع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك السيارات والمنتجات الصيدلانية، وتعد ألمانيا، أكبر اقتصاد في التكتل ومصدر رئيس للسيارات، الولايات المتحدة شريكها التجاري الأول.

ومع ذلك، يرى برزيسكي أن أوروبا بحاجة إلى الولايات المتحدة أكثر بكثير من حاجة واشنطن إليها، وأضاف "لطالما كانت أوروبا ذات توجه تصديري، فهي لا تملك موارد كافية"، بينما تتمتع الولايات المتحدة عموماً باقتصاد أكثر استقلالية وانعزالاً.

لا منافس حقيقياً للتكنولوجيا الأميركية
في الوقت ذاته، تفتقر أوروبا إلى شركات التكنولوجيا العملاقة المنتشرة في الولايات المتحدة، مما يجعلها تعتمد على الشركات الأميركية في خدماتها الرقمية. يقول شيرينغ من "كابيتال إيكونوميكس"، "الإنترنت في أوروبا هو في جوهره نظام أميركي، ولا يوجد في أوروبا منافس حقيقي له".

أما شركة "إي أس أم أل" الهولندية لصناعة الرقائق، وهي أعلى شركة تقنية في الاتحاد الأوروبي، فتبلغ قيمتها السوقية ما يقارب ثلاثة أضعاف قيمة شركة "تيسلا"، الأقل قيمة بين ما يُعرف بـ"السبعة الرائعين" في الولايات المتحدة، وهي مجموعة من عمالقة التكنولوجيا الذين كان لأدائهم دور محوري في صعود سوق الأسهم الأميركية خلال الفترة الماضية.

والأسبوع الماضي، صرح رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو، بأن المسؤولين الحكوميين سيتخلون عن تطبيق "زووم" وغيره من أدوات مؤتمرات الفيديو الأميركية، وسيبدأون باستخدام برامج فرنسية، وأوضح أن هذا القرار يهدف جزئياً إلى تقليل "الاعتماد على جهات فاعلة غير أوروبية".

وقال برزيسكي من بنك "آي أن جي"، إن أوروبا ستحتاج إلى استثمار مبالغ طائلة للحاق بركب مزودي الخدمات الرقمية والبنية التحتية السحابية ومراكز البيانات الأميركيين. وأضاف "باختصار، تحتاج أوروبا إلى نسخة أوروبية من مجموعة الدول السبع الكبرى".

معضلة التخلي عن النفط والغاز الطبيعي الروسي
لا تزال أوروبا تتخلص من اعتمادها الطويل الأمد على تدفقات النفط والغاز الطبيعي الروسي، وهو اعتماد تحول إلى نقطة ضعف استراتيجية بعد الهجوم الروسي الشامل على أوكرانيا عام 2022.

وكثّف الاتحاد الأوروبي وارداته من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة لسد النقص الذي خلفته الإمدادات الروسية، مما قلل من احتمالية استغلال موسكو للطاقة لأغراض عسكرية. وكانت روسيا المورد الرئيس للاتحاد الأوروبي قبل الحرب، إذ كانت تُلبّي 40 في المئة من احتياجاته من الغاز.

لكن لجوء ترمب إلى استخدام التجارة الأميركية كسلاح، عبر فرض تعريفات جمركية لانتزاع تنازلات من الحلفاء، غير من حسابات الأخطار.

وسبق للرئيس الأميركي أن استخدم الطاقة كورقة ضغط في المفاوضات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وحصل على التزام من بروكسل خلال الصيف الماضي بشراء منتجات طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار.

ووفق بيانات شركة "وود ماكنزي"، تشكلت واردات الغاز الطبيعي المسال الأميركي ما أصدره الربع الرابع من العام الماضي، مرتفعة بنسبة ستة في المئة خلال عام 2021. وقال ماسيمو دي أودواردو، نائب رئيس قسم الغاز الطبيعي والغاز المسال في الشركة "من الواضح أن هذا الاعتماد ليس تكاملاً لاعتماد أوروبا الشرقية... لكن مع ذلك يعتمد بشكل كبير".

مع ذلك، يتوقع دي أودواردو أن ترتفع حصة الغاز الطبيعي المسال الأميركي في مزيج الطاقة الأوروبي خلال الأعوام القليلة المقبلة، مع انخفاض إنتاج الغاز المحلي في النرويج، أكبر مورد حاليًا للتكتل. وأضاف أن الاستخدام الأمثل للطاقة الأميركية يتطلب مشاركة شركات أميركية خاصة، فهذه الشركات مُلزمة بعقود توريد طويلة الأجل مع مشترين أوروبيين، ولديها مصالح قانونية ومالية تُلزمها بالوفاء بشروطها.

وعلى عكس الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب، يُمكن استبدال الغاز الطبيعي المسال بسهولة من مورد بآخر. وقال دي أودواردو، إن "تنويع مصادر الإمداد سياسة حكيمة بدلاً من الاعتماد على مورد واحد... وهذا ما ينبغي على كل حكومة عاقلة فعله".

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=204489

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc