التسعير بالدولار.. واقع يتأرجح بين القانون والضرورة
15/02/2026
سيرياستيبس
وسط التحدّيات الاقتصادية وتقلّبات سعر الصرف في سوريا، برزت ظاهرة تسعير السلع والخدمات بالدولار كحل يلجأ إليه التجار لمواجهة تذبذب الليرة.
لكنّ هذه الظاهرة أثارت جدلاً واسعاً بين مختلف شرائح المجتمع، فبينما يعتبرها البعض ضرورة اقتصادية لحماية التعاملات التجارية، يراها آخرون مخالفة للقانون وتهديداً مباشراً للقدرة الشرائية للمواطنين وخطراً على استقرار العملة الوطنية.
ويؤكّد تجار التقتهم صحيفة “الثورة السورية” أنّهم يواجهون صعوبة بالغة في تثبيت أسعار بضائعهم بالليرة، لا سيما المستوردة منها، موضّحين أنّ التسعير بالعملة المحليّة يعني “خسارة مستمرة” مع كلّ انخفاض جديد في سعر الصرف، ما يدفعهم إلى اعتماد الدولار كآلية أكثر استقراراً تحميهم من تقلبات السوق وتضمن استمرارية النشاط التجاري.
في المقابل، يشدّد معارضو هذه الظاهرة على أنّها تزيد الأعباء المعيشية، وتضعف الثقة بالعملة الوطنية، وتشجّع على “دولرة الاقتصاد”، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويجعل التخطيط المالي أكثر صعوبة.
مخالفة تستوجب المساءلة
أكّد مدير مديرية حماية المستهلك في الإدارة العامة للتجارة الداخلية، حسن الشوا، أنّ التسعير فقط بالدولار يُمنع منعاً باتاً، ويُعدّ مخالفة تستوجب المساءلة وفق الأنظمة والقوانين النافذة.
وقال الشوا لصحيفة “الثورة السورية“: في ظلّ اعتماد التسعير بالليرة السورية بنسختيها الجديدة والقديمة، لا يُمنع إظهار السعر بالدولار إلى جانبها، شريطة الالتزام بالإعلان عن الأسعار بالعملتين معاً.
وعليه، فإنّ التسعير بالدولار وحده دون إظهار السعر بالليرة يُعتبر إجراء مخالفاً، يستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقّ المخالفين.
شائع جداً
أكّد رئيس غرفة تجارة ريف دمشق، عبد الرحيم زيادة، أنّ التسعير بالدولار في سوريا يندرج ضمن واقع معقّد يتشكّل في ظلّ تحوّلات سياسية واقتصادية كبرى، ويسعى لاستيعاب التحدّيات القائمة نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً.
وأوضح زيادة لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ التغييرات السياسية والاقتصادية منذ أواخر 2024، التي شملت رفع معظم العقوبات الدولية، لا سيّما “قانون قيصر” الأميركي، وإصدار العملة الجديدة مطلع عام 2026، أعادت تشكيل الإطار القانوني للتعاملات التجارية.
وأشار إلى أنّ الوضع القانوني قبل عام 2025 كان يحظر بشكل صارم التعامل أو التسعير بعملات غير الليرة، وكانت تُفرض عقوبات شديدة تصل إلى السجن في بعض الحالات، كجزء من سياسات النظام المخلوع، في إشارة إلى المرسوم رقم 3 لعام 2020، الذي شدّد العقوبات على كل من يتعامل بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات أو التداول التجاري، سواء بالعملات الأجنبية أو المعادن الثمينة، ورفع العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة لمدّة لا تقلّ عن 7 سنوات، بعد أن كانت سابقاً الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات، إضافة إلى فرض غرامة مالية تعادل مثلي قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به أو السلع المعروضة.
لكن بعد التحرير، تغيّر المشهد بشكل ملحوظ، ففي آذار 2025 أصدر مصرف سوريا المركزي قراراً بوقف الملاحقة القضائية ضّد المتعاملين بغير الليرة السورية. هذا القرار فتح الباب رسمياً لتداول العملات الأجنبية، بما فيها الدولار، في التعاملات التجارية والبيع والشراء والتداولات اليومية، كجزء من سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد رفع العقوبات.
ونتيجة لهذه التطوّرات، أصبح التسعير بالدولار شائعاً جداً في الأسواق السورية، خصوصاً للسلع المستوردة والعقارات والسيارات والخدمات، ولم يعد يُعتبر مخالفة صريحة في معظم الحالات، باعتباره واقعاً اقتصادياً، وفق زيادة.
وفي هذا السياق، أوضح زيادة أنّ المصرف المركزي والحكومة يركّزان جهودهما على استعادة الثقة بالليرة الجديدة، ويشجعان على التسعير بالليرة لكبح التضخّم وتقليل “الدولرة” غير الرسمية. ومع ذلك، فإنّ هذه الجهود لا تتضمّن فرض حظر صارم كما كان سابقاً، وتعتمد على تشجيع العودة التدريجية للتسعير بالليرة لدعم الاستقرار.
القوة الإبرائية
شدّد رئيس غرفة تجارة ريف دمشق على أنّ التعامل بالدولار أصبح قانونياً حالياً في التعاملات الخاصة والتجارية داخل السوق، بعد إلغاء الملاحقات وتعديل السياسات. لكنّه أكد في الوقت ذاته أنّ الليرة السورية هي العملة الرسمية الوحيدة ذات القوّة الإبرائية الكاملة في المدفوعات الحكومية، والضرائب، والرسوم الرسمية.
وأشار إلى أنّه في حال نشوء نزاع قضائي، فإنّ الأحكام تُلزم أن يكون الدفع بالليرة السورية.
وحول ما إذا كان التسعير بالدولار من ضرورات الاقتصاد الحرّ، أكّد زيادة أنّ هذا الأمر يُعتبر في السياق السوري الحالي جزءاً من الانتقال نحو اقتصاد أكثر حرية بعد عقود من السيطرة المركزية والعقوبات. فالاقتصاد السوري يعاني من “دولرة” واسعة فعلية، حيث يفضل الناس الدولار للحفاظ على القيمة.
ويرى أن رفع الحظر على تداول الدولار يساعد في جذب الاستثمارات، وتسهيل التجارة، وإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.
ومع ذلك، أوضح أنّ الحكومة تحاول تدريجياً تقليل الاعتماد على الدولار من خلال دعم استقرار الليرة الجديدة، وتحسين سعر الصرف، وضخّ السيولة، لأنّ الدولرة الكاملة تضعف السياسة النقدية الوطنية.
تذبذب الليرة
أكّد عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، لؤي الأشقر، أهمية تسعير المنتجات بالليرة السورية، نافياً صدور قرار يسمح بالتسعير بالدولار بشكل مباشر.
وأوضح الأشقر لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ التذبذب في الأسعار هو ما دفع البعض إلى التسعير بالعملة الأجنبية، لكنّه شدّد على ضرورة الإعلان بوضوح عن سعر الصرف المعتمد يومياً في حال اللجوء إلى ذلك.
وأشار الأشقر إلى أنّ الغالبية العظمى من المحلات التجارية، والتي قد تصل نسبتها إلى 99 بالمئة، تسعر بالليرة السورية.
واعتبر أنّ التسعير بالعملة الوطنية يأتي “من باب حماية الاقتصاد الوطني”، نظراً لقدرته على التكيّف مع التغيرات اليومية في سعر الصرف. ففي حال حدوث تقلّبات في سعر الصرف خلال يومين أو ثلاثة، يصبح من السهل تعديل الأسعار بالليرة السورية بما يتناسب مع سعر الصرف الجديد.
وفيما يتعلق بإلزام التسعير بالليرة السورية، بيّن الأشقر أنّه يهدف إلى تثبيت التعامل بالعملة الوطنية، وهو إجراء طبيعي ومطلوب. ومع ذلك، أشار إلى أنّ هناك حالات خاصة قد تستدعي اعتماد التسعير المزدوج، أي الإعلان عن السعر بالليرة السورية والدولار معاً، لضمان الشفافية وتفادي أيّ تضليل للمستهلكين في ظلّ التقلّبات الاقتصادية.
وأكّد أن التسعير بالليرة هو الأصل، وأنّ اللجوء إلى الدولار يقتصر على حالات استثنائية تتطلّب وضوحاً تاماً في سعر الصرف المعتمد.
خطر جسيم
حذّر أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، بشدّة، من ظاهرة التسعير بالدولار في الأسواق المحلية، مؤكّداً أنّ هذه الممارسة تشكّل “خطراً جسيماً” على قيمة الليرة السورية، وتزيد من وتيرة التضخّم، وتؤثّر سلبياً على مجمل العمليات الاقتصادية والتجارية في البلاد.
وأوضح حبزة أنّ التحذيرات من مخاطر التسعير بالعملات الأجنبية ليست جديدة، مشدّداً على أنّ “التسعير بالدولار ممنوع قولاً واحداً، ويحاسب عليه القانون”، معتبراً أنّ حتى محطات الوقود التي تحدّد أسعاراً بالدولار تخالف القانون وتضرّ الليرة.
وأضاف حبزة لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ انتشار ظاهرة التسعير أو التعامل بالدولار في المحلات التجارية، سواء في عرض الأسعار أو تسلّم المدفوعات، يمسّ بشكل مباشر قيمة العملة الوطنية ويقوّض جهود استقرارها، مشدّداً على أنّ “التعامل التجاري يجب أن يكون بالليرة السورية حصراً”.
وأشار إلى أنّ الجولات الميدانية للجمعية في الأسواق مستمرة لتنبيه التجار وأصحاب المحال بعدم اللجوء إلى التسعير بالدولار، وتشجيعهم على الالتزام بالتسعير بالليرة السورية.
ورأى أنّ الآثار السلبية للتسعير بالدولار تتجلّى بوضوح في زيادة معدّلات التضخّم، وتدهور قيمة الليرة السورية، وإرباك عمليات التداول التجاري، ممّا ينعكس سلبياً على القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد صعوبة الحياة المعيشية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تسعى فيه الحكومة السورية لتعزيز استقرار الليرة السورية ومكافحة الممارسات الاقتصادية التي تضعف قيمتها، بينما تؤكّد جمعية حماية المستهلك ضرورة تكاتف الجهود بين الجهات المعنية كافة والمواطنين لحماية الاقتصاد الوطني والعملة المحلية من أيّ إجراءات قد تضرّ بها.
انعكاس لتراجع الثقة
رأى الخبير الاقتصادي فادي عياش، أنّ انتشار ظاهرة “الدولرة الجزئية أو المستترة” يعكس تراجع الثقة بالعملة المحليّة بشكل عام، موضّحاً أنّ هذه الظاهرة، في سياق الوضع الراهن، يمكن أن تُعزى أيضاً إلى نقص السيولة النقدية المتداولة بالعملة المحلية (الكاش).
ووصف عياش هذه الظاهرة بأنّها “حالة اقتصادية انتقالية أو غير رسمية”، يتمّ فيها استخدام عملة أجنبية قويّة، كالدولار في حالة سوريا، وسيطاً للتبادل ومخزّن للقيمة في المعاملات اليومية وعمليات الادخار، وذلك بالتوازي مع استمرار العملة المحلية كعملة قانونية رسمية.
وأكّد لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ انتشار هذه الظاهرة يُعدّ مؤشراً سلبياً على مستوى الاقتصاد الكليّ، يعكس ارتفاع معدلات التضخّم وتدهور الثقة بالعملة المحلية، كما يدلّ على ضعف فعالية أدوات السلطات النقدية في التدخّل والسيطرة على الوضع الاقتصادي.
وتُسلّط تحذيرات عياش الضوء على خطورة ظاهرة الدولرة الجزئية، وتؤكّد على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى انتشارها، مثل معالجة التضخّم، واستعادة الثقة بالعملة المحلية، وتعزيز فعالية السياسات النقدية.
ويبدو أنّ التسعير بالدولار بات ضرورة تعكس الواقع الاقتصادي القائم أكثر مما تكون حلاً مثالياً للأزمات، فيما يرتبط التخلّص التدريجي من هذه الظاهرة باستعادة الثقة بالعملة الوطنية من بين إجراءات اقتصادية أخرى.
صحيفة الثورة
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=128&id=204526