الباحث الاقتصادي سمير سعيفان في قراءة لفتوى الشيخ أسامة الرفاعي حول أراضي الاصلاح الزراعي
20/02/2026
سيرياستيبس
كتب الخبير الاقتصادي الدكتور سمير سعيفان
حول فتوى الشيخ أسامة الرفاعي حول أراضي الإصلاح الزراعي
بدأت بالانتشار المحدود، حتى الآن، أفكار الدعوة للعودة عن إجراءات الإصلاح الزراعي والتأميم التي قام بها عبد الناصر ثم تابعتها سلطة البعث، وقد سمعت هذه الآراء لأكثر من مرة، ولم أولِها تلك الأهمية، ولكن تدخل مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي، له معنى آخر بحكم أن وظيفة المفتي هي وظيفة رسمية من جهة، وبحكم ما يمثله رأيه بالنسبة لجمهور كبير من السوريين، لذا رأيت أن أناقش هذه الفتوى التي تثير زوبعة كبيرة من الآراء والجدالات.
فجوابًا على سؤال عن أراضي الإصلاح الزراعي، أفتى الشيخ أسامة الرفاعي (استمعوا الى السؤال والفتوى في الرابط أدناه)، بأن الإصلاح الزراعي هو إفساد للمجتمع الحقيقي، وهو بدعة قبيحة منكرة جاءت مع عبد الناصر وخلص الناس أراضيها ووزعها على الفلاحين ثم أكملها البعثيون، وأنه لا يجوز شراء هذه الأرض ولا دخولها ولا التعامل معها ولا التوسط في بيعها، بل ولا يجوز حتى الصلاة فيها، وأنه- الشيخ الرفاعي- كان يحذر من هذا الموضوع من سنين طويله.
الاستنتاج من هذه الفتوى هي أن من انتفعوا بأرض الإصلاح الزراعي قد ارتكبوا معاص كثيرة هم وأبنائهم وأحفادهم طيلة 60 عام، وأن صلواتهم في بيوتهم التي أقاموها على تلك الأرض أو صلواتهم أثناء قيامهم بخدمتها هي صلوات باطلة، مما يعني أنهم عصوا أوامر الله طيلة عقود عدة.
رغم أن الشيخ أسامة لم يقل صراحة، "أن على الفلاحين المنتفعين من الإصلاح الزراعي وورثتهم، ومن اشترى أي من هذه الأراضي من قبل، أن يكفروا عن ذنوبهم تلك ويعيدوا تلك الأراضي الى "أصحابها الأصليين ولورثتهم، بل ترك الأمر غامضًا ليستنتجه القارئ، ولعله يعلم أن هذا سيفتح عليه "جرة باندورا"، وغضب ملايين السوريين المنتفعين بالإصلاح الزراعي وورثتهم.
يستشهد الشيخ أسامة بالحديث "الصحيح" "لا يحل لأمرئ أن يأخذ من مال أخيه إلا عن طيب نفس، أما بالغصب فهذا مال حرام"، معتبرًا أن الإصلاح الزراعي هو اغتصاب للأراضي من مالكيها الأصليين، وكل من استخدمها وانتفع بها فهو آثم، ولكن الشيخ الرفاعي لم يقل لنا : هل اشترى أولئك المالكين الكبار كل تلك الأراضي بمال اكتسبوه بعرق جباههم، أم هم كانوا قد امتلكوا كل تلك الأراضي بشتى الطرق التي تنقصها الشرعية إن لم نقل اغتصبوا، ونعرف من هذا الكثير، ويمكن مراجعة كتاب جمال باروت عن الجزيرة السورية مثلًا حيث أخبرنا عن حالات كثيرة كيف امتلك كبار الملاكين أراضيهم عبر شتى أشكال التلاعب، ومثله فعل ابن دير عطية عبدالله حنا في أكثر من كتاب له عن الفلاحين في سورية وعن العلاقات الزراعية. وإن التفاوت الكبير في الثروات والدخول يشير بالتعريف إلى "اللاعدالة"، وثمة كتابات ونظريات وتحليلات تبلغ أطنان من الكتب حول عدالة توزيع الدخول وحول الاستغلال، وحول شرعية اكتساب المال باستخدام المال "مال ينتج مال وليس عمل ينتج مال"، وثمة أكثر من قول بليغ في تاريخ العرب، كالقول المنسوب الى الإمام علي "ما اغتنى غني إلا بفقر فقير" ولعل هذه العبارة هي تعبير مبكر عن مقولة ماركس عن "فضل القيمة" او "القيمة الزائدة" التي يحصل عليها "يقتطعها" رب العمل من أجور العاملين. وحتى لو أنكر الباحثون صحة القول "ما جمع مال من حلال قط" المنسوب للإمام علي، فإن كلا القولين لهما ذات المضمون، أو القول المنسوب لأبي ذر الغفاري وينسب للأمام علي أيضا، "عجبتُ لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه".
بحسب رأي الشيخ الرفاعي "أن أصحاب الأراضي ما انضروا واللي أخدوها ما استفادوا منها وكثير منها الآن بور لم ينتفع بها" ولعله يقصد من وراء هذه المغالطة تسهيل اتخاذ قرار إعادة تلك الأراضي لمالكيها طالما ان أحدًا ما استفاد ولا انضر أحد، ولكن بلاغة الواقع غير ذلك، فقد تحسنت دخول الفلاحين بشكل كبير وتغيرت حياتهم كثيرًا، خاصة مع توسع الدولة حينها في إقامة المدارس والمستوصفات والمشافي وإيصال الكهرباء وشق الطرقات في عمق الريف، إضافة لدعم الزراعة مما وسع الاستهلاك المتمركز قبل ذلك في المدينة، وأسهم في تنمية الريف وتوسيع السوق الداخلية، وخلق حراك اجتماعي عبر ارتقاء الكثير من أبناء الريف في سلم التعليم الجامعي. أما أصحاب الأراضي ومن طالتهم مصادرة ملكياتهم الكبيرة فقد تدهورت أحوالهم الاقتصادية وفقدوا مكانتهم الاجتماعية وقد هاجز الجزء الأكبر من بينهم الى خارج سورية. وقد كان في هذا ضرر لسورية أيضًا.
يعتبر الشيخ أسامة أن الإصلاح الزراعي سياسة اشتراكية، بينما يبين التاريخ أن أنظمة رأسمالية قد قامت بالإصلاح الزراعي في عصور سابقة بروز الحركات الاشتراكية، فقد فرضت مصالح الثورة الصناعية القيام بالإصلاح الزراعي، فطبق في فرنسا بعد الثورة الفرنسية 1779، وطبقت الدانمارك الإصلاح الزراعي على مراحل بين 1786-1813. وعقب الثورات التي اجتاحت أوروبا سنة 1848 طبق الإصلاح الزراعي في كل من ألمانية وإيطالية وإسبانية، وطبق في روسيا سنة 1861 وطبق في المكسيك على مراحل بين 1915 و 1945، وتأخر تطبيقه في اليابان حتى سنة 1946، وإيطالية حتى سنة 1950 والتشيلي حتى سنة 1965، وكوستاريكا حتى 1961 وغيرها. وقد اتخذ تطبيقه أشكالًا مختلفة، وفي جميع هذه الإصلاحات تم نزع الملكيات الكبيرة من أيدي مالكيها ووزعت على الفلاحين بتنظيمات مختلفة، وأحيانًا بتعويض وأحيانًا بدون تعويض. وجميع هذه البلدان لم تنهج نهجًا اشتراكيًا، أما في عالمنا العربي فقد طبق في مصر 1952، وسورية 1958، والعراق 1958، والجزائر 1962، واليمن الجنوبي 1968، وإثيوبية 1974وغيرها.
يبدو أنه قد فات الشيخ أسامة بهذه الفتوى تعقيدات الواقع، فأراضي الإصلاح الزراعي التي صاردتها الدولة من أصحاب الملكيات الكبيرة، وتم توزيع الجزء الأكبر منها على الفلاحين بمساحات صغيرة، بينما أبقت الدولة جزء آخر في يدها كملكية دولة، أن هذه الأراضي لم تملَّك للفلاحين، بل منح الفلاحون حق انتفاع فقط، ومازال الوضع على هذه الحالة. ثم مع مرور ثلاثة أجيال على هذا الحدث وأن الأراضي تم تقاسمها بين الورثة الكثر، وأن جزء كبير من هذه الأراضي تم التنازل عنها فيما بينهم، أو تم بيعها وتسجيل التنازل عنها للغير لدى دوائر الدولة. ثم إن الكثير من هذه الأراضي تم البناء عليها من قبل الفلاحين، وبعضهم حفر بها آبار مياه وبعضهم أنشأ مزرعة، فهل سنقول لهؤلاء كل ما فعلتموه حرام وأموالكم التي اشتريتهم بها حيازة الأرض لا تجعل لكم أي حق فيها وعليكم أن تنسوا ما خسرتم من أموال، وهلموا جميعًا وأعيدوا الأراضي لبيت العظم أو البرازي او الكيخيا أو الأتاسي او اليوسف او لشيوخ الجزيرة. وغيرهم بعد أن مضى ستة عقود على حيازتكم للأرض؟
هذا الأمر قريب من أمر آخر وهو تأميم الشركات الصناعية والتجارية والبنوك، والبعض بدأ بطرح ذات الموضوع: أعيدوها لمالكيها الأصليين، وهنا يتكرر الأمر، فالدولة قد بنت مبان جديدة في المصنع او أضافة خطوط إنتاج جديدة، وانفقت الدولة مليارات ومليارات من أموال السوريين لتوسيع نشاط تلك الشركات، والآن ينبري البعض ويرى ضرورة إعادتها لهم، ورغم تعقيد مسألة إعادة المصانع المؤممة لأصحابها، فإنها لا تثير ذات الضجيج الذي سيثيره المطالبة بإعادة الأرض "لمالكيها " السابقين لأن إعادة الشركات يمس عدد صغير من العائلات السورية الغنية، بينما إعادة الأرض يمس مصلحة الملايين ربما.
سأختم بحكاية ذات علاقة سمعتها من جرعب الطليّع، مختار قرية الجرنية المجاورة لبلدتي السقيلبية، وقد رواها لوالدي في بيتنا ، وكانت إجراءات الإصلاح الزراعي قد شملت للتور قرية الجرنية، وكان يملكها نجيب آغا البرازي، وتم توزيع أراضيها على الفلاحين بمعدل 150 دونم على الفلاح الواحد، وهي ارض خصبة جدًا ومعدلات الأمطار تربو على 500 ملم سنويًا، وقد جاء إلى قرية الجرنية وفد من مشايخ حماه، واجتمعوا بالفلاحين في بيت المختار جرعب، وتحدثوا عن الإصلاح الزراعي بمحتوى يشبه محتوى فتوى الشيخ أسامة الرفاعي وأنه حرام، ثم قالوا للحضور لقد جئنا بمبلغ من المال لنبني لكم مسجدًا، ونريد قطعة من الأرض لبناء المسجد، فرحب الفلاحون بالفكرة، ولكن كبير المشايخ أردف: لا يجوز ان تكون أرض المسجد من أراضي نجيب آغا البرازي التي وزعت عليكم، فقال جرعب "والله يا شيح ما عدنا إلا هاي الكاع، والكاع كاعنا" فقال كبير الشيوخ إذا لا يمكننا بناء المسجد، فقال جرعب على راحتكم، ولكن تفضلوا ع الغداء، فقال كبير المشايخ: "إن كانت الخرفان المذبوحة قد رعت في الأراضي التي كانت لنجيب آغا البرازي، فأكلها حرام"، فانتفض جرعب وقال لمشايخ: "اسمعوا يا مشايخ، هاي الكاع كاعنا، والخرفان حلالنا، تتفضلون أهلا وسهلا وإلا هاي الطريك لحماه".
وهنا أتذكر صراع سلطة الأسد مع الطليعة المقاتلة في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، أن الريف لم يقف مع الطليعة المقاتلة بسبب انتشار قول أن سيطرة جماعة الطليعة المقاتلة ستعيد الأرض للإقطاع، فوقف الريف على الحياد.
كخلاصة أقول: إن فتوى الشيخ أسامة تصب في مصالح الأغنياء ضد مصالح جموع غفيرة من الفقراء، فتصوروا أي اضطراب اجتماعي سينتج عن قول الدولة للفلاح الفقير الذي عاني ويعاني ما يعانيه، ويضع كل آماله في بضع الدونمات التي يفلحها وراثة عن والده وجده، أن الدولة ستأخذها منه وتعيدها لمن كان يمتلكها قبل 1958؟!
الأرض هي أرض الله تتداولها أيد كثيرة عبر العصور، و من انتفعوا بتوزيع أراضي الإصلاح الزراعي لم يرتكبوا أي معصية، وعليهم ألا يشعروا بأي ذنب، فمن كانوا أصحابها لم يمتلكوها بعرق جباههم وكد زنودهم، وإنما بطرق شتى تفتقد للعدالة والمشروعية، وأن السلطة القائمة آنذاك هي من سلكت هذا الدرب الذي سلكته دول وشعوب كثيرة قبل سورية، وإن العودة عن الإصلاح الزراعي وعن التأميم هو إجراء غير قابل للتنفيذ لأسباب عدة، ولكن يمكن العودة عن مبان وعقارات مصادرة كانت تستخدمها الدولة لأن إعادتها لا تنتج آثار سلبية واسعة، أما إعادة أراض ومصانع جرى عليها تغييرات وإضافات وتوارث بين أيد كثيرة فهو أمر يثير تعقيدات لا تحصى من جهة، ويثير غضب واسع من قبل الأرياف من جهة أخرى،
سورية ليست بحاجة لمزيد من مصادر الاضطرابات الاجتماعية، ولكنها بحاجة لسياسة تنموية ذكية تنظر لقطاع الزراعة كأحد القطاعات القاطرة للتنمية خلال السنوات الخمس القادمة.
رابط فتوى الشيخ أسامة الرفاعي
https://www.youtube.com/watch?v=ELAyCtAcW-E
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=204599