رهان سعودي على دمشق... استثمارات مليارية بأبعاد تتجاوز العائد
22/02/2026
سيرياستيبس
قبل الكشف عن الأرقام التفصيلية للحزمة الاستثمارية السعودية في سورية، يوم 7 فبراير/ شباط الجاري، كانت المؤشرات الأولية كافية لإظهار أن الرياض تتحرك لقيادة أكبر اندفاعة خليجية نحو السوق السورية منذ رفع العقوبات الغربية نهاية عام 2025. وقال خبراء لـ"العربي الجديد"، إن هذا الإعلان لم يكن مجرد توسع استثماري، بل خطوة تموضع اقتصادي مدروسة في لحظة انتقال سياسي دقيقة تعيشها دمشق، حيث تتقاطع إعادة البناء الاقتصادي مع إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية. فالمملكة، التي ضخت بالفعل حزمة سابقة تقدر بنحو 6.4 مليارات دولار في قطاعات الاتصالات والسياحة والبنية التحتية خلال 2025، تعيد اليوم توسيع رهانها عبر "صندوق إيلاف" الذي خُصص له ما لا يقل عن ملياري دولار لتطوير مطارات حيوية مثل مطار حلب، إلى جانب مشروع شركة طيران مشتركة واستثمارات إضافية في الشبكات الرقمية.
وفي هذا الإطار، لا تتحرك السعودية بوصفها مانحاً، بل مستثمراً يسعى لتثبيت نفوذ طويل الأجل على عقد النقل والطاقة والاتصالات في سورية الجديدة، بما يوازي ما فعلته سابقاً في أسواق مثل مصر وباكستان، لكن في سياق أكثر هشاشة وتعقيداً، بحسب تقدير نشره "منتدى الخليج الدولي". وينعكس هذا التوجه السعودي مباشرة على اقتصادات دول مجلس التعاون؛ إذ يُتوقع أن تتحول الحزمة السورية إلى امتداد جديد لسياسات تنويع الدخل وتدويل الشركات الخليجية التي تبحث عن هوامش ربح أعلى خارج أسواقها المشبعة نسبياً، كذلك يراهن صناع القرار في العواصم الخليجية على أن إعادة دمج سورية في الشبكات الاقتصادية العربية، من ممرات الطاقة إلى سلاسل التوريد البرية، من شأنها أن تخلق على المدى المتوسط سوقاً إقليمية أكثر تكاملاً، تخفض تكاليف النقل، وتفتح منفذاً برياً أوسع نحو شرق المتوسط، وهو ما يمنح دول الخليج خيارات أوسع في ممرات التصدير والاستيراد وسط تنافس دولي على الموانئ والممرات البديلة، بحسب تقدير نشره منتدى الخليج الدولي.
غير أن انخراط المستثمرين الخليجيين في السوق السورية يظل محفوفاً بمخاطر سياسية وقانونية ومالية، رغم رفع واشنطن وبروكسل الجزء الأكبر من العقوبات المفروضة خلال عهد الرئيس السابق بشار الأسد. فدراسة صادرة عن "مبادرة الاستراتيجية العالمية الأميركية" تشير إلى أن بيئة إعادة الإعمار لا تزال تعاني ضعفاً في سيادة القانون وغموضاً في حماية الملكية، فضلاً عن تشابك مراكز القوى الأمنية مع النخب الاقتصادية الناشئة. وتحذر الدراسة من احتمال تعرض الشركات الخليجية لعقوبات ثانوية أو لإشكالات تتعلق بالامتثال التنظيمي، في ظل تعقيدات عابرة للحدود. كذلك فإنّ المركزية المتزايدة في إدارة الاستثمار، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني وتقلب المواقف الغربية وتنافس قوى إقليمية أخرى، تضيف مستويات مرتفعة من عدم اليقين إلى أي التزام استثماري طويل الأجل في سورية، حتى بالنسبة إلى الكيانات الكبرى.
قطاعات استراتيجية
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، في حديثه لـ"العربي الجديد" أنّ السعودية كانت من أوائل الدول الخليجية التي سارعت إلى احتضان التحول السياسي الجديد في سورية، إلى جانب قطر والإمارات، عبر خطوات عملية شملت تقديم دعم مالي مباشر، وإطلاق استثمارات نوعية، فضلاً عن سدادها، مع قطر، التزامات دمشق تجاه البنك الدولي. ويعتبر عايش أن هذه التحركات دشنت مرحلة جديدة في تموضع سورية دولياً، تمثلت برفع العقوبات وتوسيع قنوات الانخراط مع العواصم الخليجية. ويشير إلى أن التركيز السعودي ينصب على قطاعات استراتيجية تشمل النقل والطيران والطاقة والبنية التحتية، في مقاربة تتجاوز منطق الإعمار إلى دعم إعادة تشكيل التوازن الجيوسياسي داخل الساحة السورية، وتفادي سيناريو الهيمنة الإقليمية الأحادية. وبحسب تقديره، فإن سوق إعادة إعمار سورية، التي تقدر تكلفتها بما بين 250 و400 مليار دولار، توفر فرص عائد مرتفع على المدى الطويل، في ظل هامش نمو كبير لاقتصاد يعاد بناؤه من جديد.
ويؤكد عايش أن الرؤية السعودية تجاه سورية تحمل بعدين متداخلين: اقتصادياً عبر تثبيت حضور استثماري طويل الأجل، وسياسياً عبر إضفاء غطاء من الشرعية الاقتصادية على التحول الجاري. ويلفت إلى أهمية الموقع اللوجستي لسورية، بكونها حلقة وصل بين تركيا والأردن، وبالتالي بين أوروبا ودول الخليج، ما يمنح الاستثمارات في الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة بعداً إقليمياً يتجاوز حدود السوق المحلية. في المقابل، يحذر عايش من تحديات لا يمكن تجاهلها، أبرزها هشاشة الاستقرار السياسي، وضعف الأطر التشريعية، وارتفاع كلفة إعادة تأهيل البنية التحتية، فضلاً عن التنافس الإقليمي والدولي والاختلالات النقدية والاقتصادية. ومع ذلك، يشدد على أن الإرادة الخليجية، بقيادة السعودية وقطر، تعكس توجهاً استراتيجياً لترسيخ حضور اقتصادي عربي طويل الأمد في سورية، يتجاوز حدود المشاريع الفردية إلى إعادة تشكيل موقعها في الخريطة الاقتصادية الإقليمية.
خطوة محورية
ويرى الخبير الاقتصادي محمد الناير، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن حزمة الاستثمارات السعودية تمثل خطوة محورية في مسار إعادة تموضع سورية إقليمياً ودولياً، إذ جاءت عقب التحول الجوهري الذي شهدته القيادة السورية أخيراً، وهو ما شكل، بحسب تقديره، حافزاً لعدد من الدول، من بينها السعودية وتركيا والولايات المتحدة، لإعادة النظر في سياساتها تجاه دمشق ودعم انخراطها مجدداً في النظام الدولي. ويشير الناير إلى أنّ هذا التحول تُرجم عملياً عبر توقيع اتفاقيات استثمارية بقيمة تصل إلى 40 مليار ريال سعودي، مع توقعات بارتفاعها إلى 60 مليار ريال، أي نحو 16 مليار دولار، تستهدف قطاعات حيوية تشمل الاتصالات والنقل الجوي والبنية التحتية والمياه. ويرى أنّ حجم هذه الالتزامات يعكس ثقة متزايدة بإمكانات السوق السورية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية المنظمة.
ويضيف أن الشراكة السعودية - السورية لإنشاء شركة طيران جديدة تمثل نموذجاً دالاً على طبيعة الانخراط السعودي، إذ يمكن لهذا المشروع أن يعيد ربط سورية بشبكات النقل الجوي الإقليمية والدولية، مستفيداً من الخبرات اللوجستية والتقنية السعودية، بما يعزز مؤشرات التعافي والانفتاح الاقتصادي. وبحسب الناير، فإنّ الاقتصاد السوري يحتاج إلى استثمارات كثيفة في البنية التحتية لتمهيد الطريق أمام مرحلة نمو مستدام، موضحاً أنّ تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة يعد عنصراً حاسماً في تعزيز الاحتياطيات من العملات الصعبة، وتنشيط الدورة الاقتصادية، وتوليد فرص العمل، بما يسهم في تخفيف معدلات البطالة المرتفعة. ويخلص الناير إلى أنّ الاستثمار السعودي لا يقتصر على البعد المالي، بل يشكل أداة هيكلية لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية وتحفيز الانتعاش الاقتصادي، في اقتصاد يسعى لتجاوز سنوات من الانكماش وإعادة تأسيس قواعد نمو أكثر استقراراً على المدى المتوسط والطويل.
العربي الجديد
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=204611