سيرياستيبس :
لم تكَد تمضي سوى ساعات على استعادة الحكومة السورية السيطرة على حقل «العمر» النفطي في شهر كانون الثاني الماضي، حتى أعلن الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للبترول»، يوسف قبلاوي، أن شركة «شل» البريطانية طلبت الانسحاب من الحقل المذكور، ونقل حصّتها إلى الجهات الحكومية السورية المعنيّة. وأثار هذا الإعلان تساؤلات حول الأسباب التي دفعت «شل» إلى الانسحاب من الحقل الذي كان يُعدّ سابقاً من أكبر الحقول السورية المُنتجة، لا سيما أن الشركة تمسّكت، طوال سنوات الحرب، بحقها في استثمار «العمر» عبر الشركة الوطنية المسمّاة «الفرات للنفط»، المؤسَّسة بالتشارك مع وزارة النفط السورية. وفيما لم تقدّم «السورية للبترول» أيّ توضيحات بشأن خلفيات قرار الانسحاب، ذهب البعض إلى تفسير الخطوة على أنها «استجابة» من «شل» لرغبة الحكومة الانتقالية، الساعية - على ما يبدو - إلى تعزيز حضور شركات النفط الأميركية على حساب الشركات الأخرى. وفي الوقت نفسه، رجّح آخرون أن يكون القرار جاء نتيجة مراجعات اقتصادية قامت بها الشركة بشأن جدوى استمرارها في الاستثمار في «العمر».
دخلت «شل» السوق السورية قبل نحو أربعة عقود ونصف العقد، عندما أسّست مع الحكومة السورية شركة «الفرات للنفط»، وعملت عبر الأخيرة على اكتشاف عدّة حقول نفطية واستثمارها، استناداً إلى مبدأ المشاركة بالإنتاج. ولذا، فإن قرار انسحاب «شل» من تلك الحقول لا يمكن أن يُتّخذ بين ليلة وضحاها، لا سيما أن المعطيات تتحدّث عن أن التسوية المالية مع «السورية للبترول» تقتصر فقط على حصول الأولى على حقوقها المالية العائدة إلى ما قبل تعليق أعمالها مع بدء الأزمة. وفي ظلّ غياب أيّ تصريحات رسمية في هذا السياق، يذهب خبير نفطي سوري عمل لسنوات طويلة مع الشركات الأجنبية، إلى أن قرار «شل» عائد إلى قناعتها بأن «استمرار استثمارها للحقول التي اكتشفتها في سوريا لم يعُد مجدياً من الناحية الاقتصادية، قياساً على تراجع الإنتاج واحتياطيات تلك الحقول من جهة، وخطط وأولويات الشركة التي تصنَّف كثاني أكبر شركة في العالم من جهة أخرى».
غالبية حقول شركة الفرات للنفط باتت في مرحلة الشيخوخة
ويبيّن
الخبير، أن «شل» تمكّنت في أثناء عملها في سوريا
من «اكتشاف نحو 38 حقلاً من مختلف الأحجام، كان أكبرها حقل العمر»، مضيفاً
أنها «تمكّنت من الوصول إلى نسب إنتاج عالية عبر اتّباع أسلوب السحب
الجائر، والذي مكّنها، في عام 1994، من تحقيق رقم خرافي تمثّل في إنتاج ما
يصل إلى 400 ألف برميل يومياً، مستفيدة في ذلك من الطاقة الإنتاجية العالية
للحقول المكتشَفة، خاصة وأن بعض هذه الأخيرة كانت ذاتية الإنتاج، بمعنى أن
إنتاجها كان يتدفّق إلى السطح تلقائياً، وذلك قبل أن تضطرّ الشركة إلى
تنزيل مضخات كهربائية أو حقن الطبقات بالغاز لدفع النفط إلى الخروج، وغيرها
من الطرق المساعدة على الإنتاج». لكن مع مرور الوقت، بدأ إنتاج تلك الحقول
يتراجع؛ فمثلاً حقل «العمر» الذي تجاوز إنتاجه 80 ألف برميل يومياً مع
بدايات اكتشافه، أخذ في التراجع تدريجياً ليستقرّ عند 50 ألف برميل عام
2010، ثمّ تقهقر إلى 5 آلاف برميل في خلال سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»
عليه في خلال سنوات الحرب. وبالتالي، فإن معظم الحقول دخلت في مرحلة
الإنتاج الثانوي المدعم أو ما يسمّى «حرق الحقول»، حيث يتمّ تسخين الطبقة
لإخراج ما فيها من نفط، ومن ثمّ ينتهي العمل تماماً بالحقل، في ما يسمّى
«مرحلة هجرة الحقل».
وإذ يرى الخبير أن غالبية حقول شركة «الفرات
للنفط» باتت في مرحلة «الشيخوخة»، فهو يعتقد أن شركة «شل» لم تَعُد تجِد
جدوى اقتصادية في العودة إلى استثمار تلك الحقول، والذي يتطلّب اليوم
عمليات إصلاح وإعادة تأهيل بفعل الأضرار التي نجمت عن الحرب، وكذلك استخدام
طرق فنّية متعدّدة لتحسين الإنتاج، بدءاً من عمليات حقن المياه إلى عمليات
تبديل المضخّات، وغير ذلك من متطلّبات. وفي حين أصبح المأمول الآن
«قليلاً»، على غرار الاحتياطي المتبقّي والقابل للإنتاج، فضّلت «شل»
الانسحاب لصالح فرص اكتشاف أخرى تكون أكثر جدوى وعائدية، وفقاً للخبير،
خصوصاً أن ما أنفقته الشركة طيلة وجودها في سوريا سابقاً من أموال، وهي
كبيرة بلا شك، قد استطاعت استرداده أضعافاً مضاعفة، بفضل عقود المشاركة
بالإنتاج، التي امتدّت لنحو 30 عاماً، ومن ثمّ جرى تمديدها عام 2008.
مع
ذلك، لا تبدّد هذه المعطيات الأمل النفطي في سوريا؛ إذ إن باقي الحقول
الضخمة لا تزال تحتفظ باحتياطات تعدّ «جيدة»، من مثل حقل «السويدية» الذي
يحوي، بحسب التقديرات، ما بين مليار ومليار ونصف المليار برميل نفطي. كما
أن إعادة الكشف على الحقول المنتجة قبل الحرب، باستخدام التقنيات
التكنولوجية الحديثة، يمكن أن تعزّز من إنتاجيتها - مستقبلاً -، التي أيّاً
كانت كميّتها، تبقى هامّة؛ إذ من شأنها أن تسدّ جزءاً من حاجة الاستهلاك
المحلي وتخفّض من فاتورة الاستيراد. ويضاف إلى ما تقدّم، أن العمل على
توسيع دائرة عمليات الاستكشاف، لتشمل جميع المناطق التي لم تجرِ فيها أيّ
عمليات استكشاف أو تنقيب عن النفط أو الغاز، وهي مناطق يقدّر خبراء
ومسؤولون مساحتها بين نصف وثلثَي مساحة البلاد حالياً .
الاخبار
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=204644