القوة القاهرة تهز أسواق الطاقة العالمية
10/03/2026




سيرياستيبس 
كتب الاعلامي غالب درويش 

دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة شديدة الحساسية مع توالي إعلانات "القوة القاهرة" من قبل عدد من كبار منتجي النفط والغاز في منطقة الخليج العربي، وفي مقدمتهم "قطر للطاقة" ومؤسسة البترول الكويتية، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً من مجرد توتر جيوسياسي إلى اضطراب فعلي في منظومة الإمدادات.

وعلى رغم أن هذا البند يُستخدم قانونياً لحماية الشركات من الالتزامات التعاقدية في حالات الطوارئ، فإن تفعيله في هذا التوقيت يرسل إشارة واضحة إلى أن تدفقات الطاقة عبر أحد أهم ممراتها العالمية باتت تواجه قيوداً تشغيلية وأمنية حقيقية.

ويأتي ذلك في وقت تحول مضيق هرمز من ممر حيوي للتجارة العالمية إلى نقطة اختناق لوجيستي ومالي، مع ارتفاع حاد في كلفة التأمين على الناقلات وتزايد الأخطار المرتبطة بسلامة الشحنات. هذه التطورات لا تعكس مجرد اضطراب موقت في حركة السفن، بل تعيد تسعير الأخطار في أسواق الطاقة، وتفرض واقعاً جديداً على شركات الشحن والمستوردين، ما يهدد بزيادة حادة في تكاليف النقل والإمداد.

وتتجاوز تداعيات هذا المشهد حدود سوق الطاقة نفسها، إذ إن أي تعطل مستمر في صادرات الغاز الطبيعي المسال والنفط من الخليج قد ينعكس سريعاً على التضخم العالمي، فالغاز المسال الخليجي يمثل ركيزة أساسية لتغذية الصناعات في آسيا وأوروبا، ومع تقديرات تشير إلى احتمال قفز الأسعار بشكل حاد إذا استمرت الاضطرابات، يجد صناع السياسات النقدية أنفسهم أمام معادلة معقدة بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي.

هشاشة هيكلية
في الأفق الأبعد، تكشف الأزمة الحالية عن هشاشة هيكلية في نظام الإمداد العالمي الذي ظل أعواماً يعتمد بدرجة كبيرة على ممرات بحرية ضيقة وتوازنات سياسية دقيقة.

ومع لجوء المنتجين إلى بند "القوة القاهرة" بصورة متزامنة، تبرز مؤشرات على بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، قد تتسارع خلالها جهود تنويع مصادر الإمدادات والبحث عن بدائل جغرافية وتقنية تقلل الاعتماد على الممرات عالية الأخطار، وهو تحول قد يعيد رسم موازين القوة في أسواق الطاقة لأعوام مقبلة.

ما الذي حدث أخيراً؟
في الأيام الأخيرة، تصدر بند "القوة القاهرة" واجهة أسواق الطاقة العالمية، لكن هذه المرة في سياق مختلف وأكثر حساسية، إذ أعلنت "بابكو إنرجيز"، البحرينية حال "القوة ​القاهرة" على عملياتها ​عقب هجوم ​استهدف مجمع تكرير النفط التابع ​لها.

وذكرت ​الشركة أن جميع ‌احتياجات ⁠السوق المحلية مؤمنة بالكامل، وأن ​الإمدادات ​ستستمر من ⁠دون انقطاع ​بدعم من ​الخطط ⁠الاستباقية الموضوعة.

وفي خطوة مماثلة، فعلت مؤسسة البترول الكويتية، حال "القوة القاهرة" على مبيعات الخام، في أحدث خطوة ضمن سلسلة من تخفيضات الإنتاج التي طاولت بعض أكبر منتجي الطاقة في العالم.

وقالت المؤسسة في بيان أول من أمس السبت إن الخفوض جاءت عقب "العدوان المستمر من جانب إيران ضد دولة الكويت، بما في ذلك التهديدات الإيرانية ضد المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز". وأضافت أن الخفض بدأ السبت بمقدار 100 ألف برميل يومياً، ومن المرجّح أن يرتفع تدريجاً اعتماداً على مستويات التخزين.

 كذلك أعلنت "قطر للطاقة"، عن تعليق بعض الالتزامات التعاقدية وإبلاغ المشترين بإمكانية تأثر الإمدادات، بعد تصاعد التوترات الأمنية في منطقة الخليج واستهداف منشآت طاقة وممرات شحن حيوية.

 ولم يكن السبب المباشر عطلاً تقنياً داخل مصنع أو حقل غاز، بل أخطار أمنية ولوجستية متصاعدة شملت تهديد الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع كلفة التأمين البحري على ناقلات الغاز والنفط إلى مستويات غير مسبوقة.

وبالنسبة لشركات الطاقة، فإن هذه الظروف قد تجعل نقل الشحنات أو تأمينها أو حتى تشغيل بعض المرافق عملية شديدة الأخطار أو غير قابلة للتنفيذ وفق شروط العقود الأصلية.

ما يجعل هذا التطور مهماً ليس فقط البعد القانوني للبند نفسه، بل الإشارة الاقتصادية التي يحملها للسوق، ففي العادة لا تلجأ شركات الطاقة الكبرى إلى إعلان "القوة القاهرة" إلا عندما تصبح البدائل التجارية – مثل إعادة توجيه الشحنات أو شراء كميات بديلة من السوق – غير كافية لتعويض الخلل.

ولذلك ينظر المتعاملون في أسواق الغاز والنفط إلى هذه الإعلانات باعتبارها مؤشراً مبكراً إلى اضطراب فعلي في الإمدادات وليس مجرد إجراء قانوني احترازي.

في لحظة الخليج الراهنة يكتسب هذا الإعلان وزناً مضاعفاً، لأن المنطقة تمثل أحد أعمدة أمن الطاقة العالمي، فدول الخليج تنتج نحو ثلث النفط المتداول عالمياً، كذلك تمر عبر مضيق هرمز قرابة 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى جزء مهم من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وعندما يبدأ بند قانوني مثل "القوة القاهرة" بالظهور في هذه البيئة، فإنه لا يُقرأ فقط في صفحات العقود، بل في شاشات التداول وأسعار الطاقة حول العالم.

إشارة خطرة
قال متخصصون في الشأن النفطي لـ"اندبندنت عربية" إن تفعيل بند "القوة القاهرة" في عقود الطاقة بالخليج العربي ومضيق هرمز جاء كضرورة قانونية لحماية الموردين وملاك السفن من ظروف خارجة عن إرادتهم، إذ يمنح هذا البند غطاءً قانونياً للأطراف المتعاقدة عند تعذر تزويد المنتجات المتفق عليها نتيجة الأوضاع الأمنية الراهنة التي تمنع الوفاء بالالتزامات.

وأشار المتخصصون إلى أن الضغوط الهائلة التي يواجهها قطاع الشحن تتجاوز أخطار الحرب المباشرة، لتشمل طفرة حادة في التكاليف التشغيلية وكلف التأمين وضمانات سلامة الناقلات، وجعل ذلك العبور عبر المضيق مخاطرة مالية ولوجيستية غير محتملة، وهو ما دفع شركات التأمين إلى الامتناع عن تحمل هذه الأخطار، الأمر الذي أصبح المحرك الأساس لتعطيل بعض بنود العقود المبرمة.

 ولفتوا إلى أن تكرار إعلانات "القوة القاهرة" يسلط الضوء على هشاشة أسواق النفط والغاز العالمية واعتمادها المفرط على ممر بحري واحد، مؤكدين أن لجوء الشركات الكبرى لهذا الإجراء يهدف بالدرجة الأولى إلى تفادي الغرامات الباهظة والتبعات القانونية، وهو ما قد يدفع الأسواق العالمية مستقبلاً إلى تسريع تنويع مصادر الإمدادات نحو مناطق أخرى لضمان أمن الطاقة.

ضغوط غير مسبوقة
أوضح المتخصص في الشؤون النفطية كامل الحرمي، أن المشهد الراهن في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز دفع عديداً من الأطراف إلى تفعيل بند "القوة القاهرة" في العقود التجارية.

وأشار الحرمي، إلى أن هذا البند القانوني يمنح الأطراف حماية عندما تخرج الظروف عن إرادتهم وتمنعهم من تزويد المنتجات المتفق عليها.

ولفت الحرمي إلى أن منتجي النفط وملاك السفن يواجهون اليوم ضغوطاً هائلة تتجاوز أخطار الحرب المباشرة، إذ تسببت الأوضاع الأمنية في طفرة كبيرة في الكلفة التشغيلية، وفي مقدمها كلف التأمين وضمانات سلامة البحارة والناقلات.

وبيَّن أن هذه الزيادة جعلت من الدخول أو العبور عبر المضيق مخاطرة مالية ولوجيستية غير محتملة للمنتجين والملاك على حد سواء.

وأضاف أن امتناع شركات التأمين عن تحمل هذه الأخطار المرتفعة والكلف الإضافية يعد المحرك الأساس لإعلان "القوة القاهرة"، مؤكداً أن هذا الإعلان يبرر قانوناً عدم القدرة على الالتزام ببنود العقود المبرمة بين البائع والمشتري نظراً لتعذر تنفيذ الواجب التعاقدي في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة.

من بند قانوني إلى مؤشر اقتصادي
بدوره، قال المدير التنفيذي لمركز "كوروم للبحوث" طارق الرفاعي، إن إعلانات "القوة القاهرة" التي صدرت أخيراً عن بعض منتجي الطاقة في الخليج تُعد أداة قانونية معروفة في أسواق السلع، تُستخدم لحماية الموردين عندما يصبح تسليم الشحنات مستحيلاً.

لكنه أوضح أن استخدامها في الظرف الحالي لا يعكس مجرد إجراء تعاقدي احترازي، بل يشير إلى اضطراب فعلي في الإمدادات نتيجة ظروف أمنية ولوجيستية تؤثر مباشرة في حركة الطاقة.

وأضاف أن "قطر للطاقة"، التي توفر نحو 20 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم، اضطرت إلى وقف الإنتاج وإعلان "القوة القاهرة" بعد هجمات استهدفت منشآتها في رأس لفان، إلى جانب اضطرابات في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تصدير الطاقة عالمياً.

ويرى الرفاعي أن هذه التطورات تكشف قيوداً تشغيلية وأمنية حقيقية قد تعيد رسم تدفقات الغاز الطبيعي المسال في الأسواق العالمية على المدى القريب.

وأشار إلى أن أي تعطّل مطوّل قد يخلق ضغوطاً تضخمية واسعة، خصوصاً في أوروبا وآسيا، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

وقدر أن توقف الإمدادات لمدة شهر واحد فقط قد يدفع أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا إلى الارتفاع بأكثر من 100 في المئة، ما سينعكس مباشرة على كلفة الكهرباء ومدخلات الصناعة، بالتالي على معدلات التضخم العالمية.

ويرى الرفاعي أن تحديد ما إذا كانت الأزمة صدمة موقتة أم تحولاً هيكلياً في سوق الطاقة العالمية سيتوقف أساساً على مدة النزاع، فإذا أعيد فتح خطوط الشحن سريعاً فقد يكون الاضطراب مشابهاً لصدمات العرض الجيوسياسية السابقة، لكن تكرار إعلانات "القوة القاهرة" يسلط الضوء على هشاشة أعمق في نظام الغاز العالمي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على منطقة واحدة وممر بحري واحد.

ركيزة قانونية ثابتة 
من جانبه، أوضح مستشار الطاقة لدى شركة "هوك إنيرجي" خالد العوضي أن بند "القوة القاهرة" يعد ركيزة أساسية وقانونية ثابتة في العقود التجارية الدولية، لا سيما في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات اللوجيستية.

وأشار إلى أن هذا البند يُفعَّل كحق قانوني لكلا الطرفين – المورد والمشتري – عند وقوع أحداث خارجة عن الإرادة والسيطرة البشرية.

 ولفت العوضي إلى أن حالات "القوة القاهرة" تشمل طيفاً واسعاً من الأزمات، بدءاً من الحروب والاضطرابات السياسية والإضرابات العمالية العامة، وصولاً إلى الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات.

وأوضح أن إعلان هذه الحال يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الشركات من التبعات المالية والقانونية المترتبة على عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات التعاقدية.

أضاف أن تفعيل هذا البند في الوقت الراهن يأتي كإجراء وقائي لتفادي الالتزامات المالية والغرامات الباهظة، مستشهداً بإعلان "قطر للطاقة" الذي يهدف إلى تفادي تلك الغرامات نتيجة تعذر الوفاء ببعض الالتزامات بسبب الظروف الأمنية الراهنة.

وشدد على أن هذا التصرف ليس مجرد إجراء فني، بل إجراء قانوني مشروع منصوص عليه في صلب العقود التجارية الدولية، ويهدف إلى حماية حقوق جميع الأطراف المتعاقدة عندما تحدث ظروف استثنائية لا يمكن توقعها أو منعها.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=204806

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc