علي لاريجاني... الرجل الأخطبوط في السياسة الإيرانية
11/03/2026
سيرياستيبس
بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وتعيين نجله مجتبى خامنئي خليفة له، طفت أسئلة عدة حول جاهزية هذا الرجل لتولي القيادة، لم يكن مجتبى ظاهراً على الساحة السياسية أو العامة، ولم تظهر له كتابات أو خطابات رسمية تدل على خبرته في إدارة الحكم والسياسة، سواء داخلياً أو خارجياً.
رغم ذلك، تُشير بعض التقارير إلى أن مجتبى مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحرس الثوري، ويُقال إنه يمتلك نفوذاً داخله، لكن هذه المعلومات غير مؤكدة ولم تُدعَم بأدلة واضحة أو وثائق رسمية، ولا يعرف الشارع الإيراني والخارجي بعد مدى قدرته على إدارة شؤون البلاد خلفاً لوالده، خصوصاً في ظل الظروف الراهنة بعد اغتياله.
وعند متابعة المشهد السياسي الإيراني، يظهر أن من يدير دفة السياسة الداخلية والخارجية بشكل فعلي هو علي لاريجاني، الذي يسيطر على الأمن القومي ويوجه الخطاب الرسمي للداخل والخارج، ولطالما وُصف لاريجاني بأنه المتخذ للقرارات السيادية، خصوصاً المتعلقة بالسياسة الخارجية والسياسات "الميليشياوية"، بما في ذلك العمليات الإقليمية التي تتعلق بانتشار النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي المقابل، يظهر منصب رئيس الجمهورية، الذي يشغله حالياً مسعود بزشكيان، وكأنه منصب شكلي إلى حد كبير، بينما تتركز السلطة الحقيقية في يد الشخصيات الأكثر نفوذاً داخل الأجهزة السيادية، على رأسها علي لاريجاني.
وفق عديد من المصادر، كان علي لاريجاني، بأوامر مباشرة من علي خامنئي، هو المسؤول عن إدارة السياسة الخارجية الإيرانية، إضافة إلى الملف النووي والبرنامج الصاروخي وسياسات فيلق القدس، أي التمدد الإيراني في المنطقة، ومصير الميليشيات في الدول العربية.
ويُذكر أن لاريجاني لعب دوراً محورياً في إدارة الأزمة اللبنانية بعد تصاعد الهجمات على "حزب الله"، وكان لفترات طويلة أميناً عاماً لمجلس الأمن القومي الإيراني، وكان أحد كبار المفاوضين في الملف النووي في بداياته، إلى جانب كونه رئيساً سابقاً للمجلس الشورى الإيراني.
في الوقت الحالي، يبدو أن لاريجاني هو من يمسك بزمام الأمور الفعلية في البلاد، بينما يظل منصب رئيس الجمهورية الذي يشغله مسعود بزشكيان، ومرشد الجمهورية الجديد مجتبى خامنئي، منصبين محدودي الصلاحيات عملياً.
القوانين الإيرانية الرسمية تُقر صلاحيات معينة للرئيس وللمرشد، لكن الواقع يظهر أن صلاحيات المرشد الجديد لن تطبق مستقبلاً، كما لم تُطبق حتى الآن صلاحيات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ولعل الجميع يتذكر ظهور الرئيس الإيراني قبل أيام على شاشات التلفزيون واعتذاره للدول المجاورة حول الاعتداءات والتعهد باحترام سيادة هذه الدول، لكن العالم تفاجأ بعد ساعة من تناقل تصريحات الرئيس الإيراني باستمرار العدوان الإيراني والهجمات الوحشية على هذه الدول، إذ تبقى القوانين "حبراً على الورق"، وتُستخدم أساساً لإقناع الرأي العام المحلي والدولي، ولمنع أي تغييرات حقيقية داخل إيران.
وهنا يطرح سؤال مهم: من يدير المرشد ويرشده فعلياً؟ هل هو علي لاريجاني كما كان يدير الرئيس مسعود بزشكيان؟ بمعنى آخر، من يمسك بالسلطة الفعلية ويمثل اليد العليا في اتخاذ القرارات السيادية داخل الجمهورية الإسلامية؟
الحقيقة بدأت تتضح بشكل أكبر في الساحة الإيرانية، إذ نسمع كثيراً من تصريحات علي لاريجاني التي تتسم بالتهديد والوعيد تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوفق خطابه، إيران لن تتسامح مع أي إساءة أو اعتداء عليها، ولن تتردد في الانتقام لمقتل علي خامنئي.
ويهدد لاريجاني بشكل مباشر وغير مباشر بعض الدول الإقليمية، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال تحريك سياسات تستهدف البنية المدنية والمجتمعات السكنية والمؤسسات الصناعية في هذه الدول، مع التركيز على استهداف البنية التحتية في السعودية والبحرين والكويت، وكذلك الإمارات وقطر وسلطنة عمان، هذا على رغم من الجهود الإنسانية والدبلوماسية التي بذلتها هذه الدول لتهدئة الأمور، ومنح بعض التنازلات لإيران، وهو ما لم يردع السلوك العدواني الإيراني.
يبدو أن الدافع الرئيس لهذا النهج العدواني هو كمية الفشل واليأس والتخبط السياسي لدى لاريجاني، الذي يعتقد أن الضغط على دول مجلس التعاون سيدفعها لممارسة ضغط على الولايات المتحدة، وأن استهداف المنشآت النفطية والبنية التحتية في دول مجلس التعاون سيرفع من أسعار النفط، وسيثير أزمة في سوق الطاقة وإمداداتها، وسيخلق انهياراً وفوضى في البورصات العالمية التي تمتلك معظمها رصيداً استثمارياً في دول مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم هذه الأمور ستشكل قوة ضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلى حكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل، وهكذا ستنجو طهران من الانهيار، وستستمر إيران في الاحتفاظ بما تبقى من ترسانتها العسكرية والصاروخية وخبراء برنامجها النووي، وكميات اليورانيوم المخصب، وأسلحة الدمار الشامل، من دون الالتزام بالمعاهدات الدولية أو الاتفاقات الثنائية مع دول الخليج العربي.
النهج الإيراني، وكما شهد العالم، تجاهل القوانين الدولية والمعاهدات الثنائية والمبادئ الإنسانية، وحتى مشاعر المسلمين في مثل هذا الشهر الكريم، طيلة 47 عاماً من عمر النظام الإيراني.
يبدو أن إيران تستهدف الجوار العربي والمنشآت والبنية التحتية، معتبرة الدول العربية خصماً استراتيجياً، وهذا ما يفسر تصرفها العدواني المستمر، الذي يعتمد على مبدأ "عليّ وعلى أعدائي"، كخيار استراتيجي لضمان مصالحها من دون استسلام أو تنازل.
أما علي لاريجاني، المتمسك بالنظام الطائفي في إيران والمنظر لتبني الميليشيات ودعم الإرهاب، فهو يمثل الدولة المركزية المسلطة أيضاً، الرجل الأمني الذي يحمل رؤية خمسينية للسيطرة على الشرق الأوسط وتقويض الأنظمة العربية، طوال 47 عاماً منذ الثورة الإسلامية، عمل على تعزيز مناخ أمني متشدد، معادٍ للحرية والديمقراطية، سواء داخل إيران أو تجاه شعوب المنطقة غير الفارسية.
وجود لاريجاني في السلطة لا يشكل خطراً على المجتمعات الإيرانية فقط، بل يمتد ليشكل تهديداً للدول العربية، خصوصاً في الخليج العربي، إضافة إلى دول مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان والأردن، وأن سياساته التوسعية والعدوانية تمثل تهديداً للدول الغربية أيضاً، إذ يعتمد على ممارسة الإرهاب والتهديد لتحقيق أجندة قومية وطائفية متطرفة.
لقد تسبب هذا التوجه في أضرار كبيرة للشعوب داخل إيران، وتجاوز ذلك ليعيث خراباً في الدول العربية، مع اتجاه واضح نحو استهداف دول مجلس التعاون الخليجي التي حققت تقدماً حضارياً وإنسانياً مشهوداً خلال العقود الأخيرة.
وجود لاريجاني في هرم السلطة الإيرانية يعني أن إيران قد تدخل مرحلة أكثر خطورة من زمن الخميني وخامنئي، إذ يمزج بين القومية المتطرفة والتوجهات الأمنية القمعية.
مقارنة بالتهديدات التاريخية، يمكن القول إن خطره يتجاوز أحياناً ما كان يُرى في بعض الشخصيات الديكتاتورية السابقة في العالم، إذ يشكل تهديداً مباشراً للأمن الداخلي الإيراني والأمن الإقليمي، وحتى الأمن الدولي، نظراً لتحكمه في الملفات السيادية، والقدرة على توجيه السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية بشكل شامل.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=199&id=204833