الحرب تعصف بالنظم الصحية في الشرق الأوسط... والعواقب شاملة
12/03/2026
سيرياستيبس
في ظل تصاعد وتيرة العنف في منطقة الشرق الأوسط، باتت الأضرار داخل المستشفيات أقل ظهوراً، ولكنها ليست أخف وطأة.
فالعاملون الصحيون يعالجون أعداداً كبيرة من المرضى ذوي الإصابات الشديدة في ظل نقص الأدوية والوقود والكوادر البشرية. وفي الوقت نفسه، تتداعى نظم ترصد الأمراض، ومنها نظم الإنذار المبكر بالفاشيات، في عديد من البلدان في الوقت الذي تشتد الحاجة إلى هذه النظم.
وقد تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 15 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية في إيران و22 هجوماً في لبنان منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، فيما تأتي هذه الهجمات ضمن نمط يبعث على القلق الشديد.
ووقع في إقليم شرق المتوسط حتى الآن نحو 40 في المئة من جميع ما أبلغ عنه من هجمات على مرافق الرعاية الصحية على مستوى العالم، وشهد 80 في المئة من الوفيات الناجمة عن تلك الهجمات.
وإذا أخفقنا اليوم في حماية العاملين الصحيين في هذا الإقليم، فقد نواجه خطر هدم المعايير التي تكفل حمايتهم في كل صراع.
وقد كان الإقليم يتسم أصلاً بالهشاشة قبل هذا التصعيد، إذ فيه نحو نصف الاحتياجات الإنسانية العالمية، ويضم نحو 40 في المئة من النازحين داخلياً في العالم. وقد تضرر من أوامر الإخلاء في لبنان حتى الآن مليون و500 ألف شخص، بينما بات أكثر من 100 ألف شخص يلوذون بالملاجئ.)
إذا اتسعت رقعة الصراع، فسيعقب ذلك مزيد من النزوح، مما يعيد تشكيل أنماط الهجرة، ويلقي بأعباء جديدة على منظومات الصحة العامة في البلدان المجاورة وفي شتى أنحاء منطقة البحر المتوسط وصولاً إلى أوروبا.
وحين تتضرر المستشفيات أو تضطر إلى إغلاق أبوابها، تغدو الإصابات الجلية هي تلك التي عجز أصحابها عن الوصول إلى غرف العمليات. إلا أن الخسائر الأشد صمتاً وخفاء تتمثل في تزايد أعداد الوفيات الناجمة عن حالات كان بالإمكان علاجها، مثل أمراض مزمنة لم تعالَج، ومضاعفات الحمل التي لم تجد رعاية، وأمراض الأطفال التي تركت تستفحل وتتفاقم.
وقد يرى المتابعون من بعيد أن ما يحصل أزمة إقليمية. ولكنها ليست كذلك. انظروا إلى ما يمر عبر دبي، فمن مركز الإمدادات اللوجستية العالمي التابع للمنظمة ترسَل لوازم إسعاف المصابين واللقاحات ومعدات سلسلة التبريد ومواد الترصد إلى بؤر الأزمات في شتى أنحاء العالم. وهذه المسارات نفسها تدعم استئصال شلل الأطفال على الصعيد العالمي. وعندما يؤدي إغلاق المجال الجوي أو الطرق البحرية إلى تعطيلها، تصل التداعيات إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، فاتحة الباب أمام عودة أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات.
والروابط الاقتصادية لا تقل عن ذلك وضوحاً. فإذا ظلت طرق الشحن الرئيسة مثل مضيق هرمز مسدودة، فإن أسعار النفط سترتفع، وهو ما يلمسه الأوروبيون فعلًا في فواتير الكهرباء وتكاليف النقل والخدمات الصحية.
كان قرابة 80 مليون شخص في الإقليم يعانون انعدام الأمن الغذائي قبل هذا التصعيد، وهو أعلى مستوى منذ عقدين. وسيؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء إلى تفاقم تلك الأزمة، مفضياً إلى عواقب يمكن التنبؤ بها، منها زيادة الجوع، وزيادة سوء التغذية، ومزيد من الأمراض، ومزيد من الوفيات التي يمكن تفاديها.
وأن الضرر الذي لحق بالمنشآت النفطية أيضاً قد أثار مخاوف بشأن تلوث الهواء والماء والغذاء، في ظل ورود أنباء عن هطول أمطار مشبعة بالنفط.
وقصفت أيضاً محطات تحلية المياه التي توفر مياه الشرب. والأخطر من ذلك أن رحى الصراع باتت تدور على مقربة من منشآت صناعية ونووية كبرى. وأي تهاون في السلامة الكيماوية أو النووية في هذه المنطقة ستكون له عواقب تتجاوز حدودها كثيراً.
وتعمل منظمة الصحة العالمية مع البلدان في جميع أنحاء الإقليم على تعزيز التأهب والاستجابة، وذلك بتدريب العاملين الصحيين وتحسين الترصد ودعم نظم الطوارئ.
ولا بد من الحيلولة دون انهيار النظم الصحية. فحينما تنهار تلك النظم، يرتفع خطر تفشي الأمراض، ويتزعزع استقرار المجتمعات، ويضعف الأمن الصحي العالمي. وفي هذا العالم المترابط، لا تظل تلك العواقب محصورة في إقليم واحد.
ويجب على الحكومات التي لها تأثير على أطراف هذا الصراع أن تضغط عليها من أجل الالتزام التام بالقانون الدولي الإنساني، ويشمل ذلك حماية المرافق الطبية والبنية التحتية المدنية. ويجب على الجهات المانحة أن تمول على وجه السرعة استجابة المنظمة للطوارئ. وعلى المجتمع الدولي أن يتعامل مع الاعتداءات على العاملين الصحيين بوصفها انتهاكات صريحة لقوانين الحرب، لا مجرد حوادث تسجل في السجلات ثم يطويها النسيان.
وأكثر السبل فعالية لحماية الصحة في نهاية المطاف هي ببساطة أنه يجب وقف العنف.
ولا تقتصر حماية الصحة في إقليم شرق المتوسط اليوم على إنقاذ الأرواح في الحروب فحسب، بل تتعلق أيضاً بحماية الأمن الصحي العالمي.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=204847