السوق الحر ولليبرالي… والعدالة الغائبة
سعيفان : التعاونيات لتجاوز توحش انفتاح السوق





 

سيرياستيبس :
تبدو مسألة عدالة توزيع الدخل اليوم أشبه بعقدة المنشار في اقتصاد يتجه بخطى متسارعة نحو الليبرالية، من دون أن يملك وثيقته الناظمة أو رؤيته الاجتماعية الواضحة. فبينما تتوسع سياسات السوق الحر وتفرض حضورها على تفاصيل الحياة الاقتصادية، تتراجع قدرة الدولة على حماية الفئات الأضعف، ويتسع الجدل حول من يتحمل مسؤولية إعادة التوازن: الدولة أم المجتمع أم القطاع الخاص. وفي هذا السياق يعود الباحث الاقتصادي سمير سعيفان ليضع الملف من جديد على طاولة النقاش، مقدّماً رؤية يعتبر أنها قادرة—إذا ما طُبّقت—على إعادة هيكلة توزيع الدخل بطريقة تمنح شريحة أوسع من المواطنين نصيباً أكبر من الناتج الوطني، وتدعم الإنتاج، وترفع التحصيل الضريبي، وتعيد شيئاً من العدالة الاجتماعية التي تآكلت تحت ضغط التحولات الاقتصادية الأخيرة.

وتكتسب هذه العودة إلى النقاش أهميتها من طبيعة اللحظة الراهنة، حيث تتجه السياسات الاقتصادية في البلاد نحو نموذج ليبرالي غير محدد المعالم، بدأت آثاره السلبية تظهر على الناس. وتقوم الفكرة التي طرحها سعيفان، في حديثه بندوة لجمعية العلوم الاقتصادية، على مبدأ توسيع الأنماط الاجتماعية للملكية الخاصة، مستنداً إلى تجارب سورية سابقة نجحت في تحقيق منفعة واسعة قبل أن يتم التخلي عنها أو إضعافها.

سوق حر ليبرالي… وعدالة غائبة

يشير سعيفان إلى أن مسألة توزيع الدخل ليست جديدة، بل نشأت تاريخياً مع تشكل الأسواق والمدن، حين بدأت الفجوة تتسع بين فئة مسيطرة سياسياً واقتصادياً تحصل على الكثير، وغالبية واسعة تحصل على القليل. واليوم، ومع انتقال سوريا إلى اقتصاد سوق تنافسي غير معرّف تماماً، أقرب إلى النموذج الليبرالي المتوحش، يصبح السؤال ملحّاً: كيف يمكن تطوير مبادرات مجتمعية ذاتية ترفع مستويات العدالة وتعيد توزيع الدخل بشكل أكثر إنصافاً، سواء بمشاركة الدولة أو بمعزل عنها؟

قنوات توزيع الناتج المحلي

ويوضح سعيفان نقطة مهمة ليدخل من خلالها إلى طرح فكرة الحل المقترح، فيشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي السنوي يوزع عبر قناتين رئيستين وهما سياسات الأجور والرواتب والحوافز والتعويضات وغيرها، والثانية هي الربح المتحقق من مختلف الأنشطة، والدولة هنا تحصل ضرائب للخزينة العامة من هذين البابين لتعيد استخدام الموارد المتحصلة في مجالات خدمية واستثمارية مختلفة.

وبالنسبة لمسألة سياسة الرواتب والأجور فهي مرتبطة بطبيعة الدولة وسياساتها وبوجود النقابات وقوتها والقطاع الخاص الكبير، وترتبط تحديد حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالمناخ السياسي المناسب الذي يجب أن يتوفر لتفاعل الأطراف الثلاثة في هذه العملية والوصول إلى أعلى مستوى ممكن من التوزيع العادل للدخل.

تناسب طردي

يوضح سعيفان أن توزيع الربح يتم وفقاً لهيكل الملكية، فكلما اتسعت قاعدة المالكين زاد عدد المستفيدين من الحصة الربحية، الأمر الذي يقود إلى الفكرة الجوهرية المتمثلة في تنوّع أشكال التنظيمات الاقتصادية التي تضم عدداً كبيراً من المالكين. ومن بين هذه الأشكال تبرز الشركات المساهمة غير الاحتكارية، إضافة إلى الشركات التعاونية التي لا تُعد جمعيات غير ربحية، بل كيانات اقتصادية ربحية لها قواعدها الخاصة، إلى جانب الشكل الثالث المتمثل في الجمعيات التعاونية العاملة في مختلف القطاعات.

ويرى الباحث سعيفان أن اجتماع هذه الأنماط الثلاثة—الشركات التعاونية، والجمعيات التعاونية، والشركات المساهمة—وزيادة مساهمتها في الإنتاج ضمن الناتج المحلي الإجمالي، يفتح المجال أمام توزيع الربح على شريحة واسعة جداً من الأفراد بدلاً من حصره في نطاق ضيق، وفي ظل سياسة السوق المفتوح، يصبح للجميع دور في النشاط الاقتصادي دون التضييق على المستثمرين، إذ لا يُعد ذلك احتكاراً أو منعاً، بل توسيعاً لدائرة المستفيدين ورفعاً لنسبة من تصلهم عوائد الربح.

نتائج مضمونة

يرى سعيفان أن هذا التوجّه، عندما يتكامل مع سياسة عادلة للأجور والرواتب، يمكن أن يرفع مستويات الدخل بشكل ملموس، إذ يتيح تحسين القدرة الشرائية ويخفّف من الضغوط المعيشية على شرائح واسعة من المجتمع. وفي السياق نفسه، يشير إلى أن الدولة، ومن خلال نظام ضريبي منصف، تستطيع تأمين الموارد اللازمة للإنفاق على الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية، من دون الاضطرار إلى خصخصة هذين القطاعين الحيويين. كما يتيح لها هذا النظام دعم الفئات غير القادرة على دفع فواتير الكهرباء، إلى جانب تمويل الإدارة الحكومية العامة وبقية المرافق والخدمات العامة.

ويضيف سعيفان أن للقطاع الخاص دوراً اجتماعياً مكمّلاً، يتمثل في مساهمته في دعم مشاريع ثقافية أو اجتماعية أو تنموية، مقابل ما تقدمه الدولة من حوافز وتسهيلات، سواء كانت ضريبية أو إجرائية. هذا التفاعل بين الدولة والقطاع الخاص يعزز المسؤولية الاجتماعية ويخلق بيئة اقتصادية أكثر توازناً.

ومع اجتماع هذه الأشكال المختلفة—من سياسات أجور عادلة، ونظام ضريبي منصف، وتوسّع في أشكال الملكية، ودور اجتماعي للقطاع الخاص—يصبح بالإمكان تحقيق مستوى أعلى من عدالة توزيع الدخل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص معدلات الفقر بشكل ملموس.

نقص موارد الدولة

يرى سعيفان أن إحدى المشكلات الأساسية التي تواجهها الدولة حالياً تتمثل في نقص الموارد، وهو ما يدفعها—بحسب رأيه—إلى التفكير بالقفز السريع نحو التخلي عن البرامج الاجتماعية، الأمر الذي ظهر في بعض التصريحات التي تحدثت عن طرح مرافق عامة للاستثمار، ومن بينها المشافي العامة.

ويشير سعيفان إلى أن نجاح هذا المقترح وتحويله إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع يتطلب وجود قضاء نزيه وكفء، قادر على ضبط أداء الشركات والمؤسسات التعاونية المجتمعية والنقابية التي يمكن أن تنشأ، ومنع تفشي الفساد والرشوة داخلها، وضمان عدم ضياع حقوق المساهمين.

كما يؤكد أن تطبيق هذه الرؤية يحتاج إلى مناخ سياسي يضمن حريات عامة حقيقية، بما يتيح للنقابات القدرة على التنظيم والتفاوض الجماعي، وممارسة أدواتها المشروعة مثل الإضراب وغيرها من وسائل الضغط التي تكفل حماية مصالح أعضائها.

مسؤولية الدولة

يرى الدكتور نبيل مرزوق أن هذا الطرح يحمل أهمية بالغة، إذ يتيح إمكانية نشوء قطاعات واسعة تنطلق من مبدأ الاقتصاد التضامني بهدف تعزيز العدالة الاجتماعية، إلى جانب ترسيخ التشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع. لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً محورياً: هل يكفي هذا النهج لتحقيق العدالة فعلاً؟

وفي إجابته، يؤكد الدكتور مرزوق أن هناك مسؤوليات أساسية تقع على عاتق الدولة تجاه المواطن، لا يمكن التنازل عنها أو إحالتها إلى أي طرف آخر. فالدولة—بحسب قوله—ملزمة بتأمين الطبابة والتعليم والعمل والمساعدة الاجتماعية للمواطن، سواء عند تقدمه في العمر أو عند خسارته لعمله، وهذه مسؤولية جوهرية يجب أن تضطلع بها الدولة من خلال توفير فرص متكافئة للجميع، انسجاماً مع مبادئ العقد الاجتماعي، ومع الاتفاقيات الدولية التي تنص على حقوق الأفراد في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، من مأكل وملبس وتعليم وصحة وعمل وغيرها من الحقوق التي تُعدّ أساس الحياة الكريمة.

تساؤلات

الدكتور نبيل سكر قال إن التعاونيات فكرة ممتازة جداً لكن ما هي الإغراءات لمجموعة من المواطنين أن تعمل تعاونية، وما هي الضمانات لمنع استغلال هذه التعاونيات وبالتالي ضمان عدم فشلها.

ورأى أن التهرب الضريبي مشكلة كبيرة ولا نستطيع التغلب عليها، فكيف يمكن تحقيق ذلك خاصة وأن التهرب الضريبي يؤدي إلى زيادة الفروقات بين الدخول مؤكدا أهمية عدالة توزيع النمو بين المناطق، أي العدالة في توزيع التنمية بين المدن والمناطق لتكتمل الخطوات باتجاه تحقيق العدالة في توزيع الدخل.

تثقيف مجتمعي

يرى الدكتور جورج جبور أن هذا الطرح يحمل أهمية كبيرة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن مقاربته من هذه الزاوية قد لا تكون واقعية بالقدر المطلوب،ولكي يصبح هذا الطرح قابلاً للتطبيق على أرض الواقع، يؤكد جبور ضرورة إيلاء اهتمام أكبر بالثقافة والمعرفة، لأن المواطن الجاهل—بحسب تعبيره—يكون أكثر عرضة للظلم وأسهل استهدافاً. أما المواطن المثقف، فظلمه أصعب بكثير، وهذا ما يجعله قادراً على لعب دور أساسي في تحقيق عدالة الدخل، على خلاف المواطن الذي يفتقر إلى المعرفة، وهو أمر يراه جبور طبيعياً ومنسجماً مع منطق الأشياء.

تكرار النجاح

أوضح الدكتور عامر خربوطلي، مدير غرفة تجارة دمشق، أن ما طرحه سعيفان يمثل حلولاً مهمة، وهي في جوهرها تجارب كانت ناجحة في سوريا سابقا، ما يجعل من الضروري إعادة تفعيلها وتكرارها. وبيّن أن من بين هذه التجارب تجربة الجمعيات التعاونية للنقل التي تأسست في عدد من المناطق بمبادرات أهلية لتأمين خدمة النقل لسكان تلك المناطق.

وأشار خربوطلي إلى تجربة أكثر أهمية، تمثلت في جرّ مياه عين الفيجة إلى مدينة دمشق عبر شركة ذات طابع اجتماعي، تأسست بالشراكة بين غرفة تجارة دمشق وأمانة العاصمة، وكان فارس الخوري حينها أميناً للعاصمة، حيث اتُّفق على إقامة هذا المشروع الاستراتيجي الذي خدم المدينة لعقود طويلة.

ويرى خربوطلي أن مثل هذه النماذج قابلة للتكرار في مشاريع متنوعة ذات نفع عام—مثل مشروع مترو الأنفاق—بما يخدم المدن والمناطق، ويحقق مصلحة مشتركة لجميع الأطراف، الأمر الذي يجعل فرص نجاحها كبيرة.

محمود ديبو



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=205246

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc