الخصخصة الصامتة في سوريا.. من إدارة الدولة إلى تفويض السوق
11/05/2026




سيرياستيبس :

ليست الخصخصة في صورتها الأخطر، أن تعرض شركة عامة للبيع في مزاد سياسي واقتصادي مفتوح، فهذا النموذج هو الشكل الفج، أما الآلية الأكثر خطورة فتظهر في بقاء الملكية باسم الدولة، بينما تنقل القدرة الفعلية على القرار والإدارة والتسعير والتشغيل إلى فاعلين آخرين، فتصبح الدولة مالكا اسميا، لا صاحب ولاية عامة.

في سوريا منذ مطلع 2026، لا تطرح الأصول الكبرى للبيع، لكن ما يجري فعليا نقل متدرج لوظائف القرار الاقتصادي من المؤسسات العامة إلى كيانات “اقتصادية” أو شركاء من القطاع الخاص، عبر صيغ الشركات القوابض والاستثمار والامتياز، فتبدو التحولات الجارية أقرب إلى إعادة تعريف الدولة نفسها، وليست مجرد إصلاحات إدارية أو مالية.

اللغة المؤسسة: من الخدمة العامة إلى الاستثمار

الوقائع المعلنة تكشف انتقالا منظما من دولة “تدير” إلى دولة “تفوض، ففي 14 و28 شباط 2026ظهرت اللغة التي أسست لهذا الاتجاه عبر تصريحات تتحدث عن “اقتصاد حر تنافسي”، و “إعادة هيكلة” و “تحفيز الاستثمار”، و”حماية المنتج المحلي”.

المفردات التي ظهرت في التصريحات الرسمية تحمل دلالات واضحة، وتعبر عن “قاموس سياسي” جديد يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمرافق العامة، فحين تصبح الكهرباء والمياه والصحة والموانئ والتعدين موضوعات “استثمار” يتحول السؤال من “هل سترتفع الكفاءة” ؟ إلى “من يملك سلطة القرار في ما يجب أن يبقى حقا عاما” ؟

التحول المؤسسي: القوابض الاقتصادية كمدخل للخصخصة

في نيسان اتخذ التحول شكله المؤسساتي الصريح، فالمرسوم 45 أحدث “الشركة السورية للكهرباء” كشركة عامة قابضة ذات طابع اقتصادي، مملوكة للدولة وتتمتع باستقلال مالي وإداري، أما المرسوم 44 فأحدث “الشركة السورية للتعدين” بالصيغة نفسها تقريبا، والمرسوم 46 أعاد هيكلة قطاع مياه الشرب والصرف الصحي ضمن مؤسسة ذات طابع اقتصادي واستقلال مالي.

النصوص لا تعلن الخصخصة صراحة، لكنها تعيد تصميم المرفق العام على نحو يجعله قابلا لها تدريجيا، فبدلا من بقائه جزءا من جهاز الدولة الإداري، يعاد تشكيله ككيان اقتصادي مستقل يقاس أداؤه وفق معايير الكلفة والربحية، ما يخضعه لمنطق السوق، يصبح فتحه أمام الشراكات أمرا ممكنا قانونيا وعمليا، فيمكن إدخال مستثمرين أو توقيع عقود تشغيل وإدارة.

تأتي بعدها المرحلة الأعمق، حيث تجزأ وظائف المرفق وتفوض تدريجيا من الإنتاج إلى التوزيع، ومن الإدارة إلى الجباية، لتخرج أجزاء منه تباعا من السيطرة المباشرة للدولة، بهذه الآلية، لا تظهر الخصخصة كقرار معلن، بل كحصيلة تراكمية لمسار يبدأ بإعادة الهيكلة وينتهي بنقل فعلي للقرار.

إشكالية الشرعية: من يملك القرار؟

المشكلة لا تكمن بدخول القطاع الخاص إلى هذه القطاعات، فيمكن تبرير ذلك رسميا في حالات تتطلب تمويلا إضافيا أو كفاءة تشغيلية تفتقر إليها الدولة، لكنها تبدأ فعليا عندما تنتقل وظائف الحكم نفسها من اتخاذ القرار وتحديد الأولويات، إلى توزيع الموارد وتسعير الخدمات، إلى جهات لا تخضع للمعايير الديمقراطية ذاتها من رقابة ومساءلة، فيصبح موضوع من يشغل المرفق شانا هامشيا وينتقل إلى من يملك سلطة تقرير من يحصل على الخدمة، وبأي كلفة، وتحت أي شروط؟

هذا التحول يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، فحين تنتقل قرارات ذات طابع سيادي واجتماعي إلى فضاء تعاقدي، تصبح محكومة باعتبارات الربح والمخاطر، لا بمعايير العدالة العامة، فيتغير دور الدولة من ضامن للحقوق إلى وسيط بين المواطن والسوق.

لا يمكن التعامل مع الكهرباء أو المياه أو التعدين بوصفها قطاعات اقتصادية عادية، لأنها بنى تحتية تحدد شروط الحياة اليومية، وإمكانات الإنتاج، وحتى حدود السيادة الوطنية، وتحويلها إلى كيانات اقتصادية “مستقلة” يبدو خطوة إدارية ضرورية في سياق أزمات المؤسسات العامة، لكنه يصبح مصدر خطر عام إذا لم يحاط بمنظومة صارمة من الشفافية تشمل نشر العقود، ووضوح التسعير، وإتاحة المعلومات وبآليات مساءلة فعلية برلمانية وقضائية وشعبية، فبدون هذه الرقابة يتحول “الاستقلال الإداري” إلى حصانة عن الرقابة، وتصبح القرارات التي تمس حياة المواطنين اليومية خارج نطاق التأثير الديمقراطي.

قطاع المياه: بين الكفاءة والحق العام

المثال الأوضح هو المياه، حيث تقدم الرواية الرسمية المرسوم 46 بوصفه خطوة إصلاحية تهدف إلى رفع كفاءة الإدارة وتحسين جودة الخدمات، عبر اعتماد أسس اقتصادية ونماذج حوكمة حديثة، وهذا التوجه يبدو مشروعا في سياق بلد استنزفته الحرب، وتعرضت بنيته التحتية لتآكل عميق، ما يجعل البحث عن أدوات أكثر فعالية في الإدارة والتمويل أمرا ملحا، بل ضروريا أحيانا لضمان استمرارية الخدمة.

الإشكالية الحقيقية تتجاوز البعد الإداري إلى سؤال سياسي واجتماعي أعمق، فهل ستبقى المياه حقا عاما مضمونا، أم ستعاد صياغتها تدريجيا كخدمة تخضع لمنطق القدرة على الدفع؟ في تجارب الدول الخارجة من النزاعات، كثيرا ما تتحول مفاهيم مثل “استرداد الكلفة” و”الاستدامة المالية” إلى أدوات لإعادة توزيع العبء، بحيث تنتقل الكلفة من الدولة إلى المواطنين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة، فلا يعود الأمر متعلقا بتحسين الخدمة فقط، بل بإعادة تعريف من يتحمل كلفتها، ومن يقصى عنها ضمنيا.

المرافئ: الامتياز بدل الملكية

في المرافئ ولا سيما عقد حوض سفن طرطوس وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT، تظهر الخصخصة في صيغة امتياز طويل الأمد.

لا تبيع الدولة الأصل، لكنها تمنح مستثمرا حق التشغيل والاستثمار والإيراد لفترة طويلة، وهنا أيضا لا تكمن المسألة في الملكية القانونية، بل في السيطرة الفعلية، فمن يحدد الأولويات؟ من يراقب شروط العقد؟ من يعرف الإعفاءات والأرباح والتزامات العمالة والبيئة؟ من دون نشر العقود، يصبح “الاستثمار” مساحة معتمة بين السلطة ورأس المال.

الأمن: سوق جديدة لوظيفة سيادية

في قطاع الأمن، يفتح تنظيم شركات الحماية والحراسة الخاصة بابا أشد حساسية، فالخصخصة هنا لا تمس مصنعا أو مرفأ، بل وظيفة قريبة من احتكار الدولة للقوة.

حتى لو بقي الترخيص والرقابة بيد وزارة الداخلية، فإن إدخال شركات خاصة إلى مجال الحماية يعني نشوء سوق للأمن، وهذه سوق لا تكون محايدة اجتماعيا، فمن يملك المال يشتري حماية أفضل، ومن لا يملك يبقى تحت رحمة الخدمة العامة المنهكة.

الصحة: بين النفي السياسي والتحول الفعلي

أما الصحة، فكشف الجدل حول إدارة بعض المشافي الحكومية عن حدود الخطاب الرسمي، وعبارة “الصحة ليست للبيع” تبدو مطمئنة، لكنها لا تجيب عن جوهر المسألة، فالمشافي لن تباع لكن يمكن بيع إدارتها، أو تفويض خدماتها، أو تحويل بعض أقسامها إلى نماذج ربحية.

في هذا الشكل تصبح الخصخصة جزئية، لكنها تمس الحق نفسه، فالخطر ليس في دخول إدارة حديثة، بل في أن يتحول المريض إلى زبون، والانتظار إلى أداة فرز طبقي.

القطاعات الصامتة: الإسمنت والمياه المعدنية

الملفات الأقل ضجيجا هي أكثر دلالة، ففي الإسمنت، برزت مؤشرات إلى عقود استثمار وتشغيل، منها ما نشر عن عقد لمعمل إسمنت طرطوس لمدة 15 عاما مع شركة إماراتية وبدء إنتاج تجريبي لاحقا.

هذا النموذج لا يبيع المعمل، لكنه ينقل القرار الإنتاجي والربحية التشغيلية إلى المستثمر، وفي بلد يحتاج إلى إعادة إعمار هائلة، فيصبح الإسمنت قطاعا استراتيجيا لا مجرد صناعة، ومن يسيطر على الإسمنت يملك جزءا من إيقاع إعادة الإعمار وأسعارها ومن يستفيد منها.

ومعامل تعبئة المياه في دريكيش تمثل نموذجا أدق لما يمكن تسميته “خصخصة سلسلة القيمة”، فالمصدر المائي يبقى ملكا عاما، لكن التعبئة والتسويق والتوزيع تطرح للاستثمار أو تفوض للقطاع الخاص، فلا ينتقل الأصل، بل تنتقل الربحية، وهذه صيغة شائعة في الخصخصة الناعمة حيث تحتفظ الدولة بالعبء السيادي والرمزي، فيما يذهب الهامش التجاري إلى المستثمر.

إعادة تعريف الدولة: من منتج إلى منظم

ما يجمع هذه الإجراءات ليس قرارا واحدا، بل سياق عام في تفكيك الدولة المنتجة والمديرة، وتركيب دولة مالكة ومنظمة ومفوضة، وهذا الأمر يتم تبريره رسميا في الاستجابة الواقعية لانهيار التمويل العام وضعف الإدارة وتراكم الخسائر.

لكن الواقعية الاقتصادية لا تكفي لإنتاج شرعية سياسية، فالسؤال هل يستطيع المواطنون أن يروا أنفسهم شركاء في صياغة القواعد التي ستدار بها مواردهم؟ أم أنهم سيجدون أنفسهم أمام عقود مغلقة، وأسعار جديدة، وشركات لا ينتخبونها ولا يستطيعون عزلها؟

لا يكفي أن تقول الحكومة إن الملكية ما زالت عامة، فهي بلا سيطرة عامة تصبح غطاء قانونيا فقط، فلا يكفي أن يقال إن القطاع الخاص أكثر كفاءة؛ لكنها غير عادلة، ولا يكفي أن تبرر الشراكات بالعجز المالي؛ لأنه لا يمنح تفويضا مفتوحا لنقل القرار العام إلى غرف تفاوض مغلقة.

سوريا لا تشهد حتى الآن خصخصة كلاسيكية معلنة، بل خصخصة وظيفية متدرجة في الكهرباء والتعدين عبر الشركات القابضة الاقتصادية، والمعركة الحقيقية ليست بين “دولة” و”سوق”، بل بين مرفق عام يخضع للمساءلة، ومرفق عام يحمل اسم الدولة بينما تدار قراراته بمنطق لا يراه المواطن ولا يملك محاسبته.

الخصخصة في سوريا 2026: حين لا تبيع الدولة ممتلكاتها بل تتنازل عن ولايتها

من “المرفق العام” إلى “الكيان الاقتصادي” — تفكيك الولاية عبر الشركات القابضة والامتياز والتشغيل

جوهر التحول: في سوريا 2026 لا تطرح الأصول الكبرى للبيع، لكن يتم نقل القدرة الفعلية على القرار والإدارة والتسعير والتشغيل إلى فاعلين آخرين، فيما تبقى الملكية اسميا للدولة. عبر مراسيم (الشركة السورية للكهرباء، شركة التعدين، إعادة هيكلة المياه، عقود BOT في المرافئ، شركات الحماية الخاصة، عقود تشغيل الإسمنت والمياه المعدنية) تتحول الدولة من مُنتِج ومُدير إلى منظم ومفوض، مما يعيد تعريف الحقوق العامة ويطرح إشكاليات الشفافية والمساءلة.

عن موقع سوريا الغد



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=205607

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc