من الإغاثة إلى التنمية.. سوريا تعيد هندسة علاقتها بالمانحين وترسم مسار التعافي الوطني
12/05/2026
سيرياستيبس
تدخل سوريا مرحلة جديدة تقوم على الانتقال من إدارة الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى قيادة عملية تعافٍ وإعادة إعمار ذات طابع وطني واضح، في سياق يتشكل تدريجياً عبر إعادة ضبط العلاقة مع المجتمع الدولي المانح، وبناء مقاربة أكثر توازناً في إدارة الموارد والتدخلات الخارجية.
ويعكس اجتماع وزارة الخارجية والمغتربين في دمشق، مع وفد يضم ممثلين عن ثلاث وعشرين دولة مانحة، ملامح هذا التحول، إذ تطرح الحكومة السورية رؤية تعتبر أن مرحلة التعافي لم تعد مجرد امتداد تقني للعمل الإنساني التقليدي، بل أصبحت مشروعاً سياسياً وتنموياً متكاملاً يقوم على الملكية الوطنية الكاملة للأولويات والقرارات.
هذا التوجه يضع إعادة الإعمار في صدارة المشهد، بوصفها أداة لاستعادة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وليس فقط استجابة لآثار الحرب، مع التركيز على استعادة سلاسل الإنتاج والخدمات والبنية التحتية الأساسية، وهو ما ينسجم مع تجارب دول أعادت بناء نفسها عبر قيادة محلية واضحة.
فبعد الحرب العالمية الثانية، قدمت ألمانيا نموذجاً بارزاً في إعادة الإعمار عبر ما عُرف بخطة “مارشال”، حيث لم يكن التمويل الخارجي وحده كافياً، بل جرى توجيهه ضمن رؤية وطنية صارمة ركزت على إعادة تشغيل الصناعة وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل، وكذلك اليابان، التي خرجت من دمار واسع لتصبح قوة اقتصادية عالمية، مستفيدة من إدارة داخلية صارمة للتعافي وربط الدعم الخارجي بإصلاحات مؤسساتية عميقة.
وفي تجارب أخرى أكثر حداثة، مثل رواندا بعد الإبادة الجماعية، جرى بناء نموذج تعاف قائم على مركزية القرار الوطني، وتوجيه المساعدات نحو البنية الإنتاجية والتعليمية، ما أدى إلى استقرار تدريجي وتحول اقتصادي ملحوظ، أما البوسنة والهرسك، فقد أظهرت أن تعدد الجهات المانحة دون رؤية وطنية موحدة قد يؤدي إلى بطء التعافي وتشتت الموارد، وهو ما عزز لاحقاً أهمية وجود إطار وطني جامع.
ضمن هذا السياق يبرز في الحالة السورية مفهوم “بيان أولويات التعافي” كإطار تنظيمي للعلاقة مع الجهات المانحة، بما يهدف إلى ضبط التدخلات وتوجيه التمويل نحو مشاريع محددة الأثر، بعيداً عن التشتت الذي رافق سنوات الاستجابة الإنسانية، ويعكس ذلك رغبة واضحة في تقليل الاعتماد على المساعدات المفتوحة، بما ينسجم مع تجارب دول نجحت في الانتقال من الإغاثة إلى التنمية المستدامة عبر التخطيط المركزي.
كما تطرح دمشق مقاربة جديدة تجاه ملف النازحين، تقوم على تشجيع العودة الطوعية وإعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق المنشأ، ورفض استمرار نماذج المخيمات بوصفها حالة دائمة، وهنا نستحضر أيضاً نماذج تاريخية، حيث أسهمت إعادة الإعمار المحلي في أوروبا الشرقية بعد الحرب الباردة في تسريع عودة السكان واستقرارهم، مقابل تجارب أخرى مثل هاييتي التي أظهرت أن غياب البنية المؤسسية أبطأ عملية التعافي رغم كثافة المساعدات.
هذا التحول يحمل أبعاداً جديدة ويعيد تعريف دور المنظمات الدولية من فاعل رئيس في إدارة الكوارث والأزمات إلى شريك داعم لعملية إعادة الإعمار، وهو ما يتطلب إعادة صياغة أدوات التنسيق والتمويل وفق رؤية حكومية أكثر مركزية في تحديد الأولويات، كما حدث في تجارب دول آسيوية اعتمدت على ضبط صارم للعلاقة مع المانحين لتفادي ازدواجية المشاريع وهدر الموارد.
غير أن المؤشر الأهم لدى سوريا اليوم، يتمثل في انتقال الخطاب من الإغاثة إلى التنمية، ومن الاستجابة المؤقتة إلى التخطيط الطويل الأمد، وهو ما يشكل جوهر تجارب حضارية متعددة أثبتت أن التعافي الناجح لا يُدار بالتمويل وحده، بل برؤية وطنية قادرة على تحويل الدعم الخارجي إلى رافعة لبناء دولة مستقرة ومؤسسات فاعلة واقتصاد منتج ومستدام.
الوطن
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=205636