طب واتساب... الحرب تغير معادلة الاستشارات الصحية
17/05/2026
سيرياستيبس
فرضت الحرب تغييرات واضحة في سلوكات المواطنين ومنها الاستشارات الطبية التي يلجأون إليها، حتى إن الرعاية الصحية بصورة عامة استمرت ببدائل تراعي الظروف الاستثنائية.
تنعكس الحرب على مختلف جوانب الحياة وتؤثر فيها سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حتى إن سلوكات المرضى بذاتها تتغير ومعها متابعتهم للرعاية الطبية التي يلقونها والتزامهم بها. فظروف الحرب والنزوح ألقت بثقلها على القطاع الصحي في لبنان أيضاً من نواحٍ عدة، وأحدثت تغييرات مهمة فيه وفي سلوكات المرضى على مستوى الاستشارة الطبية والمتابعة للرعاية الصحية التي يلقونها. قد لا يكون من المتوقع أن يحصل تغيير في هذا المجال، إلا أن عوامل عدة في الحرب تسهم في ذلك مع زيادة الضغط على المواطنين، ككثير من تفاصيل الحياة التي تتأثر سلباً بتداعيات الحرب والتغييرات التي تحصل في حياة المرضى والأطباء أيضاً. لذلك، بات ملحوظاً أن الاستشارات والخدمات الطبية شهدت خلال الحرب الحالية، كما في مختلف الحروب، تغييرات جذرية تستحق تسليط الضوء عليها. وإذا كان "طب واتساب" من خصوصيات المجتمع اللبناني في الأوقات العادية والسلم، فكيف بالأحرى في ظروف الحرب؟
عوامل أسهمت في التغيير
تداعيات عدة نتجت من ظروف الحرب والنزوح وتركت أثرها في حياة المواطنين، بوجود أكثر من مليون مواطن نزحوا من مناطقهم ومنازلهم بصورة سريعة ومفاجئة من دون حاجاتهم الأساس حتى. هذه الظروف فرضت تغييرات كثيرة على حياتهم، سواء كانوا ممن توجهوا إلى مراكز الإيواء أو ممن انتقلوا إلى مناطق أخرى في منازل بعيدة من بلداتهم. وهذا الانتقال فرض ظروفاً مختلفة بحيث أصبحت المتابعة الصحية الروتينية، والاستشارات الطبية والمعاينات في عيادات أطبائهم عبئاً عليهم، إذا ما أخذنا في الاعتبار صعوبة التنقل من منطقة إلى أخرى وكلف ذلك، وكل الأعباء المادية المرتبطة بالمعاينات أيضاً والتي تضاف إلى تلك التي حملتهم إياها الحرب. في مثل هذه الأوقات، وخصوصاً خلال فترات التوتر والقصف وعند زيادة معدلات الخطر، من الطبيعي أن يلجأ المواطن إلى بديل لتلقي الخدمات الصحية التي يحتاج إليها أو للحصول على استشارة من طبيب.
يؤكد نقيب الأطباء في لبنان الدكتور إلياس شلالا ضمن حديثه أن تغييراً بارزاً في سلوكات المواطنين على مستوى الاستشارات الطبية سُجل في الحرب بالفعل، فإذا كانت ثقافة الاستشارة الطبية عبر "واتساب" راسخة أصلاً لدى المواطن اللبناني، فقد سُجل ارتفاع يصفه بـ"الدراماتيكي" في ظاهرة الاستشارات الطبية عبر "واتساب" خلال الحرب وبسبب ظروف النزوح. فالمريض اللبناني يستشير الطبيب أصلاً عبر الهاتف ومن خلال تطبيق "واتساب"، لكن النزوح فرض زيادة كبرى في معدلات هذا النوع من الاستشارات بسبب هم التنقل لدى النازحين من مناطق بعيدة أو جديدة بالنسبة إليهم، وبسبب الأعباء المادية.
يجد شلالا صعوبة في التصدي لهذه الظاهرة خلال المرحلة الحالية الدقيقة، نظراً إلى الظروف التي يمر بها المواطنون، لكن يؤكد أنها "غير موجودة إلا في لبنان، فحتى في ظروف مماثلة تكون هناك منصات للاستشارات الطبية تُقدم فيها الخدمة الصحية وفق أصول معينة، وبطريقة مدروسة وبمواعيد محددة بما لا يُفسح المجال لحصول أخطاء طبية مثلما قد يحصل في حال الفوضى والتواصل بصورة عشوائية مع الأطباء في أي وقت كان. وتكون الاستشارات الطبية عبر المنصات لقاء رسم مادي للمعاينة أو المتابعة من بعد، ويكون هناك أطباء اختصاصيون مسجلون فيها، ويمكن لمن يرغب في الحصول على استشارة استخدامها وطرح أسئلته، لكن مثل هذه الخدمات عبر المنصات الرقمية لا تزال محدودة جداً في لبنان والمواطنون اللبنانيون لم يعتادوا على استخدامها"، بحسب شلالا، "حتى إن الاستشارات من بُعد محدودة، ولا يعتمدها المواطنون بكثرة".
في المقابل، هناك تركيز على الاستشارات عبر "واتساب" لاعتبارها وسيلة بسيطة وعملية وغير مكلفة أبداً وتسمح بالحصول على الخدمة المطلوبة بأبسط ما يمكن، بغض النظر عما إذا كان احتمال الخطأ وارداً. وقال نقيب الأطباء إن "النقابة حذرت مما قد ينتج من الاستشارات الطبية عبر ’واتساب‘ من أخطاء طبية ومشكلات، بما أن الطبيب قد لا يكون في حال تركيز كامل عند استشارته بهذه الطريقة، ولا يكون ملف المريض أمامه كما في المعاينة داخل العيادة. وحذرنا الأطباء ودعيناهم إلى تجنب الإجابة بهذه الطريقة، فيما لا يتقبل المريض اللبناني فكرة ألا يجيبه الطبيب، كما أن قسماً من الأطباء يفضلون مواصلة تلبية استشارات مرضاهم بهذه الطريقة. وبقيت هذه العادة متجذرة في المجتمع اللبناني، وهي ظاهرة غير موجودة داخل أي دولة في العالم، وهي غير مقبولة أبداً ولا يمكن التغاضي عنها، أو الاستمرار بذلك دون معالجة. لكن في ظروف الحرب، لا يمكن إلا تفهم ظروف المواطنين، خصوصاً النازحين منهم، والتغاضي عن التدقيق فيها أو معالجة الوضع".
تراجع ملحوظ في المتابعة الصحية
شهد الأطباء في لبنان بالفعل تغييراً واضحاً على مستوى الاستشارات الطبية وسلوكات المرضى خلال الحرب. وهذا ما تُظهره المتابعة الطبية داخل العيادات وقد سُجل تراجع فيها، وفق انطباع عام للأطباء، وأكد ذلك رئيس الجمعية العالمية للصحة الجنسية والإنجابية الدكتور فيصل القاق. ويأتي هذا الواقع مطابقاً لنتائج دراسات عالمية وأخرى أجريت في لبنان حول المتابعة الصحية في ظل الحروب والأزمات. فعلى سبيل المثال، ثبت في دراسة أجريت داخل بيروت حول أولويات النساء في الأزمات والحرب واهتمامهن بالصحة، أن هم المرأة الأول في الحرب هو العائلة، ثم الجوانب الاقتصادية والأمنية، وتأتي صحتها في أسفل لائحة اهتماماتها، حتى إنه في ظل جائحة كورونا ظهر تراجع ملحوظ في الاهتمام بالشؤون الصحية وفي الكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، والمتابعة الروتينية للصحة النسائية. وعلى رغم أنه لم تسجل زيادة في معدلات السرطان آنذاك، كانت هناك توقعات بأن تحصل زيادة لاحقة فيها وبأن يحصل تراجع في مستويات الكشف الدقيق لهذا النوع من الأمراض.
مما لا شك فيه أن هذا التغيير في الحروب والأزمات لا يحصل داخل لبنان فحسب، بل على مستوى العالم في ظروف مماثلة. وبحسب القاق، يؤكد الواقع أن "الفرد يميل إلى تأجيل المتابعة الروتينية والاستشارات الطبية التي تتعلق بحالات غير طارئة، ويبقى التركيز على تلك الطارئة بسبب الضغوط الأمنية والاقتصادية وظروف الحرب. وهناك تراجع في المتابعة الطبية بصورة عامة، وفي زيارات الأطباء للمعاينة، فتقتصر المتابعة في العيادات عادة على الحالات الباردة غير الطارئة، مما يبرر هذا التراجع في المعاينات العيادية بما أن الحالات الطارئة تقتضي التوجه مباشرة إلى قسم الطوارئ داخل المستشفى".
من جهة أخرى، وفق قول القاق، "زادت الاستشارات الطبية عبر الهاتف و’واتساب‘ بصورة ملحوظة"، وهي مسألة لا يمكن له كطبيب إلا أن يتفهمها ويتعامل معها بإيجابية في هذه الظروف، "فتبقى الاستجابة الإنسانية أولوية في رسالة الطب الإنسانية، ومراعاة الظروف ضرورية لتسهيل أمور الناس من النواحي كافة، والحد من عناء تنقلاتهم وكلفها، ومن التحديات المرتبطة بزحمة السير والظروف الأمنية". وأضاف أنه "بسبب عوامل عدة في ظروف الحرب، منها الضغط الاقتصادي والأمني وظروف القصف والنزوح، يؤجل المرضى المعاينات الطبية وزيارات الأطباء حتى، ويفضلون التواصل مع أطبائهم عبر الهاتف وعبر "واتساب" أيضاً بهدف توفير المال والوقت وعناء التنقل والوجود في زحمة السير الخانقة في الطرقات من مسافات بعيدة، ويجب ألا ننسى أن قسماً من اللبنانيين فقدوا مصدر الرزق ومنهم من يعمل بأجور متدنية في ظروف الحرب القاسية. لذلك، لا يمكن إلا تفهم أوضاعهم الصعبة وإتمام الواجب وفق ما تقتضيه هذه الرسالة الإنسانية، والحرص على الاستجابة الصحية في الحروب. وتتضافر الجهود من قبل المعنيين كافة من مسؤولين وأطباء لتوفير خدمات صحية مجانية، ومن المهم أن يستفيد منها المواطنون، حتى إن العيادات النقالة وجدت من ضمن الحلول في ظروف الحرب، وهي التي تسمح بتوفير الرعاية الصحية للمواطنين والنازحين خصوصاً والوصول إليهم في مناطقهم، بدلاً من أن ينقطعوا عن الرعاية الصحية".
صحيح أن عوامل عدة لعبت دوراً خلال الحرب في تراجع معدلات اللجوء إلى الرعاية الصحية، لكن القاق يشدد على أهمية دور الطب في تعزيز الصحة والحفاظ عليها، وهو لا يقتصر على تصحيح مشكلة لدى حصولها. لذلك، يمكن تفهم تغيير سلوكات المرضى بسبب الظروف والخسارات المتكررة التي جعلت المتابعة الصحية تتراجع ضمن سلم أولوياتهم، لكنه يشدد على أهمية استفادة المواطنين من الخدمات الصحية المجانية المتوافرة في مختلف المناطق، إذ "تبقى المتابعة الصحية أولوية في الأوقات كافة لتوفير مستقبل صحي أفضل".
ونتيجة متابعته للنازحين بمعدلات كبرى داخل مركزه المتعدد الاختصاصات جنوب بيروت، أكد أيضاً طبيب الصحة العامة حسين هواري أنه "كان هناك حرص على الالتزام ببدل معاينة رمزي للنازحين في معظمهم، نظراً إلى الظروف الخاصة التي يمرون بها. قد يكون هذا من أسباب عدم تسجيل استشارات مستجدة زائدة على ’واتساب‘". ويضاف إلى ذلك أن معظم مرضاه هم من أهل الجنوب الذي نزحوا إلى مناطق قريبة من المركز. لكن في كل الحالات، يؤكد هواري أنه كان من الطبيعي التجاوب مع المرضى الذين سبق أن عاينهم ويودون استشارته في شأن تفاصيل معينة حول العلاج أو الحالة بدلاً من الحضور، لكنه يشير إلى سلوك آخر لاحظه خلال هذه المتابعة، فقال "رأينا عشرات الحالات من المواطنين، وخصوصاً من النازحين الذين حضروا ومعهم أكياس من الأدوية التي اشتروها من الصيدلية بطريقة عشوائية بعد استشارة الصيدلي ولم يجدوا أي نتيجة بعد تناولها، فعادوا وحضروا لاستشارتي كطبيب حول الحالة.
لكن في الوقت نفسه، كانت هناك متابعة في مراكز الرعاية الصحية الأولية للنازحين وللمواطنين عامة بأسعار معقولة لا تتخطى 15 دولاراً أميركياً. كما أن وزارة الصحة العامة، والهيئة الصحية، وكشافة الرسالة كلهم حرصوا على إرسال أطباء إلى مراكز الإيواء لمتابعة حالات النازحين وتوفير الأدوية لهم. وهذا ما فعلته أيضاً بعض البلديات في ظروف الحرب، فأرسلت طبيباً لمعالجة المرضى في المراكز أو في المنازل، قبل توجيه المرضى إلى المستشفيات الحكومية حيث يلقى المرضى الرعاية الصحية مجاناً بتغطية من وزارة الصحة العامة".
العيادات المتنقلة حل فرضته الحرب والأزمات
برزت العيادات المتنقلة بالفعل ضمن الحلول الفاعلة لتوفير الخدمات الصحية للمواطنين والنازحين في مناطق وجودهم مجاناً، بدلاً من انتظار قدومهم إلى المراكز الصحية والمستشفيات في هذه الظروف الصعبة. وهذا الحل تناسب مع السلوكات المتغيرة للمرضى على مستوى الاسستشارات الصحية في الحرب، وهذا ما أوضحه رئيس التسويق والاتصالات في قسم الخدمات الصحية في الجامعة اللبنانية - الأميركية سعد الزين، مشيراً إلى أن "فكرة العيادة المتنقلة كانت قد أتت أولاً في ظل جائحة كورونا مع زيادة الحاجة إلى نشر الوعي وتوفير الخدمات الصحية في مختلف المناطق وإجراء اللقاحات وفحوص كورونا، وأتت أيضاً الأزمة الاقتصادية لتزيد الحاجة إلى هذا النوع من الحلول التي تجعل الرعاية الصحية في متناول المواطنين مجاناً. وبرزت أهميتها أكثر بعد في ظروف الحرب، خصوصاً للنازحين الذين يواجهون صعوبات في التنقل وفي الحصول على الرعاية الصحية في مناطق النزوح الجديدة عليهم، يضاف إلى ذلك أن كثراً منهم لم يتمكنوا من أخذ أدويتهم معهم عند ترك منازلهم. وتؤمن العيادة المتنقلة المجهزة بالكامل الأدوية المجانية والرعاية الصحية في الوقت نفسه، وتعد حلاً للنازحين الذين لا يعرفون كيفية التنقل في مناطق النزوح والحصول على الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها، ويجدون صعوبة في ذلك".
وأضاف الزين "ما باشرناه في الحرب السابقة خلال عام 2024، تابعناه حالياً وتوجهنا إلى مناطق نائية وإلى مناطق النزوح ومراكز الإيواء لتوفير الخدمات الصحية والمستلزمات والأدوية واللقاحات مجاناً‘ حتى إن هذه العيادة المتنقلة الأولى من نوعها مجهزة بالكامل بمستلزمات الفحوص المخبرية التي نجريها أيضاً في المناطق مجاناً مع معاينات طبية، مما يسهل الأمور إلى حد كبير على المواطنين. وكان هناك حرص على توزيع عدة النظافة والإسعافات الأولية من الزيارة الأولى إلى المناطق. هذا دون أن ننسى أن النازحين خرجوا من قراهم ومنازلهم من دون أدوية ولا وصفات طبية أو أن صلاحيتها انتهت، فحرصنا على توفيرها لهم بالتعاون مع منظمات غير حكومية ووزارة الصحة، إذ يُفتح ملف لكل شخص بوجود ممرضات في العيادة ثم تقدم الخدمات الطبية التي يحتاج إليها ومن ضمنها تخطيط القلب والصورة الصوتية للحوامل وغيرها".
تغييرات كثيرة فرضتها الحرب، لكن في ظل الأزمات والحروب المتكررة في لبنان، اعتاد المواطن أياً كانت الفئة التي ينتمي إليها على التأقلم معها وفق ما تفرضه الظروف، فإذا بالبدائل تتوافر دوماً بحسب الحاجة. ويبقى الحس الإنساني في مختلف المجالات، وفي القطاع الطبي خصوصاً، أساساً في الاستجابة لما يفرضه الواقع من متغيرات.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=144&id=205705