ما وراء إرجاء ترامب تجديد هجومه على إيران
19/05/2026
سيرياستيبس
في الوقت الذي تزايدت فيه التكهّنات بتجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ووسط تقارير متواترة وتصريحات لمسؤولين من هنا وهناك تحمل قدراً كبيراً من التلميح بأن عودة الحرب باتت مسألة وقت، جاءت مفاجأة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتأجيل الضربة. المفاجأة لم تكمن في قرار التأجيل، فهي ليست المرة الأولى ولا الثانية التي يتراجع فيها ترامب عن تهديداته لطهران، ولكنها في موعد الضربة الذي لم يُكشف عنه إلا وهو يؤجل التحرك العسكري.
فترامب أعلن عبر منشور على منصة "تروث سوشال" أنه وجه بتأجيل العمل العسكري المزمع ضد إيران "الثلاثاء"، بينما كان يفترض أن يلتقي فريقه للأمن القومي في هذا اليوم، لبحث سيناريوهات التعامل مع إيران، وليس لبدء الحرب من جديد، حسبما ذكرت وسائل إعلام أميركية عقب اتصال مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أول من أمس الأحد. ترامب الذي عزا تراجعه عن توجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران قبل نحو شهر، بناءً على طلب من الوسيط الباكستاني، أرجع قراره هذه المرة إلى استجابة لطلب من قادة ثلاث دول خليجية، هي قطر والسعودية والإمارات، بهدف إعطاء فرصة لإنجاح المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب.
وقال الرئيس الأميركي إنّ "مفاوضات جادة" جارية حالياً، دون أن يقدّم أي تفاصيل عن هجوم الثلاثاء، الذي بحسب تصريحاته كان مخططاً له، لكنه قال إنه أصدر تعليمات للجيش الأميركي بأن يكون مستعداً للمضي قدماً في شنّ "هجوم شامل واسع النطاق على إيران في أي لحظة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق مقبول". وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، نقلاً عن مسؤول باكستاني، اليوم الثلاثاء، أنّ إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل الإعلان عن اتفاق نووي، بينما أشار المسؤول الباكستاني إلى أنّ الولايات المتحدة ترغب في الإعلان عن الاتفاقات المتعلقة بجميع القضايا دفعة واحدة.
نقص المخزونات
وبينما تثار العديد من التساؤلات بشأن إمكانية تحقيق اختراق عن طريق حل يرضي جميع أطراف المعادلة، يبقى التساؤل الأهم، هل يرغب ترامب حقاً في العودة إلى القتال أم إنه يبحث عن سبيل للخروج من الحرب بأقل الخسائر، وسط تقارير عن أنّ الجيش الأميركي يواجه مأزقاً يتمثل في نفاد الذخيرة. وفي هذا الصدد، نشرت هيئة الإذاعة الكندية "سي بي سي"، تحليلاً أشارت فيه إلى أنّ مراقبين عسكريين يدقون ناقوس خطر من هذه الجزئية، ويسلّطون الضوء على جهود وزارة الحرب الأميركية لمضاعفة الإنتاج ثلاث مرات.
ونقل التقرير عن محللين عسكريين، أنهم ربما يتفقون مع ما ذهب إليه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من نفي أن تكون البلاد تواجه نقصاً في مخزون الأسلحة في ظل حربها ضد إيران، وتأكيده أنّ واشنطن لديها "كل الذخيرة اللازمة لتنفيذ ما نحتاج إلى تنفيذه"، لكنهم أعربوا عن مخاوفهم بشأن النزاعات المحتملة في المستقبل. ونقلت الإذاعة الكندية عن جون فيراري، اللواء المتقاعد في الجيش، قوله إنّ "هذا أمر مقلق للغاية... نحن على وشك نفاد أنواع معينة من الأسلحة اللازمة لنوع الحرب التي نرغب في خوضها".
وأضاف فيراري، وهو حالياً زميل بارز في معهد "أميركان إنتربرايز" الذي يتخذ من واشنطن مقراً له: "نحن نفقد الأسلحة باهظة الثمن والمتطورة". واستشهدت "سي بي سي" بتحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الشهر الماضي، حول سبعة أنواع رئيسية من الذخائر المستخدمة في الهجمات البرية بعيدة المدى، فضلاً عن الدفاع الجوي والصاروخي، وخلص إلى أنّ الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي من الصواريخ لمواصلة القتال في إطار عملية "الغضب الملحمي"، وفق "أي سيناريو محتمل"، إلا أنّ "الخطر الذي سيستمر لسنوات عديدة يكمن في الحروب المستقبلية".
وتوصل المركز، مستنداً إلى تحليلاته الخاصة وتقارير إخبارية أخرى لتقدير كمية الذخيرة المستخدمة، إلى أنّ الولايات المتحدة ربما تكون قد استهلكت، خلال الأيام التسعة والثلاثين الأولى من الحرب، أكثر من نصف مخزونها قبل الحرب من أربعة أنواع من أصل سبعة أنواع من الذخيرة الرئيسية. وذكر التقرير الذي أوردته وكالة أسوشييتد برس، أنّ "تناقص مخزونات الذخيرة خلق خطراً على المدى القريب"، في حين أنّ "استعادة المخزونات المستنفدة، ثم الوصول إلى مستويات المخزون المطلوبة، سيستغرق سنوات عديدة". وأضاف أنّ هذه المخزونات المتناقصة ستؤثر أيضاً بالإمدادات الموجّهة إلى أوكرانيا وحلفاء آخرين.
وتصاعدت حدة أزمة نقص الذخيرة عقب مقابلة أجراها الأسبوع الماضي، السيناتور الديمقراطي مارك كيلي، وهو قائد متقاعد في سلاح مشاة البحرية الأميركية، مع قناة "سي بي إس"، لمناقشة بعض التقارير حول تأثير الحرب في مخزون الذخيرة الأميركية. وقال كيلي في المقابلة: "لقد استهلكنا الكثير من الذخيرة؛ وهذا يعني أن الشعب الأميركي أصبح أقل أماناً، سواء كان ذلك في صراع في غرب المحيط الهادئ مع الصين، أو في أي مكان آخر في العالم، فقد استنفدت الذخيرة".
ولفتت "سي بي سي" إلى أن هذا الظهور أثار غضب هيغسيث، الذي أطلق بعد ذلك تحقيقاً بشأن ما إذا كان السيناتور كيلي قد كشف عن معلومات سرية خلال المقابلة، لكن مايكل أوهانلون، مدير أبحاث السياسة الخارجية في معهد "بروكينغز"، الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، كان له رأي آخر في ما يتعلق بمبعث القلق بالنسبة للولايات المتحدة، فهو يرى أنّ "الحسابات المتعلقة بالحاجة إلى الأسلحة الهجومية والدفاعية دائماً تقريبية في أحسن الأحوال"، وأن هناك "أربعة عوامل تتسم بعدم اليقين" أكثر أهمية من المخزونات، وهي "من يوجه الضربة الأولى، وقدرة أنظمة الاتصالات والاستطلاع على الصمود، واحتمال التوسع الجغرافي أو التصعيد النووي، أو كليهما، فضلاً عن الاعتبارات الاقتصادية".
تحذير أميركي من اتباع ترامب أسلوب التضليل
واعتبر أنّ أي خصم يعتقد أن نفاد مخزونات الولايات المتحدة من عدة أسلحة رئيسية يخلق فرصة سانحة، "سيكون قد قام بمغامرة كبيرة وربما حمقاء". من جانبهم، قال مسؤولون عسكريون أميركيون، لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، إنّ النظام الإيراني أظهر مرونة هائلة، وقدرة على إلحاق أضرار جسيمة بالمنطقة والاقتصاد العالمي، وحتى الآن، لم يتم المساس بالمخزون النووي الإيراني.
وحذّر بعض المسؤولين الأميركيين في المقابل، من أن تصريح ترامب العلني بشأن تعليق هجومه على إيران، قد يكون مجرد تضليل، وأنه قد يمضي قدماً في شنّ الضربات. وذكّر المسؤولون بأن مسؤولين أميركيين وإيرانيين خططوا في فبراير/ شباط لجولة من المفاوضات قبل أيام فقط من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب. ونقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري أميركي، طلب عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، قوله إنّ إيران استغلت وقف إطلاق النار الذي دام شهراً مع الولايات المتحدة، لإعادة تهيئة العشرات من مواقع الصواريخ الباليستية التي قُصفت، ونقل منصات إطلاق صواريخ متنقلة، وعلى الرغم من الخسائر الفادحة، فقد عدّلت تكتيكاتها تحسباً لأي استئناف للضربات.
وأوضح المسؤول أنّ العديد من صواريخ إيران الباليستية كانت تُطلق من كهوف عميقة تحت الأرض، ومنشآت أخرى محفورة داخل جبال من الغرانيت يصعب على الطائرات الهجومية الأميركية تدميرها. ونتيجة لذلك، قصفت الولايات المتحدة في الغالب مداخل هذه المواقع، مما أدى إلى انهيارها ودفنها، دون تدميرها بالكامل، مشيراً إلى أن إيران تمكنت حتى الآن من إعادة فتح عدد كبير من تلك المواقع.
وتحدث المسؤول عن أن قادة إيرانيين، ربما بمساعدة روسية، درسوا أنماط طيران الطائرات المقاتلة والقاذفات الأميركية، محذراً من أنّ إسقاط طائرة "إف-15 إي" الشهر الماضي، وقصف طائرة "إف-35" بنيران أرضية، كشفا أن التكتيكات الجوية الأميركية أصبحت قابلة للتنبؤ بشكل كبير، مما أتاح لإيران الدفاع ضدها بفعالية أكبر. ولعلّ الأهم من ذلك، كما قال المسؤول العسكري الأميركي، أنه على الرغم من أنّ خمسة أسابيع من القصف المكثّف ربما أسفرت عن مقتل العديد من القادة والقيادات الإيرانية، فإن الحرب خلّفت خصماً أكثر صلابة وصموداً. وأضاف المسؤول أن الإيرانيين أعادوا تموضع العديد من أسلحتهم المتبقية، وغرسوا في نفوسهم اعتقاداً بأن إيران قادرة على مقاومة الولايات المتحدة بنجاح، سواء من خلال إغلاق مضيق هرمز بشكل فعّال، أو مهاجمة البنية التحتية للطاقة في دول الخليج المجاورة، أو تهديد الطائرات الأميركية.
وبين تلك الاعتبارات مجتمعة، ومع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تشارك الولايات المتحدة في تنظيمها الشهر المقبل، وتريد لها النجاح بطبيعة الحال، تأتي حسابات أخرى يضعها ترامب في الحسبان، وهي النظر بعين الاعتبار لرغبة الحلفاء في منطقة الخليج في عدم تأجيج الصراع من جديد، ومنح فرصة جديدة للدبلوماسية، علها تنجح هذه المرة في تسوية الصراع بما يضمن أمنهم.
العربي الجديد
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=199&id=205735