هذا ليس كورونا.. العالم يراقب هانتا بلا هلع
20/05/2026





سيرياستيبس 

الأرقام والبيانات الصادرة عن "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط، وما يعتريها من أزمات وصراعات تؤثر سلباً في الأمن، مما جعل التعامل مع التحديات التي تطرحها موجات اللجوء والنزوح بالغ الصعوبة، وعلى رأسها التحديات الصحية.
ما إن بدأت أنباء ظهور فيروس مميت في التواتر حتى بدأ القلق يتسرّب إلى الجميع، كلمة "فيروس" أصبحت الوجه الآخر للعزل والتباعد والإغلاق والمرض وبشكل أو بآخر خطر الموت. ذكرى كورونا لا تزال حاضرة وفاعلة، وعلى رغم أن "هانتا" ليس "كوفيد"، وعلى رغم أن الجهات والمؤسسات ووزارات الصحة في أغلب دول العالم تقف على قلب رجل واحد، وإن بلغات مختلفة، ممسكة بعصا تأكيد أن خطر الفيروس "الجديد" منخفض أو منخفض جداً، وأن كلاً منها يتبع إجراءات مشددة، ويلتزم تدابير مؤكدة، ويُبقي أنظمة الرصد والتتبع على أعلى مستوى، فإن كل ما سبق يؤدي إلى نتيجة واحدة، ألا وهي استعادة أجواء كورونا.

البداية متشابهة، ديسمبر (كانون الأول) 2019، الإبلاغ عن حالة الإصابة الأولى بالتهاب رئوي في مدينة ووهان الصينية، مع تأكيدات مستمرة حتى منتصف يناير (كانون الثاني) 2020 بأنه وفقاً للتقصي الوبائي الأولي، فإن معظم حالات الإصابة لأشخاص إما يعملون في سوق بيع المأكولات البحرية بالجملة في ووهان، أو يتعاملون معها، ويزورونها بشكل منتظم. تركزت الأخبار وقتها على تأكيدات الحكومة الصينية بأنه لا يوجد دليل واضح على انتقال الفيروس من شخصٍ إلى آخر، وأفادت المنظمة أنه لم يُبلغ عن أي حالة إصابة بالفيروس المستجد في أي مكان آخر غير ووهان.
في الأسبوع الثالث من يناير 2020، أعلنت المنظمة أن تفشي فيروس كورونا يمثل "حال طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً". وبقدوم مارس (آذار)، صنفته المنظمة رسمياً "جائحة عالمية"، وكان الفيروس قد انتشر في كل قارات العالم. ولأن ذاكرة الجائحة ما زالت حية في عقول وقلوب مليارات البشر، فإن أية إشارة إلى "فيروس" مع "مصدر حيواني" مع تقارير وإفادات على مدى الساعة من جهات صحية عالمية وتأكيدات من مؤسسات ووزارات وطنية بأن الوضع "ما زال" تحت السيطرة" يؤدي إلى الترقب المفعم بالقلق.
مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس قال مطلع مايو (أيار) الجاري إنه جرى الإبلاغ عن ثماني حالات، بما فيها خمس حالات إصابة مؤكدة بفيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "هونديوس" وقت وجودها في المحيط الأطلسي، مع وقوع ثلاث وفيات، وثلاث حالات يُشتبه في إصابتها. غيبريسوس كان حريصاً على عدم التهويل أو التهوين. "الحادثة تعد أمراً خطراً، إلا أن المنظمة تقيّم أخطار الصحة العامة الناجمة عن الوضع بأنها منخفضة".
الجهات الصحية والطبية الدولية تجمع على أن درجة الخطر الحالية "منخفضة" مع تأكيد أن الوضع متغير والاحتمالات تبقى مفتوحة. بحسب "المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها" التابع للاتحاد الأوروبي، حتى الـ16 الجاري، كان قد جرى الإبلاغ عن 11 حالة، منها ثماني مؤكدة، وحالتان محتملتان، وحالة واحدة غير مؤكدة، وأن خطر الإصابة على عموم سكان الاتحاد الأوروبي لا يزال منخفضاً للغاية.
خطر منخفض لكن قائم
وقبل أيام قليلة، قال متحدث منظمة الصحة العالمية في جنيف كريستيان ليندماير، إن خطر انتشار فيروس "هانتا" بالنسبة إلى سكان العالم يظل منخفضاً، وأن العدوى لا تنتشر بأي شكل يقترب من الطريقة التي كان ينتشر بها فيروس كورونا. قال ضمن محاولات الطمأنة وإنهاء أو تقليص عقد المقارنات بين أجواء ما قبل تحول كورونا إلى جائحة، والأجواء السائدة حالياً: "دعونا لا ننسى أننا حصلنا على نتائج سلبية للفحوص من أزواج كانوا على مقربة شديدة من المصابين، ومن مضيفة طيران تعاملت مع سيدة مريضة توفيت قبل أيام قليلة، وكانت تعاني وعكة صحية شديدة.
محاولة الإمساك بعصا الحرص مع الطمأنة من المنتصف بالغة الصعوبة. ليندماير قال "ينبغي لهذا الأمر أن يقنع الجميع الآن بأن الفيروس خطر، لكنه لا يشكل خطراً إلا على الشخص المصاب فعلياً، أما الخطر الذي يهدد عامة السكان، فيظل منخفضاً للغاية".
يؤرخ المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية التابع لـ"المكتبة الوطنية للطب" الأميركية الرسمية لاكتشاف "هانتا"، فيشير إلى أن الرصد الأول له كان خلال الحرب الكورية في أوائل الخمسينيات، وذلك حين أصيب ما يزيد على 3 آلاف جندي من جنود الأمم المتحدة المتمركزين بالقرب من نهر "هانتان" بمرض غامض. عانى الجنود "الحمى النزفية الكورية"، وهو مرض يسبب أعراضاً تشبه أعراض الإنفلونزا، مضافاً إليها نزيفاً داخلياً وفشلاً كلوياً.
واستغرق الأمر أكثر من عقدين لتحديد مصدر الفيروس، فبين عامي 1976 و1978 تمكن عالم الفيروسات الكوري الجنوبي وانغ لي من عزل الفيروس من فأر الحقل المخطط، وأطلق عليه اسم "فيروس هانتان"، نسبة إلى نهر هانتان في كوريا الجنوبية. وبين عامي 1981 و1982، نجح العلماء في استزراع الفيروس، وجرى الاعتراف به رسمياً، وأطلقت منظمة الصحة العالمية على الحالة المرضية المرتبطة به اسم "الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية".

 
المعلومات المحدثة من قِبل منظمة الصحة العالمية حالياً تشير إلى أن هانتا هو مجموعة من الفيروسات تحملها القوارض، ويمكنها أن تسبب المرض الوخيم للبشر، وعادة يصاب الأشخاص بالعدوى عن طريق ملامسة القوارض المصابة أو بولها أو فضلاتها أو لعابها. العدوى بالفيروس تسبب طيفاً من الاعتلالات، بما في ذلك المرض الوخيم والوفاة.
الفيروس ليس جديداً، والإصابات ليست الأولى. في أوروبا وآسيا تسبب فيروسات هانتا الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية. وفي الأميركتين يمكن لفيروسات "هانتا" أن تؤدي إلى متلازمة فيروس هانتا القلبية الرئوية، وهي اعتلال تنفسي وخيم، يصل معدل الإماتة فيه إلى 50 في المئة من حالات الإصابة. وفيروس "الأنديز" الموجود بأميركا الجنوبية، وهو أحد فيروسات "هانتا" المعروفة حالياً، التي وُثق انتقالها المحدود بين البشر في أوساط مخالطي المرضى.
حتى اللحظة، تركز وزارات الصحة والهيئات الصحية والطبية في الدول المختلفة، بما فيها الدول العربية، على تأكيد أن احتمالات وصول الفيروس منخفضة جداً، وأن الوضع "حتى اللحظة" مطمئن". وكما جرت عادة العصر الرقمي في عصر الأزمات الصحية، فإن السوشيال ميديا تحفل على مدى الساعة بـ"أخبار" و"أشباه أخبار" عن ظهور إصابة هنا أو حدوث وفاة هناك، بناء على منظومة القيل والقال.
وزارة الصحة والسكان المصرية مثلاً أصدرت بياناً قبل أيام جاء فيه أنها "تتابع باهتمام بالغ ما يجري تداوله في بعض وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي في شأن فيروس هانتا"، مؤكدة أن الوضع الصحي داخل مصر "مستقر وآمن تماماً، ولا توجد أي حالات إصابة مؤكدة بالفيروس داخل البلاد، وذلك وفقاً لنتائج الترصد الوبائي المستمر والمتابعة الدقيقة التي تقوم بها أجهزة الوزارة بالتنسيق مع كل الجهات الوطنية والدولية المعنية".
وأشار البيان إلى أن منظومة الترصد الوبائي المصرية تعمل بكفاءة عالية على مدى الساعة، وفي جميع منافذ الدخول والموانئ والمطارات، وبالتنسيق الدائم مع منظمة الصحة العالمية والجهات الدولية المختصة، لضمان التعامل السريع والفعال مع أي مستجدات وفق أحدث المعايير العلمية والوقائية.
خطوات مماثلة تصل لدرجة التطابق تتخذها وزارات الصحة في عديد من الدول العربية، وأغلبها الدول العربية المستقرة، حيث يسمح بعدها عن أماكن الصراع، أو أخطار النزوح واللجوء، بإمكان وضع خطط للرصد والتتبع والوقاية، وكذلك وضع استراتيجيات إعلامية وتوعوية خاصة بـ"هانتا".
الحروب والنزوح واقع مغاير
أما في أوضاع الصراعات واللجوء والنزوح والحروب، فالوضع يختلف كثيراً، وذلك لأسباب عدة، أبسطها يبدأ بسُبل الوقاية. بحسب منظمة الصحة العالمية، الوقاية من العدوى بفيروس "هانتا"، تعتمد في المقام الأول على الحدّ من مخالطة الأشخاص للقوارض، وتشمل تدابير "بسيطة" تتمثل في: الحفاظ على نظافة البيت ومكان العمل، وإغلاق الفتحات التي تسمح للقوارض بالدخول إلى المباني، وتخزين الطعام بشكل مأمون، واستخدام ممارسات التنظيف المأمونة في المناطق التي تلوثها القوارض، وتجنب الكنس الجاف لفضلاتها، وتعزيز ممارسة تنظيف اليدين بالماء النظيف.
لكن، ماذا عن مخيمات اللجوء والنزوح حيث لا فتحات يمكن إغلاقها؟ وماذا عن الأماكن المهدمة بفعل الحرب والقصف حيث أماكن المبيت في العراء أو تحت سقف بلا جدران؟ وماذا عن أماكن تخزين الطعام المتوفر في الهواء الطلق، وسُبل التنظيف سواء الجاف أو الرطب شبه معدومة، وغسل اليدين بالماء ممكن، وإن كانت جودة المياه أو عدم تلوثها غير مضمونة؟
في الـسابع من مايو الجاري، وفي سياق غير متصل مباشرة بـ"فيروس هانتا"، حذر مدير الصحة في "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (الأونروا) أكيهيرو سيتا مما يتعرض له بعض الأطفال في غزة ليلاً في أثناء نومهم داخل الخيام من عض الجرذان، وهو ما يفاقم المعاناة والأخطار التي يواجهونها، وهم وبقية سكان غزة أصلاً يعيشون أوضاعاً هشة، ويواجهون أخطاراً متزايدة بالإصابة بالأمراض نتيجة النزوح، واكتظاظ الخيام، ونقص المياه النظيفة، وتعطّل أنظمة الصحة البيئية. وأشار إلى أن "الأونروا" تعمل بشكل وثيق مع "منظمة الصحة العالمية" والشركاء المحليين، لمتابعة تزايد حالات الالتهابات الجلدية، وأخطار انتشار الأمراض، منوهاً بالحاجة الماسة إلى إدخال مزيد من الخيام والمبيدات الحشرية والأدوية إلى غزة.
وأشارت "الأونروا"، في بيان لاحق إلى أن انتشار القوارض والحشرات الحاملة للأمراض يفاقم أزمة الصحة العامة، ويقوّض الظروف المعيشية الهشة بالفعل، معيدة التحذير بأن "القوارض تغزو بشدة الملاجئ الطارئة، ومواقع النزوح والخيام، وتعض البعض، وتلوث أماكن المعيشة".
الأرقام والبيانات الصادرة عن "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط، وما يعتريها من أزمات وصراعات تؤثر سلباً في الأمن، مما جعل التعامل مع التحديات التي تطرحها موجات اللجوء والنزوح بالغ الصعوبة، وعلى رأسها التحديات الصحية.
خلّفت أزمة الشرق الأوسط آثاراً واسعة النطاق تتجاوز حدود المنطقة، وذلك مع تزايد التداعيات التي تطاول سلاسل الإمداد الإنساني العالمية وإيصال المساعدات، إذ أجبرت الارتفاعات الحادة في كلف النقل وتعطيل الشحن المفوضية على تعديل استراتيجيتها في مجال إيصال المساعدات.

 
منطقة الشرق الأوسط شهدت في الأعوام القليلة الماضية أكبر موجات نزوح ولجوء وهجرة قسرية، وذلك بسبب الحروب والصراعات. وبحسب "لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا" (الإسكوا)، جرى رصد أكبر زيادة في العدد المطلق للمهاجرين بين عامي 2020 و2024 في السودان الذي شهد هجرة ولجوء ما يزيد على 2.4 مليون شخص عام 2020، وما يقرب من 3.8 مليون شخص عام 2024. ومن بين 37.2 مليون مهاجر ولاجئ من الدول العربية، هاجر 18.1 مليون شخص داخل المنطقة عام 2024.
يقدر عدد اللاجئين والنازحين قسراً في المنطقة العربية جراء الحروب والصراعات بنحو 24 مليون شخص، منهم من عبر الحدود ليقيم في مخيمات أو أماكن استضافة في دول مجاورة، أو نزحوا إلى مخيمات في داخل الدولة، وبقوا فيها ما دام الصراع.
مخيمات اللاجئين والنازحين تمثل تحديات صحية جسيمة. الرعاية الصحية المقدمة لهم تكون محدودة للغاية، وكذلك إجراءات الوقاية من الأمراض المعدية، التي تنشأ لأسباب تتعلق بسوء الأوضاع المعيشية من نظافة واكتظاظ ومحدودية إتاحة المواد اللازمة من منظفات ومياه نظيفة وغيرها.
وإذا كانت الحروب والصراعات تدمر الأنظمة الصحية والبنى التحتية الصحية مثلما حدث في غزة والسودان واليمن مثلاً، فإن استمرارها يفاقم الأزمة، ويحدّ من برامج مكافحة الأمراض القائمة، والأمراض المعدية الناجمة عن ظروف المعيشة الصعبة.
أوراق بحثية عدة دأبت على التحذير على مدى أعوام من تجاهل التهديد الكبير الذي تطرحه فيروسات هانتا في مناطق النزاع ومخيمات اللاجئين والنازحين، وكذلك في الأماكن التي خفتت حدة الصراع فيها أو انتهى، لكن ظلت محرومة من الخدمات الصحية الأساسية، إذ يؤدي انهيار النظام الصحي أو تقلصه، وتضرر شبكات الصرف الصحي والاكتظاظ السكاني، وتدمير أماكن السكن الصحي، وانهيار الخدمات ومنها جمع القمامة والتخلص منها بطرق آمنة إلى انتشار القوارض على مقربة شديدة من أماكن وجود البشر، وهو ما يزيد بشكل كبير خطر انتقال فيروسات هانتا عن طريق استنشاق فضلات القوارض وبولها.
رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان محمد رفعت قال في تصريحات صحافية قبل أيام إنه على رغم استمرار الحرب والانهيار الواسع للخدمات، يشهد السودان عودة متزايدة للنازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، وذلك في مؤشر وصفته المنظمة الدولية للهجرة بأنه "بارقة أمل" في خضم واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
وقال إن معظم الأسر العائدة تتألف من النساء والأطفال، وإنها تعود إلى مدن "تعرضت للتخريب الممنهج والتدمير"، لا سيما في الخرطوم التي شهدت حصاراً دام عامين، وتدميراً منظماً للخدمات. وأضاف أن المنظمات الأممية والإنسانية حاولت على مدى العام الماضي تحسين خدمات المياه والصحة والتعليم، إلا أن "حجم الدمار يفوق بكثير القدرة التمويلية المتاحة حالياً".
بيئات عالية الأخطار
بحسب "المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية" التابع لـ"المكتبة الوطنية للطب" الأميركية، فإن العلاقة بين أماكن الحروب والصراعات والنزوح تخلق بيئات عالية الأخطار في شأن انتشار الفيروسات الناجمة عن وجود القوارض وفضلاتها. الحروب تدمر البنى التحتية، وتعرض البيئة للخطر، وتترك النفايات في الأغلب من دون إدارة صحية، وهذه تشكّل بيئة مثالية لتكاثر القوارض التي تحمل سلالات مختلفة من فيروس هانتا. ويضاف إلى ذلك عوامل الاكتظاظ وسوء التهوية وتلوث الأماكن المغلقة بالغبار الموبوء بمخلفات القوارض، وكل ذلك في ظل نظام صحي منهار، وخدمات محدودة.
وعلى رغم ذلك، يؤكد المتخصصون في الصحة العامة، والفيروسات، والفاشيات أن خطر تفشي "هانتا" عربياً منخفض أو منخفض جداً، بما في ذلك الأماكن المكتظة بالأفراد.
أستاذ الصحة العامة والأستاذ في الأكاديمية الطبية العسكرية في مصر طارق النجدي قال لـ"اندبندنت عربية" إنه حتى في الدول التي لا تنعم باستقرار يتيح لها اتباع سبل الوقاية والترصد والإبلاغ، تظل تتلقى قدراً معقولاً من الرعاية الصحية والطبية من قبل المنظمات الصحية الأممية والدولية التي تمتلك أنظمة رصد قادرة على مراقبة الأوضاع الصحية، واتخاذ الإجراءات اللازمة وقت الحاجة.
يشار إلى أن منظمة الصحة العالمية صنفت اللاجئين والمهاجرين باعتبارهم من الفئات أصحاب الاحتياجات الصحية الخاصة، وذلك بحسب ما يتعرضون له قبل وأثناء وبعد النزوح والهجرة، مشيرة إلى أن هذه الاحتياجات لا تتوافق دائماً والخدمات المتاحة في المجتمعات المضيفة.
وعلى رغم تأكيد المنظمة أن اللاجئين والمهاجرين لا يزيدون من خطر انتقال الأمراض المعدية في البلدان المضيفة، وأن الأخطار الصحية تنشأ من الظروف التي يواجهونها في أثناء النزوح، بما في ذلك محدودية الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والغذاء والمأوى والخدمات الصحية الأساسية، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة قابليتهم للإصابة بالأمراض، ومن ثمّ تخوف المجتمعات المضيفة من انعكاسات ذلك عليهم، لا سيما أن أغلب الدول المضيفة منخفضة ومتوسطة الدخل.

 
منظمة الصحة العالمية تقول إن هذه الظروف المعيشية الصعبة تزيد من أخطار الإصابة بالأمراض المعدية والإصابات العرضية وغيرها من الأخطار الصحية، وهو ما يعني أن تعزيز الوصول إلى الخدمات الصحية، وعلاج العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المؤثرة سلباً في الصحة أمر بالغ الأهمية، سواء لدعم اللاجئين والمهاجرين والنازحين صحياً، أو لتعزيز قدرة المجتمعات المضيفة على الصمود.
ويبقى سؤال مدى توافر الموارد والقدرات اللازمة على تقديم هذا الدعم مطروحاً. يوضح النجدي أن التجمعات الأكثر عرضة للإصابة هي المزدحمة والمغلقة وسيئة التهوية، وتلك التي لا تحظى بإجراءات نظافة دورية جيدة ومعتبرة، وهو ما يجعل كل أنواع المعسكرات، وكذلك السجون من الأماكن التي ترتفع فيها أخطار ظهور الفيروس وحدوث الإصابة، لكن النجدي يؤكد أن كل هذه الأماكن تتبع إجراءات دورية معروفة ومحكمة لمكافحة القوارض، وهي إجراءات تتكرر كل ثلاثة أشهر بمعدل أربع مرات في العام، مع تغيّر سُبل مكافحة القوارض من سم بطيء إلى سم سريع وغيرها، إضافة إلى إجراءات نظافة حاسمة وصارمة.
ويمضي النجدي في تأكيده أن الوضع تحت السيطرة، وأن احتمالات تحوله إلى وباء غير واردة إلى حد كبير جداً، مع تأكيد أن المقارنة بكورونا ليست واردة. يقول "يصاب بهذا الفيروس بين 50 و200 ألف شخص سنوياً، وأغلب الإصابات تكون في الأميركتين وآسيا، وعدد قليل جداً في أفريقيا"، مع الإشارة إلى أن فيروس الأنديز في أميركا الجنوبية، وهو أحد فيروسات هانتا، الوحيد الذي توثقت قدرته على انتقاله بين البشر في أوساط المخالطين.
ويشير النجدي إلى أنه حتى اللحظة لم تظهر حالات إصابة في المنطقة العربية، مع تأكيد دقة وسرعة عمل أجهزة الترصد العالمية التي تراقب الوضع في دول العالم من كثب.
بمعنى آخر، يظل الفيروس وعبء المرض مقتصرين، حتى اللحظة، على مناطق بعينها في آسيا والأميركتين وأوروبا، إضافة إلى أن العدوى نفسها تظل نادرة نسبياً، حتى قبل الإصابات التي جرى تسجيلها على السفينة.
وعلى رغم إصرار كثيرين على الربط بين أجواء ما قبل التأكيد الرسمي أن كورونا أصبح جائحة، والأجواء الحالية، فإن المتخصصين ينفون ذلك.
منظمة الصحة العالمية تكرر "هذا ليس كورونا"، وكذلك المتخصصون. يقول النجدي إن هناك فروقاً جوهرية بين الفيروسين، سواء في الأعراض أو المظاهر السريرية أو فترة الحضانة، إضافة إلى طريقة الانتقال، إذ ينتقل كورونا من شخص إلى آخر عبر قطرات الجهاز التنفسي التي يفرزها الشخص المصاب، في حين تنتقل فيروسات هانتا إلى البشر بملامسة بول أو فضلات أو لعاب القوارض المصابة الملوث، أو عن طريق لدغ القوارض، وإن كان ذلك أقل شيوعاً.
الوباء المعلوماتي
ومن لدغ القوارض، ومخلفات الفئران والجرذان إلى وباء من نوع آخر يعتبره النجدي الوباء الحقيقي، ألا وهو "الوباء المعلوماتي". يقول النجدي إن "الأخطر من خطر تفشي وباء صحي، أو الاكتظاظ في مخيمات النزوح واللجوء، أو الظروف المعيشية الصعبة في أماكن الصراع أو التي خرجت لتوها من الصراع، هو الوباء المعلوماتي، إذ التدفق الهائل والسريع لكميات ضخمة من المعلومات، الدقيقة وغير الدقيقة، التي تنتعش وتزيد بشكل لافت في أثناء الأزمات وحالات الطوارئ"، ويضيف "الوباء المعلوماتي ملغم بالأخطار، فهو يظهر بكل ما يحمله من معلومات، كثير منها مضللة على الإنترنت والسوشيال ميديا مع العلامات الأولى لأي أزمة أو مشكلة تثير القلق، وينتعش في أجواء قلة المعلومات الرسمية الموثقة، أو حين يتأخر المسؤولون الصحيون في إعلان الوقائع، أو حين يطلبون من الجمهور أن ينتظر لحين التيقن، وحيث إن الجمهور بات غير قابل للانتظار ما دامت مصادر ’المعلومات‘ متوفرة من قبل صناع المحتوى، وتلك الملايين التي تعيد المشاركة لمحتوى غير موثق، فإن الوباء المعلوماتي دائماً يسبق الوباء الحقيقي بخطوات".
ويؤكد النجدي أهمية "التواصل في شأن الأخطار" وهي عملية تبادل المعلومات والنصائح في الوقت الفعلي بين المتخصصين والمسؤولين والأشخاص المعرضين لتهديد أو خطر، ويهدف إلى مساعدة المجتمعات والأفراد على اتخاذ قرارات مستنيرة لحماية أنفسهم والتخفيف من آثار الخطر، سواء كان ذلك في أمور تتعلق بالكوارث الطبيعية، أو سلامة الغذاء أو الصحة العامة.

اللافت هذه الآونة هو أن ما يجمع بين سكان دول العالم المختلفة هو استحضار ذكريات كورونا الأليمة، سواء مباغتة الوباء للجميع، أو الإغلاق والعزل والتباعد وفقدان الأحباب وغيرها من الأحداث والإجراءات التي صنعت واقعاً جديداً لم تكن الغالبية مستعدة له. ويجمع بين كثيرين أيضاً سؤال يبدو غريباً ألا وهو "إلى أي مدى يجب أن نشعر بالهلع؟"، بل إن البعض ذهب إلى طلب تحديد درجة الهلع أو الخوف المطلوبة على مقياس متدرج من صفر إلى خمسة، حيث خمسة "هلع شديد" وصفر "من دون هلع".
من جهة أخرى، يطرح الحديث عن "هانتا" مخاوف تختلف باختلاف الدول والمجتمعات، فمن أماكن الصراع، ومخيمات النزوح، ودمار ما بعد الحروب إلى دول ومجتمعات قلقة على مصير قوارضها الأليفة، وذلك إضافة إلى مخاوف الفيروس بالطبع.
عديد من الشعوب يهوى تربية القوارض في البيوت، ومنهم البريطانيون حيث عدد كبير لديه قوارض أليفة، وعلى رأسها الجرذان والفئران والجرذان الصحراوية والهامستر والأغوطي والخنازير الغينية والشنشيلة. وتنتشر حال من القلق حول هذه "القوارض الأليفة"، ومقدار الخطر الذي قد تتسبب فيه، ناهيك بالقلق بين مربي القطط والكلاب الأليفة، وذلك تحسباً للمطاردات التي عادة تقوم بها هذه الحيوانات للفئران والجرذان، في حال كان يسمح لها بالوجود خارج البيت.


اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=144&id=205750

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc