مشاهدات من سوريا يقدمها الدكتور سمير سعيفان
سياسة حراس العرش أفقرت الساحل .. .وفي الغاب تشوه الريف .. وفي حماة وحلب الحكايا ممزوجة بالألم



 

سمير سعيفان - المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة

سيرياستيبس - خاص : 

وأنا أقرأ انطباعات  ومشاهدات الدكتور سمير سعيفان " الخبير الاقتصادي السوري المعروف " خلال جولة قام بها في عدد من المحافظات السورية , فإن أهم ما يستوقفك هو حاجتك العميقة والحقيقية والتي لاتخلو من شوق  , لتسمع أخبار سوريا ,  شغفك لمن يوصف وينقل لك مشهدا سوريا لا مناطقيا .. رؤيا وطنية للتنمية بعيدا عن التفاصيل الضيقة التي انهكتنا كسوريين   .. 
سأترك لكم متعة ما كاتبه الدكتور سمير سعيفان . وأعتقد أن رؤيا تنموية ستلحق بهذا الوصف الذي اعتمد على مشاهدات حقيقية ظهر بوضوح أنها مترابطة مكانياً واجتماعياً   .. 
يقول الدكتور سمير سعيفان : 

عن على مدى أسبوع بين الأربعاء 20 أيار والثلاثاء 26 أيار انطلقنا من دمشق في جولة في جزء من ربوع سورية ، وأجلنا أجزاء أخرى لجولات قادمة، يرافقني الصديق بشير البكر، كما رافقتنا الصديقة أسماء صائب أفندي في الجزء الأول من الجولة، وقد زرنا كل من حماه وحلب واللاذقية وطرطوس ومنطقة الغاب، وتجولنا في تلك المدن وأريافها، والتقينا أصدقاء ودارت أحاديث ونقاشات كثيرة، وعدنا ثانية الى دمشق وفي جعبتنا الكثير مما شاهدناه وشهدناه.
فماذا شاهدنا وشهدنا؟



حماة بعد سنوات عجاف

في حماه فرحنا برؤية نهر العاص ي وقد امتلأ ماءً بعد سنوات عجاف، وعادت نواعير حماه لتدور معلنة عن هوية المدينة، وزرنا حي الكيلانية الذي كان له النصيب الأكبر من الدمار في صراع النظام مع الطليعة المقاتلة في شباط 1982، وارتكاب النظا م لمجزرة ضد المدينة، حيث تقصد الأسد ذلك كي تكون درسًا للمدن الأخرى، بينما كان بالإمكان معالجة العدد الصغير من مقاتلي الطليعة دون اللجوء لكل ذاك العنف المفرط. ورغم الذكرى لم ندع المدينة قبل أن نزور باب النهر في حي "المدينة" حيث سكنت سنوات ثلاث خلال المرحلة الثانوية بين 1967 و 1970، وقد حزنت لأن واقع باب النهر سنة 1967 كان أجمل وألطف منه سنة 2026. ولم نغادر حماه قبل أن نتذوق حلاوة الجبن الحموية من محلات سلورة، متذكرين النكات حو ل حرب الحلاوة بين حماه وحمص، وأنا منحاز لحماه في هذه الحرب رغم صداقاتي الحمصية .
على طول الطريق بين دمشق وحماه لفت انتباهنا أن المنطقة الواقعة بين القطيفة وجندر قبيل حمص، يوجد مساحات واسعة من الأراض ي تكاد تخلو من العمران والى الشر ق منها تمتد البادية السورية التي تصل حدود العراق، وهذه المساحات الشا سعة لا يمكن أن تبقى باقية بدون استثمار سوى للرعي المعتمد على الأمطار التي تصبح قليلة في العقود الثلاث الأخيرة، رغم كرم السماء هذا العام الاستثنائي. ولهذه البادية نحتاج خبرة دولية مقترنة بخبرة محلية .



 حلب تبدو متعبة مثل دمشق

في الطريق الى حلب داهمتنا عاصفة مطرية قوية جدًا، وقد تسببت بسيول في عدد من المناطق، فالمطر الغزير هذا العام يذكرنا بالقاعدة التي تقو ل: كل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده، وقد نزلنا في فندق الشيراتون بحلب و كان رجال الأعمال الأتراك يملؤون الفندق، مما يعكس اهتمام قطاع الاعمال التركي بسورية لأكثر من سبب، فهو ينتظر انطلاق إعادة الإعمار، حيث يأمل أ ن تكون سورية ساحة عمل واسعة بالنسبة ل شركات مقاولاته وصادراته واستثماراته، وله مآرب سياسية أيضًا، فالاستثمارات هي أحد أذرع النفوذ، ومن مصلحتنا أن نجتذب الاستثمارات الأجنبية، ولكن وفق خطة وطنية تخضع الاستثمار لمتطلبات التنمية الوطنية، على أن تبقى الأولوية للاستثمارات السورية.
في حلب قابلنا الصديق الكا تب نيروز مالك ورجل الأعمال الصديق خليل نيازي، وتناولنا أوضاع مدينة حلب الصعبة، وخاصة قطاع الصناعة بها، مثلًا حدثنا خليل عن مصانعه الثلاث، وأن أحدها فقط يعمل بجزء من طاقته، فالسوق ضيق وقدرة الناس الشرائية محدودة.
تجولنا في مناطق وسط حلب وحي الجميلية، وقد جرفنا الحنين، صديقي بشير وأنا، فسرنا نحو حي محطة بغداد حيث سكنت أنا في سنتي الثالثة في كلية الاقتصاد كما سكن بشير في ذات الحي حين كان في كلية الزراعة بحلب، واتجهنا منها باتجاه السليمانية فالعزيزية حيث سكنت أنا هناك أيضًا.. وقد مض ى نصف قرن على ذاك الزمن،... نعم نصف قرن.
تجولنا في أحياء السبيل والمحافظة والشهبا ومنطقة الموكامبو، وكان من اللافت أبنية حلب التي تتميز باستخدام الحجارة والاهتمام بالمظهر الخارجي للمباني، فعدنا نردد أن حلب أجمل من دمشق، ولكن حلب تبدو متعبة مثل دمشق.
سررنا بعودة ساحة الحطب ومطعم السيسي وبيت الوكيل وعودة أجزاء من السوق القديم المعروف باسم "المدينة" الى النشاط، ولكن أصابنا اكتئاب حين مررنا بشارع التلل، ذاك الشارع الذي عرفته خلال النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين، وقد كان رمزٌ للأناقة والذوق الرفيع، وقد تحول الى بازار تكدست بضائعه الرخيصة بذوق رخيص وسط الشارع الى درجة أن السير يصبح به صعبًا.


في الطريق مدن منسية

أثناء اجتيازنا لمحافظة إدلب في طريقنا الى اللاذقية تذكرنا المدن المنسية وقلنا سنزورها زيارة خاصة لمدة ثلاثة أيام نتجول بين المواقع الأثرية الكثيرة جدًا، وتذكرنا هذه الثروة المنسية الضائعة، والتي تقف على فرصة ذهبية لإطلاق مشروع سياحي مستقبلًا يجعل من هذه المنطقة مقصدًا ناد رًا للسياحة الثقافية، خاصة وأنها منطقة هضاب حيث يبقى مناخها معتدل طيلة العام ، ويمكن ل ل حكومة أن تعد دراسة عن استثمار الطاقات السياحية في منطقة ا لمدن الميتة بحيث يشمل مشروع تطوير متكامل للمنطقة، يجمع بين مشاريع استثمارية كبيرة الى جانب أخرى متوسطة وصغيرة بحيث تقدم الدراسة معلومات وتوضيح واف تغري المستثمرين بالقدوم

الفقر قد حفر

في اللاذقية التقينا الصديقين الرسام منذر المصري وزميل العمل في مؤسسة الإسكان العسكرية المهندس مصطفى عنتبلي، وقمنا بزيارة ملاعب دورة المتوسط التي بنيت في ثمانينيات القرن العشرين وكلفت مبالغ طائلة لاستقبال دورة العاب المتوسط، ولكنها اليوم مهملة أي إ همال، كما قمنا بزيارة آثار مدينة "أوغاريت" في رأس شمرا، حيث وجدت الأبجدية الأولى وأول سلم موسيقى، وقد آلمنا اهمال ذاك الأثر العظيم لذي يمكن أن يكون مقصدًا سياحيًا دوليًا، يخلق فرص العمل ويدر دخلًا جيدًا على الخزينة. وبالطبع لا يمكنك أن تزور اللاذقية دون أن تأكل السمك مع كأس من العرق.
في قرية البودي التي تبعد عن اللاذقية 40 كم قمنا بزيارة الصديق الروائي نبيل سليمان. وكانت فرصة لأن ندخل في عمق الريف الساحلي، وكان الفقر هو السمة البارزة للمنطقة، وذهبنا الى "القرداحة" القريبة من "البودي" وقد تفاجأنا ببؤس هذه المدينة وفقرها ،وكانت المفارقة بين واقعها البائس وبين الصورة التي تكونت لدى السوريين عنها كونها بلدة حافظ أسد، وكان ظن البعض أن "شوارعها من ذهب "، فإذا بها بلدة بائسة بؤس بقية مناطق سورية. وهذا وضع أمام أعيننا حقيقة أن حافظ أسد لم يهتم بتنمية المنطقة كي يبقى أبناؤها حراسً ا لعرشه في دمشق.. كما أن كبار المتنفذين من أبناء المنطقة في عهد الأسد ،الذين أثروا على حساب الشعب، لم يقيموا أي مشروعات في الساحل سوى بناء بيوت كبيرة كانت تنتصب كعورة وسط بؤس قراهم، دون أن تنال بيوت القرية البائسة أي نفع منهم، وقد هربوا بأموالهم الى الخارج. مخلفين ورائهم بؤس الباقين غير القادرين على الهجرة، لتنال منهم نزعة الانتقام . وبالتالي بقيت تلك المنطقة عذراء تحتمل استقبال مشروعات جديدة كثيرة


جبال الساحل، باقية بدون خدمات

في طرطوس كان الصديق نبيه النبهان في انتظارنا، وللأسف فقد سهت عنه الكاميرا، فلم تلتقط له أ ي صورة ...
وقد توسعت طرطوس كثيرًا عن آخر مرة زرتها، وقد تذكرت م شروع ربط ميناء طرطوس بميناء أم قصر العراقي على خليج البصرة، ربطها بمشروع نقل سككي، والذي تقدمت به مجموعة الغرير الإمارتية سنة 2008، غير أن رئيس الوزراء آنذاك ناجي العطري رفض مناقشة المشروع لمعرفته المسبقة أن بشار الأسد لن يوافق على مثل هذا الربط، لأن إيران لا تريد لمثل هذا الربط أن يتم، ويعود هذا المشروع اليوم ليطرح من جديد، ونأمل أن يتم.
ومن طرطوس توجهنا برفقة نبيه نحو قرية "الملاجة" حيث ينتظرنا محمد كامل خطيب في بيته الذي بناه من طابقين منذ عدة سنوات بعد أن قرر هجرة دمشق التي أ مض ى بها نصف قرن ونيف، وجعل الدور اول لمكتبته الضخمة بينما يقيم في الدور الثاني. والملاجة مجموعة من البيوت المتناثرة بين الأحراج على منطقة واسعة نسبيًا
استقبلنا محمد الخطيب بشرح لمحتويات مكتبته الضخمة والغنية، وأظن أنها أكبر مكتبه فردية في سورية ،وقد قال محمد لي في 2010 أنه قد عرض عليه 25 مليون ليرة س ورية ثمنًا لها، أي أكثر من 500 ألف دولار ،ولكنه رفض بيعها وها قد أحضرها معه الى بيته المرمي بين أحراج الملاجة. وخرجنا مع محمد في جولة على المنطقة الساحرة بجمالها، وهي ككل جبال الساحل، باقية بدون خدمات، وسمتها العامة الفقر. والأهم هي فرصة كبيرة لمشاريع سياحية.

في بيت محمد التقينا بمجموعة من أصدقائه من أبناء الم لاجة من كبار السن اليساريين، وجرت نقاشات واسعة حول الأوضاع الاقتصادية والسياحية في سورية وحول مستقبل سورية وح ول أوضاع الساحل الصعبة جدً ا ومعدلات الفقر المرتفعة جدً ا، واضطرار ضباط كبار وموظفين كبار إلى اعمال لا يمكن تصورها كالوقوف في الطريق العام يبيع ربطة خبز يربح بها ربع دولار.

إحياء الأكروبوليس في الغاب


في طريقنا الى السقيلبية مركز منطقة الغاب سلكنا طريق الدريكيش - مصياف، وأثناء تجوالنا في أرياف الساحل كان بشير يبدي دهشته من جمال هذه المناطق واتساعها وبذات القت إهمالها. وفي مصياف توقفنا من أجل زيارة قلعة مصياف التي رممها الأغا خان بين 2001 و 2005. ورغم كل ش يء، أبدي إعجابي بمنظمة الأغا خان ،التي تقوم بمشروعات صغيرة كثيرة في عدة بلدان، ومنها سورية. وأتساء ل: لماذا لم تقم في سورية أي مؤسسة مشابهة؟
من مصياف اتجهنا نحو سهل الغاب، وفي الطريق بقرب بلدة سلحب توقفنا بجانب تنور ينتصب الى جانب الطريق وتخبز عليه سيدة يبدو أنها مهجرة من قرى شرقي حمله، واشترينا بعض ا لأرغفة،
وعبرنا سهل الغاب من جنوبه إلى شماله بمسافة نحو 60 كم، ومررنا على بلدتي السقيلبية الواقعة على الهضبة الشرقية لسهل الغاب، ومررنا على قرية "الكريم" التي دمرها النظام عن بكرة أبيها خلال سنوات الحرب، وتابعنا باتجاه بلدة عين الكروم التي تحتضنها الجبال، واتجهنا شمالًا ولم نتجاوز بلدة شطحة الواقعة على السفح الشرقي للجبال الساحلية، ثم سلكنا الطريق الذي يعبر سهل الغاب من غربه الى شرقه نحو 20كم، حيث تقع جبال الأربعين على حدوده الشرقية، وقد شهدنا البناء العشوائي الذي يزحف على الأراض ي الزراعية، وقد أبدى صديقي بشير دهشته أمام غنى هذا السهل الكبير، فهي المرة الأولى اتي يزور بها منطقة الساحل أو هذه المنطقة، وكالعادة دار الحديث بيننا حول موضوع تطوير الغاب وفرص هذا التطوير، وتبادلنا الرؤى حول إمكانية الحصول على مشروع من الاتحاد الأوروبي لدراسة إطلاق مشروع الأكروبوليس في الغاب الذي تم العمل عليه من قبل، ولكن بقي أسير الاجتماعات، وآفاق تطور مؤسسة دينار للتنمية البشرية اتي أسستها بدمشق وفتحت لها فرع في الغاب، التي تعنى بقضايا الاقتصاد وفرص العمل وفرص النمو في منطقة الغاب.

تطور مشوه للريف 
 
في بلدة "شطحة " طلب منا أ حد المواطنين أن ننقله معنا الى بلدة " رصيف شطحة "، وفي الطريق سألناه عن تربية الجاموس التي اشتهرت به شطحة فأجابني أن أهل شطحة تخلوا عن تربية الجاموس فلا أحد يقبل أن يرعى الجاموس اليوم، وهذا مجرد مثال صغير عن التطور المشوه للريف في سورية البعث.
ثم مررنا بزيارة قصيرة لكل من قلعة المضيق المتربعة ع لى رأس التل، ومدينة أفاميا الأثرية بقربها، والتي بناها )312 ق.م( الإمبراطور سل وكوس نيكاتور، أحد قادة الإسكندر الكبير، وأسماها على اسم زوجته الفارسية
"أبامي" وقد أبدى رفيقي بشير دهشته للقلعة التي مازالت محافظة على أسوارها، وقد تهدمت بعض بيوتها خلال الزلزال ودهشته بالمدينة الأثرية الكبيرة التي مازال ت، رغم الاعتداءات والسرقات الكثيرة وخاصة خلال سنوات الحرب، محافظة ع لى الجزء الأكبر من مكوناتها التي مازالت مطمورة تحت اكوام التراب، ويمكن أن تشكل مقصدً ا سياحيً ا ه امً ا يفوق تدمر يسهم بإحياء المنطقة. وهي مهملة اليوم كليًا ويستطيع أي كان أن يأخذ منها أي حجر او حتى تاج عمود.
انتهى بنا المطاف في بلدتي السقيلبية، حيث التقينا الأصدقاء منذر سليمان وطلال العبدالله وعبدو عطية، وبالطبع أخوتي وأخواتي، وكانت موضوعات نقاشاتنا مختلفة إذ دارت حول الديانة المسيحية وقد تحدث طلال حول التزوير التاريخي الذي جرى بنسبة الم سيح الى اليهودية، بينما هو سور ي تكلم الآرامية ولا علاقة له باليهودية، ولا بالتوراة التي أسموها زو رًا "العهد القديم" ، بل جاء المسيح ليعا رض بالمحبة الديانة اليهودية التي تدعو للقتل والذبح لكل ما هو مخالف، وقد تمنينا على الصديق طلال العبدالله أن يعد دراسة حول هذا الموضوع اهام بهذه النظرة الجديدة.

ركود الأعمال بشهادة الشاحنات

خلال تجوالنا لاحظنا أن الطرق التي تربط بين المدن ليست جيدة، ولكنها ليست سيئة، آخذين بالاعتبار أن سورية قد خرجت من حرب للتو، ولكنه يشير أيضأ الى ان الحكومة م تفعل أشياء كثيرة بعد، وقد يكون الزمن مبكر، ولكن الناس تنتظر. والعدد القليل من السيارات والشاحنات التي تسير على أوتوسترادات دمشق - حلب ،وحلب - اللاذقية، واللاذقية – طرطوس، وطرطوس - حمص، كلها تشير الى ركود الاعمال، وإلى أن الوضع الاقتصادي في سورية مازال صعب، ولكن من جهة ثانية مشاهداتنا لمئات الصهاريج التي تنقل النفط الخام من العراق الى ميناء بانياس، تذكرنا بأهمية موقع سورية الذي لم يستغل بشكل جيد، وهي فرصة للعمل عليها، وقد أبرزت حرب الخليج الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز هذه الأهمية ،ومن جهة ثالثة مشاهداتنا لعشرات شاحنات الترانزيت تنقل الأغنام الأوروبية ربما إلى السعودية، وهي تسير في كونفوي مع مرافقة، وهذا يعيد إحياء فكرة طريق أوتوستراد دولي جديد مدفوع تقيمه شركة استثمار لمدة ربع قرن، يربط الحدود التركية مع الحدود الأردنية ويمر من خارج المدن وتوقعات توسعاتها
.
تبدو الحكومة وكأنها مرتاحة لسلبية المجتمع

في الطريق الى حلب مررنا بمدينة خان شيخو ن، فتذكرت يوم زرناها مع كفرنبودة والهبيط وقلعة المضيق في عيد الفطر الماض ي مع بعض أصدقاء من السقيلبية للمعايدة على بعض الأصدقاء هن اك، وشاهدنا كم الدمار الهائل الذي باق حتى الآن بانتظار مشاريع إعادة الإعمار، وقد شاهدنا بعض المزارعين وقد عاد إلى أرضه ونصب خيمته بجانب بيته المدمر بانتظار الموسم كي يبدأ بإعادة إعكار بيته بماله الخاص . وفي حلب لم يكن لدينا الوقت لزيارة ا لأجزاء المدمرة الواسعة من حلب والتي تنتظر مشاريع إعادة الإعمار. وحين مرورنا في أراض ي محفظة إدلب لم نمر على أ ي من البلدات المدمرة، ولم نقم بزيارة المناطق المدمرة شمال اللاذقية، والتي تنتظر مع بقية المناطق العديدة المدمرة في سورية، انطلاق مشروعات إعادة الإعمار التي لم تتحرك حتى الآن. وخلال مناقشاتنا مع الأصدقاء برز السؤل: ماذا ننتظر الخارج من أجل إ ط لاق إعادة الإعمار بإمكانياتنا الذاتية حتى لو كانت قليلة، رغم أننا نعلم أنه يحتاج لمليارات كثيرة لا نملكها، ولكن انتظارنا قد يكون يشبه انتظار عودة غودو في مسرحية صموئيل بيكيت "في انتظار غودو، أو انتظار قطار فيروز في مسرحيتها "المحطة"، فلو بدأنا بمناقشة جماعية لم ا يمكن فعله لخرجنا بمبادرات عديدة في كل بقعة من سورية تشكل بتراكمها قوة تطلق إعادة الإعمار بسرعات متزايدة، مع استمرار جهودنا لاستقدام الدعم العربي والدولي.
من اللافت أن المجتمع مبعد ، وكأن لا علاقة له بمصيره، فلا يبادر، عدا بعض النخب، وينتظر ماذا ستقدم له الحكومة، وتبدو الحكومة وكأنها مرتاحة لسلبية المجتمع، فلا تريد أن يبادر أحد بأي مبادرة كي تبقى المبادرات محصورة بالمؤسسات الحكومية فقط لأن المجتمع المبادر، إن لم يكن خطي رًا، فإن إدارته صعبة. بينما يقول العقل الراجح أن مصاب سورية يحتاج الى تضافر جهود المجتمع قبل جهود الحكومة التي تدير القدرات التي ينتجها المجتمع.

مدن يلفها البؤس
 
في كل مدينة زرناها يظهر البؤس على الناس في الشوارع... الوجوه الشاحبة التي يغيب عنها السرور... ومن جهة أخرى تمتلئ مطاعم ومقاهي النخبة وهم "يؤركلو ن". وتفتقد كافة المدن والبلدات الى النظافة، وحتى أحياء اغنياء ليست نظيفة، ولكنها أكثر نظافة من أحياء الفقراء التي تتكوم بها القمامة، فالسياسات الطبقية مستمرة.
مازالت ذات الثقافة التي كرستها سياسة البعث الأسد مستمرة، فالناس تنتظر الحكومة وقراراتها وسياساتها وأفعالها وأموالها، بينما قدرات الحكومة محدودة اليوم.
خلال جولتنا مررنا على العديد من نقاط تفتيش الأمن العام، وكان تعاملهم حسن، ورغم قناعتنا بأن الحاجة لنقاط التفتيش مازالت مستمرة، ولكن مظهرها ومظهر عناصر الأمن العام يحتاج لعمل كثير سواء تجهيز نقاط التفتيش ذاتها، أو لباس ومظهر العناصر، كي يوحي أن سورية في طريقها لل معافاة. وفي إحدى نقاط التفتيش سألنا أحد العناصر بكل ادب إن كنا نستطيع نقله معنا في طريقنا الى مقصده التالي، وقد رحبنا بالطبع، وخلال الحديث معه، تبين أنه قد جاء من منطقة بعيدة عن مكان خدمته، وأنه يتقاض ى 200 دولار شهريًا وأنها لا تكفيه لعيش كريم، وأنه أمي لم يدخل المدرسة قط، وهذا يطرح سؤال كبير عن مدى أهليته ليكون عنصر في نقطة تفتيش، وعندما سألته لماذا لا يعدون لكم دورة محو أمية أجابني بأن لا أحد يهتم.
من كل ما شاهدناه وشهدناه،  نرى بوضوح إمكانيات النمو الكبيرة التي تملكها سورية، وقد مررنا على البعض منها خلال تجوالنا هذا، بينما الإهمال كان هو السيد، وبدا من الواضح أن ممكنات كبيرة متوفرة لنمو سورية وتطورها ويمكن ان تلعب بها قطاعات الزراعة والسياحة والنقل والصناعة دور القطاعات القاطرة للنمو، ونأمل جميعًا أن نرى تلك الفرص الكثيرة وقد بدأت تتحول الى مشروعات تخلق فرص عمل بدخول جيدة تسهم في نمو سوريا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا.
وصباح يوم الثلاثاء 26 أيار اتجهنا الى دمشق لنختتم رحلتنا فيها كي نروي لكم مجرياتها.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=205828

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc