سيرياستيبس :
بدأت سوريا تطبيق قانون جمارك جديد يستهدف تبسيط الإجراءات وزيادة الإيرادات ومحاربة الفساد، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار وتوسع الاستيراد وتأثير الرسوم الجديدة على الإنتاج المحلي والمعيشة.
بدأت سوريا مطلع الشهر الجاري تطبيق قانون الجمارك الجديد رقم "109" الذي حل، بموجب مرسوم رئاسي، مكان قانوني الجمارك 37 و38 لعام 2006، وجرى البدء بتطبيق المرسوم رقم 110، الذي يتضمن جدول التعرفة الجمركية المتناسقة.
ويهدف قانون الجمارك الجديد إلى تنظيم العمل الجمركي في البلاد التي تبنت اقتصاد السوق بعد سقوط نظام الأسد البائد، وإعادة الهيكلة الإدارية وتعزيز الرقابة على الحدود.
وتتطلع الحكومة السورية، من خلاله، إلى تطبيق تعريفة جديدة من شأنها تبسيط إجراءات التخليص الجمركي، مما سيرفع القيمة الإجمالية للرسوم الجمركية نتيجة ارتفاع مستوى كفاءة تحصيلها، ومحاربة الفساد الذي كان يكتنف كل مفاصل العمل الجمركي بسبب التعريفة الجمركية المعقدة والبنود الجمركية الكثيرة.
وبموجب القانون الجديد، فإن الرسوم الجمركية ارتفعت بصورة رئيسة على السيارات والتبغ والسلع التي لها بدائل محلية بهدف حماية المنتج المحلي، في المقابل خُفضت الرسوم أو تثبيتها على المواد الأساس، فانخفضت الرسوم على البقوليات والحليب والسمن، وانخفضت الرسوم الجمركية على الأدوية الجاهزة والمواد الأولية الداخلة في الصناعات الدوائية، وبالنسبة إلى مواد البناء خُفض رسم طن أسمنت "الكلينكر"، في حين بقيت رسوم الحديد على حالها.
هيكلة إدارة الجمارك ومنحها استقلالية كاملة
ويؤكد اقتصاديون لـ"اندبندنت عربية" أنه إذا ما اعتمدت الحكومة السورية في العمل الجمركي على الرقمنة، فإن ذلك سيسهم في تقليل التهرب الضريبي بصورة كبيرة، والذي يفوت مبالغ طائلة على خزانة الدولة، إلا أنهم حذروا من تأثيره في الأسعار وتعزيز موجات الغلاء التي تشهدها البلاد نتيجة تراجع سعر صرف الليرة وتأثر التجارة الخارجية بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وزيرة الاقتصاد السابقة والمحللة الاقتصادية لمياء عاصي أوضحت أن تطبيق قانون الجمارك والتعريفة الجمركية الجديدة سيكون له آثار في الأسواق وارتفاع أسعار السلع، وقد تشهد الأسواق المحلية بعض الضغوط السعرية القصيرة الأمد بسبب اختلاف سعر التعرفة الجمركية الجديدة وارتباك الأسواق نتيجة لذلك، ولكن بحسب تصريحات مسؤولين في إدارة الجمارك، فإن كثيراً من المواد الاستهلاكية الأولية ستنخفض تعريفتها الجمركية مثل السكر والبقوليات والزيوت وغيرها، مع التركيز على دعم الصناعة الوطنية، في حين ارتفعت الرسوم الجمركية على بعض مواد البناء المستوردة لحماية الصناعة المحلية، إذ شهدنا قبل فترة أزمة تطاول هذه الصناعات بسبب منافسة الأجنبي لها بصورة كادت تجبرها على الإغلاق.
عاصي قالت إن أهم مزايا قانون الجمارك الجديد أنه يعد خطوة مهمة في تحديث العمل الجمركي، فقدم القانون في مواده إعادة هيكلة إدارة الجمارك ومنحها استقلالية كاملة، وأصبحت إدارة الجمارك تابعة لرئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، بعدما كانت تابعة لوزارة المالية، ودُمجت عدة مؤسسات وهي الجمارك والمنافذ الحدودية والموانئ والمناطق الحرة، والهيئة العامة للمنافذ والجمارك التي تتبع مباشرة لرئيس الجمهورية، مشيرة إلى أن الأهداف الرئيسة لهذا التغيير تكمن في تسريع إجراءات التخليص الجمركي، وتوحيد الرقابة على المنافذ الحدودية وتعزيز مكافحة التهريب، وتحسين الإيرادات الحكومية من خلال إدارة أكثر كفاءة وشفافية.
إضافة إلى ذلك، فقد صدر المرسوم 110 وفيه جرى اعتماد تعريفة متناسقة وتوحيد للبنود الجمركية بما يتوافق مع النظام العالمي، كما أنه يشكل أحد متطلبات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
1.9 مليار دولار إيرادات جمركية متوقعة عام 2026
وزير المالية السوري محمد يسر برنية قال خلال الإعلان عن موازنة الدولة لعام 2026، إن 80 في المئة من إيرادات الخزانة ستكون من الرسوم الجمركية والضرائب والنفط، ولدى سؤال الوزيرة السورية السابقة في ما إذا كان قانون الجمارك سيكون قادراً على رفد الخزانة بالإيرادات المأمولة، أوضحت أن هناك توقعات بأن تسهم التعريفة الجمركية الجديدة بتحسن واضح في الإيرادات العامة، إذ إن التقديرات الرسمية للإيرادات الجمركية في العام الحالي بلغت نحو 1.9 مليار دولار أميركي، تمثل نحو 21.8 في المئة من إجمال الإيرادات العامة المتوقعة التي تقدر بنحو 8.716 مليار دولار أميركي، أما في عام 2025 فشكلت الرسوم الجمركية نسبة 39 في المئة من الإيرادات بقيمة إجمالية بلغت نحو 1.36 مليار دولار أميركي تقريباً، بالتالي نلاحظ زيادة في القيمة المطلقة لإجمال الإيرادات الجمركية، ولو تدنت نسبتها من إجمال الإيرادات العامة.
وأضافت، بكل الأحوال، إن التعريفة الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يونيو (حزيران) الجاري، ستساعد في تبسيط إجراءات التخليص الجمركي، مما سيرفع القيمة الإجمالية للرسوم الجمركية نتيجة ارتفاع مستوى كفاءة تحصيلها ومحاربة الفساد الذي كان يكتنف كل مفاصل العمل الجمركي، نتيجة التعريفة الجمركية المعقدة والتي تعتمد البنود الجمركية الكثيرة، وإذا اعتمد العمل الجمركي على الرقمنة كما هو مفروض، فإن ذلك سيسهم في تقليل التهرب الضريبي بصورة كبيرة.
مليار دولار مستوردات سوريا شهرياً
ولكن هل هناك خشية من تحول سوريا إلى دولة مستوردة ومرتفعة الأسعار على حساب تراجع الإنتاج المحلي؟ تجيب الوزيرة السورية السابقة قائلة "نلاحظ من خلال تغير فاتورة الاستيراد أن إجمال المستوردات لعام 2024 ارتفع من 3.87 مليار دولار أميركي إلى 6.82 مليار دولار أميركي في عام 2025، بينما بلغت نحو مليار دولار أميركي شهرياً في عام 2026، وهذا النمو بالمستوردات هو نتيجة سياسة الانفتاح التجاري التي تبنتها الحكومة الجديدة، وبالتأكيد فإن انخفاض إجمال الصادرات، إذ لم تتعد 0.87 مليار دولار أميركي، التي يشكل تصدير الخضراوات والفاكهة والمواد الخام نسبة كبيرة منها، أدى إلى عجز تجاري كبير".
عاصي أكدت أن هذا الإفراط في الاعتماد على الاستيراد سيفرض آثاراً سلبية، أهمها استنزاف العملة الأجنبية، مما يؤثر سلباً في سعر الصرف للعملة المحلية، وعدم القدرة على خلق فرص العمل نتيجة تراجع الإنتاج المحلي في قطاعي الصناعة والزراعة، مما يعوق جهود الحد من الفقر، إذ بلغت نسبة الفقراء في سوريا أكثر من 80 في المئة، بحسب تقارير دولية، إلى جانب انخفاض زراعة محاصيل رئيسة، وهذا يجعل البلد عرضة لتقلب الأسعار العالمية، مما يهدد أمنه الغذائي.
ارتفاع الأسعار قبل البدء بتطبيق التعريفة الجديدة
على رغم أن تطبيق المرسوم رقم 110 لعام 2026 الخاص بالتعريفة الجمركية المتناسقة بدأ تطبيقه في الأول من الشهر الجاري، فإن الأسواق المحلية تفاعلت معه منذ لحظة صدوره، إذ بدت الارتفاعات واضحة في المواد الغذائية الرئيسة مثل الزيت والسكر والرز وغيرها من المواد التموينية المستوردة والمنتجة محلياً، في حين ارتفعت أسعار التبغ والدخان بصورة حادة وصلت في بعض الأحيان إلى نسب تضاعفت بأكثر من 100 في المئة نتيجة رفع رسوم الإنفاق الاستهلاكي وتعديل التعرفة الجمركية، مما دفع السوريين إلى استهلاك المنتجات المحلية مثل دخان "الحمراء" والمعسل الوطني، ولكن نتيجة ارتفاع الطلب عليه ارتفعت أسعاره أيضاً في بلد ينتشر فيه التدخين بنسب عالية جداً.
أمين سر جمعية حماية المستهلك عبدالرزاق حبزة وصف قانون الجمارك الجديد بأنه عادل ومنصف، وليس كما يروج له بعض التجار، ومن شأنه أن يساعد في تحسين إيرادات الدولة ويعطي استقلالية لعمل الجمارك، كما يتضمن عدداً من التسهيلات والإعفاءات للتجار الذين لديهم بضائع محجوزة، إذ بات بإمكانهم إجراء تسوية عليها، بالتالي رفد السوق ببضائع إضافية تسهم في زيادة العرض في السوق.
مشيراً إلى أن بعض التجار يستغلون أي قرار حكومي يصدر ويحرفون مضمونه الحقيقي من أجل رفع الأسعار وتحقيق مكاسب على حساب لقمة المواطن، وبخاصة أن صدور المرسوم جاء تزامناً مع حصول ارتفاع يومي في سعر الصرف ووصوله بصورة مفاجئة إلى 14 ألف ليرة.
مواد البناء ترتفع على رغم خفض رسومها
وبمتابعة "اندبندنت عربية" لأسواق البناء، كان واضحاً ارتفاع أسعار الأسمنت ومواد البناء المرتبطة به، على رغم خفض رسم الكلينكر "المادة الخام الأساس للأسمنت" من 13 إلى سبعة دولارات للطن.
ولوحظ ارتفاع في أسعار السيراميك والرخام والأدوات الصحية نتيجة ارتفاع رسومها بنسب تراوح ما بين 5 و20 في المئة، في المقابل جرى تخفيف الرسوم على المواد الخام ومدخلات الإنتاج، ورفعها على المنتجات الجاهزة المستوردة بهدف حماية الصناعة المحلية.
ولكن كيف يمكن لمادة انخفضت رسومها أن يرتفع سعرها كالأسمنت؟ المتخصص العقاري سامر صالح أوضح أنه وبمجرد صدور اللائحة الجديدة للرسوم الجمركية بدأت الأسعار ترتفع حتى بالنسبة إلى المواد التي جرى خفض رسومها، وبصورة مستغربة، متوقعاً أن يتسبب ذلك في ارتفاع كلفة البناء في البلاد، لافتاً إلى أن كلفة بناء الهياكل والإكساء في سوريا ارتفعت أخيراً بنسب تراوحت ما بين 30 و50 في المئة.
هواجس تتعلق بالمناطق الحرة وغرامات تتناسب مع قيمة العملة حالياً
قانون الجمارك الجديد احتوى على تغييرات أساس، أهمها مراجعة قيم غرامات المخالفات الجمركية لتتناسب مع قيمة العملة، وتعديل أسس التقييم الجمركي، إلى جانب السماح بتأسيس شركات للتخليص الجمركي كشخصية اعتبارية.
مع الإشارة هنا إلى أن القانون أثار نقاشات واسعة وتخوفات من تأثير بنود معينة، مثل منع دخول بضائع محددة إلى المناطق الحرة، وانعكاس ذلك على القدرة الشرائية للمواطن ومرونة الأسواق، كما أن رفع رسوم بعض المواد الأولية كالأقمشة والخيوط سيؤثر حكماً في كلفة الإنتاج المحلي.
محمد دالاتي تاجر مستورد رأى أن قانون الجمارك الجديد والتعريفة الجمركية المعدلة يشكلان خطوة عادلة ومنصفة تهدف إلى تحسين إيرادات الدولة ومنح استقلالية لعمل الجمارك، وتسريع عمليات التخليص وإنجازها خلال أيام، في حين كانت تستغرق أشهراً سابقاً، محذراً من حدوث موجات تضخم مع بدء تطبيق الرسوم الجمركية، وبخاصة مع ارتفاع سعر صرف الدولار ووصوله إلى 14 ألف ليرة، واضطرار التجار إلى التحوط، وبخاصة أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة ما زالت قائمة وهناك صعوبات في الاستيراد.
مشيراً إلى أن القانون صدر ضمن ظروف صعبة، مما قد يؤثر في قدرة التجار على الاستيراد والتخزين، لافتاً إلى أن القيود التي يفرضها القانون على المناطق الحرة ستحد من قدرة المستوردين والتجار على التخزين وإعادة التصدير، وهذا التأثير قد يمتد إلى عزوف بعض التجار عن الاستيراد ولو مرحلياً، مما قد يؤدي إلى نقص في بعض البضائع وحدوث حالات احتكار، من دون أن يستبعد اتساع عمليات التهريب نتيجة ارتفاع الرسوم الجمركية التي طاولت بعض المواد، مما يحرم خزانة الدولة من أموال مستحقة لها.
وأوضح أن ارتفاع الرسوم على المستوردات يعني حماية للصناعة المحلية، ولكن الصناعيين يعتمدون بصورة كبيرة على استيراد المواد الأولية، مما يعني ارتفاع كلفة مدخلات الإنتاج وارتفاع أسعار المواد النهائية بصورة يصعب معها المنافسة.
منع إدخال البضائع الإسرائيلية قرار سيادي
دالاتي، وحول تأثيرات المادة 112 التي تنص على منع إدخال البضائع الإسرائيلية والبضائع المقبلة من دول تخضع لمقاطعة اقتصادية، أكد أن ذلك يشكل موقفاً سيادياً للدولة، ولكن يمكن أن يؤدي إلى توتر العلاقات التجارية، خصوصاً مع الدول المجاورة وتردد المستثمرين الأجانب في الدخول إلى سوريا، وخصوصاً الشركات المتعددة الجنسيات، خوفاً من التعرض للعقوبات والمصادرات.
التاجر السوري طالب بإصدار قوائم واسعة تعفي السلع الأساس ومدخلات الإنتاج من الرسوم الجمركية، على التوازي مع تفعيل الرقابة على الأسواق وضمان عدم تدفق المنتجات المهربة، إلى جانب الإسراع برقمنة عمل الجمارك، وبخاصة أن الاقتصاد السوري ما زال هشاً ويعاني مشكلات بنيوية، والتعافي يحتاج إلى قوانين مشجعة للعمل، خصوصاً أن العقوبات ما زالت ترخي بظلالها على سوريا.
اندبندنت عربية
