سوريا التي كان يمكن أن تكون
كيف غيرّت وحدة 1958 مصير دولة كانت تقف على أبواب نهضة كبرى و أ جهضت التجربة البرلمانية







المدن، بنخبها وصحفها ونقاباتها وجامعاتها وأسواقها، لم تكن فقط مراكز اقتصادية، بل كانت مصانع للوعي السياسي السوري ومصدر قوة كانت دمشق السياسة التقليدية , آمنت نخبها التجارية والعائلية حضارية ,العريقة بالدولة المدنية والانفتاح الاقتصادي والبراغماتية السياسية وكانت ترى في البرلمان مساحة لحماية التوازنات الوطنية ,أما حلب العاصمة الاقتصادية مدينة التجارة والصناعة والنسيج والانفتاح على العالم كانت نخبتها تفكر بعقلية السوق والاستقرار والمؤسسات

في مقاله الجديد لموقع سيرياستيبس يضئ المنهدس ياسر أسعد جوانب مرحلة مهمة في تاريخ سوريا , يتناولها من زوايا أكثر قربا للواقع وللحقيقة وأكثر التصاقا بالمنطق وفهم الناس لمرحلة من تاريخهم كان الصراع فيه تعبيراً عن حراك مجتمعي  حيوي قبل أن تتغير الدولة الى الشعار الواحد       
 
سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر علي أسعد 

في 11 كانون الثاني 1958 توجه رئيس أركان الجيش السوري عفيف البزري برفقة وفد من الضباط العسكريين السوريين إلى القاهرة دون علم الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم للطلب من عبد الناصر توقيع اتفاق وحده فوريه اندماجيه ولكن الرئيس المصري اشترط منحه صلاحيات مطلقة وحل جميع الأحزاب, وافق الوفد وأ جبرالسياسيين على توقيع اتفاقيه الوحده
 .
في شباط من عام 1958، لم توقعّ النخب السياسية السورية مجرد اتفاق وحدة مع مصر ، بل سلمّوا مستقبل السوريين إلى منطق العسكر والشعارات العابرة للحدود , وحدة  فتحت الباب أمام نهاية أول تجربة برلمانية حقيقية عرفها المشرق العربي الحديث , يومها أذعن السياسيون السوريون لضغط الضباط وانتصر خطاب الجماهير على منطق الدولة , فذابت سوريا داخل الجمهورية العربية المتحدة وتحولت تدريجياً إلى دولة تحكمها الثكنة والشعار الواحد
 
من الظلم اختزال سوريا ما قبل 1958 بصورة رومانسية مثالية

لكن المأساة الكبرى لم تكن فقط في سقوط تجربة سياسية ناشئة، بل في ضياع فرصة تاريخية لبناء وطن يتسع لجميع السوريين ، وطن يقوم على السلم الأهلي والمجتمع المدني والحريات العامة ، لا على الخوف والإقصاء والهيمنة .
اليوم، وبعد عقود من الانقلابات والاستبداد والانهيار الاقتصادي والحرب والهجرة، يحق للسوريين أن يطرحوا السؤال المؤلم ماذا لو لم يحدث ذلك؟ ماذا لو بقيت سوريا دولة مستقلة بمسارها السياسي والاقتصادي الخاص؟
 
ماذا لو لم تجُهض تجربتها البرلمانية الوليدة ، ولم تتحول الدولة إلى ثكنة حزبية عسكرية دمرت السياسة والاقتصاد معا ؟ً
من الظلم اختزال سوريا ما قبل 1958 بصورة رومانسية مثالية ، لكنها بالمقاييس الإقليمية كانت تملك عناصر نهوض حقيقية ,اقتصاديا ً كانت البلاد تمتلك طبقة تجارية وصناعية عريقة في دمشق وحلب مع قطاع زراعي غني في الجزيرةالسورية , الليرة السورية كانت قويه ، والأسواق السورية كانت متشابكة مع العراق ولبنان والخليج وتركيا ,  شركات النسيج الحلبية كانت تنافس في التصدير، والتجار السوريون كانوا جزءاً من شبكات اقتصادية تمتد من البحر المتوسط حتى أمريكا اللاتينية .
سياسياً، ورغم الانقلابات المبكرة والصراعات الحزبية كانت سوريا تعرف حياة برلمانية حقيقية وصحافة حرة ونقابات فاعلة وأحزاباً تتنافس داخل المجال العام لم تكن الديمقراطية مستقرة، لكنها كانت موجودة وقابلة للتطور , أما بشري اً فكان السوريون نخباً قانونية وطبية وتجارية وأكاديمية ومهنيه على مستوى عالٍ من الكفاءة.
قبل الوحدة ، لم تكن سوريا جنة ديمقراطية مكتملة ، لكنها كانت بلداً حياًّ سياسي اً, كان البرلمان السوري ساحة للصراع والتفاوض والتوازن بين القوى الاجتماعية والفكرية المختلفة، وكانت الحكومات تسقط وتتشكل عبر السياسة لا عبر البيانات العسكرية , في قاعة البرلمان كان يجلس ممثل حلب التاجر المحافظ، إلى جانب نائب ريفي من الساحل ونائب قومي من حمص وآخر ليبرالي من دمشق وزعيم من الجنوب, لم يكونوا يشبهون بعضهم لكنهم كانوا مضطرين للتعايش تحت سقف الدولة نفسه  , وهذا بالتحديد ما تصنعه الديمقراطيات الحقيقية , إدارة الاختلاف لا إلغاؤه
 
إيمان النخب بالحياة المدنية

هشاشة الحياة البرلمانية السورية وتدخل الجيش بالسياسه لم تكن دليلاً على فشلها، بل دليلاً على حداثتها, فكل الديمقراطيات الكبرى مرت بمراحل اضطراب طويلة قبل أن تنضج , لكن سوريا لم تمُنح الوقت الكافي فقبل أن تتعلم السياسة السورية المشي بثبات دخل العسكر إلى المسرح واحتلوا المنصة.
الخريطة السياسية السورية قبل الوحدة لم تكن كتلة واحدة متجانسة ، بل فسيفساء مدينية واجتماعية وحزبيه شديدة الحيوية كانت تضم أربع قوى أيديولوجية كبرى تختلف جذرياً في رؤيتها للهوية والدولة .
المدن، بنخبها وصحفها ونقاباتها وجامعاتها وأسواقها، لم تكن فقط مراكز اقتصادية، بل كانت مصانع للوعي السياسي السوري ومصدر قوة كانت دمشق السياسة التقليدية , آمنت نخبها التجارية والعائلية حضارية ,العريقة بالدولة المدنية والانفتاح الاقتصادي والبراغماتية السياسية وكانت ترى في البرلمان مساحة لحماية التوازنات الوطنية ,أما حلب العاصمة الاقتصادية مدينة التجارة والصناعة والنسيج والانفتاح على العالم كانت نخبتها تفكر بعقلية السوق والاستقرار والمؤسسات, وفي حمص حيث اختلط الطابع العسكري والإقتصادي والعشائري بالتنوع الاجتماعي والديني، تشكل وعي سياسي يعكس مخاوف عميقة من الانقسام والهيمنة ,أما حماه فقد كانت أكثر المدن السورية حساسية سياسياً واجتماعياً، حيث اجتمع فيها الإقطاع الزراعي، والتدين الشعبي المحافظ، والتوترات الريفية والطائفية التي احتاجت إلى سياسة ناضجة واحتواء وطني .
الركن الآخر كان حزب البعث إستند إلى خطاب قومي عربي ونجحت نخبه   في جذب أبناء الأطراف والريف والفئات التي تشعر بالتهميش , رفع شعارات الوحدة والعدالة الاجتماعية والتحرر, ونجح في استقطاب الطبقات الفقيرة والمهمشه الباحثة عن مكان لها, لكنه يحمل في داخله نزعة ثورية إنقلابيه لا مشروع حوكمة مدنية مستقرة .
في المقابل يقف الإخوان المسلمون ومثلّوا تياراً محافظاً مرتبطاً بالطبقة التجارية السنية المتدينة، أقرب إلى الإصلاح التدريجي والعمل الاجتماعي والاقتصادي منه إلى العمل الثوري المسلح وكان حضوره جزءاً من النسيج المدني والسياسي الطبيعي للسوريين.

عندما ضعفت المؤسسات، وغابت المحاسبة ، وتحولت السياسة إلى احتكار طويل للسلطة

أما القوميين السوريون ، فقد مثلّو ا تياراً فكرياً مختلفاً طرح مفهوم “سوريا الطبيعية” وهوية حضارية تتجاوز الانقسامات الدينية والطائفية, واستقطبوا عدداً كبيراً من المثقفين والطلاب وأبناء الأقليات والمدن الكبرى الباحثين عن مشروع علماني حديث . ورغم التناقضات الحادة بين هذه القوى، فإن وجودها داخل البرلمان والنقابات والصحافة كان يفرض عليها التفاوض والتسوية والتنافس السياسي السلمي، لا الإلغاء المتبادل , وهذا ما كانت سوريا تحتاجه فعلا ً أن تتعلم كيف تدُير اختلافاتها عبر السياسة.
لو رفضت النخبة السياسية السورية في 1958 الخضوع لابتزاز الضباط وشعارات الوحدة العاطفية، لكان ممكناً أن تسلك سوريا مساراً أقرب إلى دول مث ل ماليزيا وتركيا , دولة شرقية ذات اقتصاد تجاري وصناعي متنامٍ ، مع حياة سياسية مضطربة أحياناً لكنها قابلة للتطور التدريجي , السؤال الأعمق ليس فقط هل كانت سوريا ستصبح أكثر ازدهارا ً, بل هل كان يمكن تجنب الكارثة الوطنية التي عاشها السوريون خلال العقود الأخيرة , أن كثيراً من أسباب الانفجار السوري الكبير ربما لم تكن لتتكوّن أصلاً لو استمر المسار المدني البرلماني ، ولم تفُتح الأبواب أمام عسكرة الدولة والحياة العامة , فالانقلابات المتلاحقة التي أعقبت الوحدة رسّخت فكرة أن الشرعية تأتي من الدبابة لا من صندوق الاقتراع، وأن ال جيش يستطيع إلغاء المجتمع والأحزاب والدستور ببيان عسكري .مما مهّد لقيام دولة أمنية مغلقة، أضُعفت فيها المؤسسات، وغابت المحاسبة ، وتحولت السياسة إلى احتكار طويل للسلطة .
ولو بقي الاقتصاد السوري قائماً على التعددية والملكية الخاصة والمنافسة الطبيعية ، لكانت هناك طبقة وسطى قوية قادرة على امتصاص الأزمات الاجتماعية ومنع الانهيارات الكبرى . فالمجتمعات التي تملك اقتصاداً منتجاً ومؤسسات مستقلة وفرصاً حقيقية للترقي الاجتماعي ، تكون أقل قابلية للانفجار الأهلي والتطرف والعنف .
وربما الأهم من كل ذلك أنّ ملايين السوريين الذين هاجروا أو هُجّروا أو خسروا ثقتهم بالدولة ، كانوا سيشعرون بأن لهم مكاناً حقيقياً داخل وطنهم ، لا أنهم يعيشون في دولة تخاف من مجتمعها وتتعامل معه باعتباره تهديداً دائماً , الكارثة الحقيقية كانت هجرة آلاف الأطباء والمهندسين والمحامين والتجاروالمهنيين السوريين الذين غادروا بعد التأميم والانقلابا ت , لم يكونوا مجرد مهاجرين عاديين بل كانوا رأس المال البشري الذي تحتاجه أي دولة لبناء مؤسساتها الحديثة
الجريمة الكبرى في تاريخ سوريا الحديث كانت الجمع بين الاستبداد السياسي وتدمير الاقتصاد الخاص وإذلال الطبقة المنتجة وتشريد العقول السورية إلى العالم وحين ينظر السوري اليوم إلى مدن بناها أبناؤه في الخليج وأوروبا والأمريكيتين، يدرك حجم الخسارة , لم تكن المشكلة يوماً في الإنسان السوري، بل في النظام الذي حوّل طاقة السوريين إلى ثروة للعالم وخسارة لوطنهم , ويبقى السؤال الأكثر مرارة في التاريخ السوري الحديث كم كانت ستكون سوريا مختلفة… لو لم تنكسر إراده السياسيي ن في 1958؟

عندما انتقل الخلاف خارج البرلمان
 
ربما لم تكن سوريا ستصبح دولة مثالية لو استمرت الحياة البرلمانية لكن الاحتمال الأكبر أنها كانت ستتعلم , كان يمكن للبعث والإخوان والقوميين والليبراليين والشيوعيين أن يختلفوا داخل البرلمان بدل أن يتحول خلافهم لاحقاً إلى صراع دموي , وكان يمكن للمجتمع المدني أن يطوّر آليات حماية للسلم الأهلي تمنع الانفجار الكبير الذي عاشه السوريون لاحق اً , فالديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع، بل ثقافة قبول الآخر، واحترام التعدد، والإيمان بأن لا أحد يملك الوطن وحده.
لقد أثبت السوريون ، أينما ذهبوا، أنهم قادرون على النجاح والإبداع وبناء المؤسسات حين يعيشون في بيئة تحترم القانون والحرية. وهذا يكشف الحقيقة الأكثر إيلاماً في التاريخ السوري الحديث أن المشكلة لم تكن يوماً في السوريين، بل في النظام الذي صادر السياسة وخنق المجتمع المدني وحوّل التنوع إلى خوف دائم .
ولهذا، فإن استعادة سوريا الحرة لا يمكن أن تقوم على إعادة الإعمار أو تغيير الحكومات فقط، بل على إعادة الاعتبار لفكرة الوطن نفسه وطن يتسع لجميع السوريي ن تحكمه المؤسسات لا البنادق ويحميه القانون لا الخوف ويقوم على السلم الأهلي والديمقراطية والحرية بعقد إجتماعي جديد اساسه حريه الرأي والمعتقد وإحترام الأخر المختلف وسياده القانون 
 

 
 
 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=205934

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc