الخريطة الاستثمارية السورية: مشاريع قديمة بثوب جديد
10/06/2026
سيرياستيبس
على أهمية المشاريع التي تضمّنتها الخريطة الاستثمارية الجديدة، أو ما تسمّيه «هيئة الاستثمار السورية» بـ«محفظة المشاريع الاستثمارية المتاحة»، إلا أن استبعاد بعض الفرص المغرية في قطاعات أساسية، وإخراجها بالتالي من دائرة التنافس بين المستثمرين، وحصرها عملياً بمسارات تفاوض خاصة، يمثّل استنساخاً للسياسات المتبّعة سابقاً، قبل الحرب وخلالها، في مقاربة ملفّ الاستثمار. ويتجلّى ذلك في منح المشاريع «الثمينة» عبر عقود سياسية أو اقتصادية مغلقة، تماماً مثلما حدث في قطاعات النفط والفوسفات والمرافئ وغيرها، فيما تُطرح المشاريع «الأقلّ جاذبية»، من مثل استثمار بعض المواقع السياحية والصناعية وغيرها، على الملأ للمنافسة المفتوحة.
وفي هذا السياق، تتضمّن «محفظة» المشاريع الجديدة، التي تقدّم «الاستثمار السورية» لمحةً عنها، نحو 98 فرصة موزّعة على جميع المحافظات باستثناء السويداء والحسكة، وتشمل نحو 16 قطاعاً اقتصادياً وخدمياً، بكلف تتراوح بين مليون دولار وأكثر من خمسة مليارات دولار. وبينما تختلف أهمية هذه المشاريع تبعاً لحجمها المالي أو ضرورتها الاقتصادية والخدمية أو انتشارها الجغرافي، تبدو الهيمنة واضحة للمشاريع العقارية ومشاريع البنى التحتية.
العقارات أولاً
يتصدّر مشروع «مدينة دير الزور الجديدة» قائمة الفرص المطروحة، مع كلفة تقديرية تصل إلى 5.3 مليارات دولار، ما يجعله الأضخم بين جميع المشاريع المعروضة. ويهدف المشروع إلى إنشاء 60 ألف وحدة سكنية مع مرافقها الخدمية والترفيهية من مدارس ومستشفيات ومراكز أعمال وحدائق وغيرها، بقدرة استيعابية تبلغ نحو 300 ألف نسمة. وفي منطقة عدرا العمالية في ريف دمشق، تطرح «الهيئة» مشروعاً مشابهاً في غايته وجدواه، يتضمن بناء 60 ألف وحدة سكنية تستوعب نحو 293 ألف نسمة، تحت عنوان «ربط السكن بالعمل والإنتاج»، من دون الإعلان عن الكلفة التقديرية للمشروع.
أما ثاني أكبر مشروع، في قطاع العقارات أيضاً، من حيث الكلفة الاستثمارية المعلنة، فيقع في محافظة القنيطرة، ويهدف إلى إنشاء وحدات للسكن الشعبي، تستهدف تحسين الواقع السكني ودعم التنمية الحضرية، وذلك بكلفة أولية تتجاوز 2.4 مليار دولار. كما تضمّ القائمة سبع فرص عقارية أخرى لإقامة مدن ومناطق عمرانية جديدة تمتدّ من منطقة الديماس في ريف دمشق إلى حسياء في حمص ومعرة النعمان في إدلب، وصولاً إلى الرمل الجنوبي في اللاذقية.
في مقابل ذلك، يكشف توزيع الفرص المطروحة عن مزاجية واضحة في تحديد الأولويات الاستثمارية. ففي قطاع الطاقة مثلاً، الذي يُفترض أن يكون في صلب عملية إعادة الإعمار والتنمية، ورغم ما يتيحه القطاع من مجالات واسعة في الكهرباء والنفط والغاز، لم تُطرح سوى فرصتَين فقط: الأولى، مشروع لتوليد الكهرباء من الرياح في منطقة غباغب في ريف درعا بكلفة تقديرية لا تتجاوز 2.5 مليون دولار؛ والثانية، لاستثمار السجيل الزيتي في منطقة خناصر جنوب شرقي مدينة حلب.
عاد مشروع استثمار ثكنة «طارق بن زياد» إلى الواجهة، وهو مشروع يُعاد طرحه بصورة سنوية منذ أكثر من عقدَين
الصناعة والزراعة: حضور محدود
في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، من مثل قطاع الصناعات التحويلية، اختيرت ثماني فرص استثمارية، أبرزها مشروع استثمار «الشركة العربية المتحدة للصناعة» (الدبس)، وهي شركة حكومية جرى تأميمها في ستينيات القرن الماضي. ويهدف المشروع إلى إنشاء مجمع نسيجي متكامل وفق مبدأ العناقيد الصناعية، بكلفة تقديرية تبلغ نحو 130 مليون دولار، لم يتمّ تحديد الصيغة القانونية أو آلية الاستثمار المقترحة له. وينسحب الأمر نفسه على مشروع إعادة تشغيل «معمل الغزل الحكومي» في دير الزور بطاقة إنتاجية قدرها 50 طناً يومياً.
أمّا قطاع الزراعة والثروة الحيوانية، فقد خُصّصت له ثماني فرص أيضاً، أبرزها مشروع «أرض مرداش» الزراعية في حماة للإنتاج الزراعي والحيواني المتكامل، والممتدّ على مساحة تقدّر بنحو 5.3 مليون متر مربع، بالإضافة إلى مشروع «واحة الرقة» الذي يهدف إلى إقامة مجمع اقتصادي متكامل، يشمل المنطقة الصناعية الحرفية وسوق المواشي الحديث وسوق الهال المركزي، بكلفة قدّرتها الدراسة الأولية بنحو 108 مليون دولار. كما تتضمّن القائمة مشروع إنشاء معمل أعلاف في دير الزور بكلفة تتراوح بين 15 و20 مليون دولار، ومشروع منشأة أبقار في المحافظة نفسها بكلفة تقدّر بما بين 15 و30 مليون دولار.
وتبرز، في قطاع البيئة وإدارة النفايات، ثلاث فرص استثمارية هامة، أكبرها مشروع النظافة وإدارة وتدوير النفايات الصلبة في مدينة دمشق بكلفة تقديرية تبلغ 100 مليون دولار. ويقوم المشروع على أن يتولّى المستثمر أعمال النظافة والتدوير على نفقته الخاصة، مقابل حق الانتفاع بالنفايات وحصول المحافظة على نسبة من صافي الأرباح، علماً أن كمية النفايات المنتجة يومياً في دمشق تُقدّر بنحو 2500 طن، مع توقعات بارتفاعها مستقبلاً إلى ثلاثة أضعاف تقريباً، أي 7500 طن.
فرص مكرّرة
اللافت في «محفظة الفرص» الجديدة أن «هيئة الاستثمار»، وبالتعاون مع العديد من الوزارات والجهات العامة، أعادت طرح عدد من الفرص الاستثمارية التي سبق أن جرى طرحها خلال السنوات الماضية من دون أن تصل إلى مرحلة التنفيذ لأسباب متعدّدة. ومن أبرز هذه المشاريع مشروع «مترو دمشق»، الذي يعود إلى الواجهة مجدداً بكلفة تقديرية تبلغ 1.2 مليار دولار، إضافة إلى مشروعَين استراتيجيين للنقل البرّي: الأول، إنشاء طريق سريع يمتد لمسافة 432 كيلومتراً من الحدود التركية شمالاً إلى الحدود الأردنية جنوباً، والثاني، مشروع مماثل يربط طرطوس في الساحل السوري بمنطقة التنف على الحدود مع العراق، فضلاً عن مشروع الربط السككي بين سوريا والعراق بطول 145 كيلومتراً.
كذلك، أُعيد طرح عدد من مشاريع البنية التحتية، بينها جر مياه الشرب من الساحل إلى دمشق بكلفة تقديرية تصل إلى 800 مليون دولار، وجرّ مياه بحيرة الفرات إلى تدمر وخنيفيس والفرقلس ومدينة حسياء الصناعية بكلفة تتراوح بين 350 و400 مليون دولار. ويتمثل المشروع الثالث في إنشاء سدّ حلبية وزليبة على نهر الفرات بكلفة تقديرية تتراوح بين 320 و380 مليون دولار.
أمّا في قطاع السياحة، فيعود مشروع استثمار ثكنة «طارق بن زياد» في مدينة حلب إلى الواجهة مجدداً بكلفة تبلغ 100 مليون دولار، وهو مشروع يُعاد طرحه بصورة سنوية منذ انعقاد «الملتقى الاستثماري السياحي» الأول قبل أكثر من عقدَين. وينطبق الأمر نفسه على مشروع استثمار سوق الإنتاج في حلب بكلفة تقديرية تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب مشاريع أخرى لم تجد طريقها إلى التنفيذ رغم تكرار الإعلان عنها.
أيّاً يكن، ليس في الأمر «مذمّة» أن تعاود الحكومة الحالية الاستفادة من الجهود المبذولة سابقاً لدراسة الفرص الاستثمارية في البلاد، إنما عندما يُعاد طرح المشاريع نفسها من دون دراسة أسباب تعثّرها، وإحجام المستثمرين عنها أو إيقاف الجهات الحكومية سابقاً طرحها للاستثمار، فهذا يعني إعادة إنتاج الفشل وهدر مزيد من الوقت. وتتفاقم هذه المشكلة بالنظر إلى أن المرحلة الحالية مختلفة تماماً بظروفها المحلية والإقليمية عن مرحلة ما قبل الحرب.
عن الأخبار
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=205965