مباحثات واشنطن.. هل يقود النفط والغاز عودة الاستثمارات الدولية إلى سوريا؟
10/06/2026
سيرياستيبس
يرى أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان أن المباحثات مع الشركات الأمريكية تفتح تساؤلات حول مستقبل قطاع الطاقة ودوره في دعم التعافي الاقتصادي والاستثمار في سوريا.
وأوضح حمدان في حديثه أنه في الوقت الذي تبحث فيه سوريا عن محركات جديدة لدعم التعافي الاقتصادي واستعادة النشاط الإنتاجي، تبرز التطورات المرتبطة بقطاع النفط والغاز باعتبارها من أكثر الملفات الاقتصادية أهمية وتأثيراً وفي هذا السياق، وتكتسب التصريحات الأخيرة للرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، المهندس يوسف قبلاوي، أهمية خاصة لما تحمله من مؤشرات حول مستقبل أحد أهم القطاعات الإستراتيجية في البلاد، وإمكانية عودة الاستثمارات الدولية إلى قطاع لعب لعقود دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الوطني.
قبلاوي أكد أن المباحثات الجارية في واشنطن تكتسب أهمية بالغة للاقتصاد الوطني، مشيراً إلى وجود اهتمام حقيقي وجاد من كبرى الشركات الأمريكية بالاستثمار في قطاع النفط والغاز السوري، إضافة إلى التطلع لبناء شراكات إستراتيجية تدعم إعادة تأهيل المرافق الحيوية وتطوير الحقول ورفع كفاءة الإنتاج. وأستاذ إدارة الأعمال اعتبر أنه ورغم أن هذه التصريحات تركز على قطاع النفط والغاز، إلا أن دلالاتها الاقتصادية تتجاوز هذا القطاع بكثير، لأن الاستثمار في الطاقة غالباً ما يشكل نقطة انطلاق لعودة الاستثمارات إلى قطاعات أخرى مرتبطة به بشكل مباشر أو غير مباشر.
لماذا يكتسب النفط هذه الأهمية؟
أكد حمدان أن قطاع النفط والغاز يشكل أحد القطاعات الإستراتيجية في أي اقتصاد، ليس فقط بسبب الإيرادات التي يحققها، بل لأنه يؤثر بصورة مباشرة في تكاليف الإنتاج والنقل والصناعة والكهرباء والخدمات، ولذلك فإن أي تحسن في هذا القطاع ينعكس على مجمل النشاط الاقتصادي.
وقال: قبل سنوات الثورة، كان النفط يمثل أحد المصادر المهمة للإيرادات العامة والقطع الأجنبي في سوريا، كما أسهم في دعم قطاعات اقتصادية متعددة، وقد شكل قطاع النفط والغاز آنذاك أحد المرتكزات الأساسية للنشاط الاقتصادي، وأسهم بصورة مباشرة في دعم الموازنة العامة وتمويل جزء من احتياجات الاقتصاد الوطني، الأمر الذي جعل أي تراجع في إنتاجه ينعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية.
مضيفاً: مع تراجع الإنتاج خلال السنوات الماضية، فقد الاقتصاد السوري جزءاً مهماً من موارده الإنتاجية والمالية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على قدرة العديد من القطاعات الاقتصادية على النمو والتوسع، ومن هنا فإن أي خطوة تسهم في إعادة تأهيل الحقول والمنشآت النفطية وزيادة الإنتاج يمكن أن تشكل رافعة اقتصادية مهمة خلال المرحلة المقبلة.
أكثر من استثمار نفطي
قد ينظر البعض إلى اهتمام الشركات الأمريكية باعتباره مجرد استثمار في استخراج النفط والغاز، لكن حمدان يرى ان الواقع الاقتصادي يشير إلى أن الأمر أوسع من ذلك، فالشركات العالمية الكبرى لا تنقل الأموال فقط، بل تنقل معها التكنولوجيا والخبرات الإدارية وأنظمة التشغيل الحديثة ومعايير السلامة والحوكمة وأساليب الإدارة المتقدمة، كما أن دخول شركات دولية إلى أي سوق غالباً ما يشكل رسالة إيجابية للمستثمرين الآخرين حول فرص الاستثمار والاستقرار المستقبلي.
مضيفاً: لهذا فإن المكاسب المحتملة لا تقتصر على زيادة الإنتاج النفطي، بل تمتد إلى تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الكوادر الوطنية، وتعزيز القدرات الفنية، وتحفيز الاستثمارات المرتبطة بقطاع الطاقة.
كما أن نقل التقنيات الحديثة إلى قطاع النفط والغاز يمكن أن يسهم في رفع كفاءة عمليات الاستكشاف والإنتاج وتقليل الفاقد وتحسين إدارة الموارد، وهو ما ينعكس إيجاباً على المردود الاقتصادي لهذا القطاع الحيوي.
فرص اقتصادية واسعة
يرى حمدان أنه إذا تحولت هذه المباحثات إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع، فقد تنعكس آثارها على الاقتصاد السوري من خلال عدة مسارات، أبرزها زيادة إنتاج النفط والغاز وتحسين مستويات الاكتفاء المحلي، وتخفيف جزء من الضغوط المرتبطة بتأمين احتياجات الطاقة، اضافة لخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات التشغيل والخدمات والصيانة والنقل.
ناهيك بدعم الإيرادات العامة للدولة،
وجذب استثمارات إضافية في القطاعات المرتبطة بالطاقة، إلى جانب تنشيط الصناعات والخدمات التي تعتمد على توفر مصادر الطاقة بصورة مستقرة، والمساهمة في تحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز ثقة المستثمرين.
وأكد حمدان أنه لا تقتصر آثار أي زيادة محتملة في إنتاج النفط والغاز على المؤشرات الاقتصادية العامة، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الحياة اليومية للمواطنين، فكل تحسن في قطاع الطاقة ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج والصناعة والخدمات، ويسهم في تخفيف جزء من الضغوط التي تواجه مختلف القطاعات الاقتصادية، كما أن استقرار إمدادات الطاقة يعد من العوامل
التي تساعد على تحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل وتحسين بيئة الأعمال بصورة عامة.
وقال: من المهم الإشارة إلى أن قطاع الطاقة غالباً ما يشكل نقطة انطلاق لقطاعات أخرى، فكل استثمار ناجح في النفط والغاز يفتح المجال أمام استثمارات إضافية في النقل والخدمات والبنية التحتية والصناعات المساندة، ما يضاعف الأثر الاقتصادي المتوقع.
التحدي الحقيقي
ويوضح أستاذ الاقتصاد أنه رغم أهمية هذه المؤشرات الإيجابية، فإن نجاح أي شراكات مستقبلية لن يعتمد على توفر الموارد الطبيعية وحدها، بل على القدرة على توفير بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة، وتطوير الأطر القانونية والتنظيمية، وضمان الشفافية والكفاءة في إدارة المشاريع.
كما أن تحقيق الفائدة القصوى يتطلب توجيه الاستثمارات نحو رفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد السوري، بحيث لا يقتصر الدور على استخراج الموارد، بل يمتد إلى تطوير الصناعات المرتبطة بها وتعزيز مساهمتها في النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وبرأيه يكمن التحدي الأكبر في تحويل الاستثمارات المرتقبة من مشاريع إنتاجية منفصلة إلى جزء من رؤية اقتصادية أوسع تسهم في إعادة بناء القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته على المدى الطويل.
من إعادة التأهيل إلى التنمية
يرى حمدان أن الأهمية الحقيقية لهذه المباحثات لا تكمن فقط في إمكانية زيادة إنتاج النفط والغاز، بل في ما يمكن أن تمثله من بداية مرحلة جديدة من إعادة بناء القدرات الإنتاجية للاقتصاد السوري، فالتنمية الاقتصادية المستدامة لا تقوم على الموارد الطبيعية وحدها، بل على حسن استثمارها وتوظيفها في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة.
ونوه بأنه إذا نجحت هذه الشراكات في نقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية وتعزيز الاستثمار، فإن أثرها قد يتجاوز قطاع الطاقة ليصل إلى مختلف مفاصل الاقتصاد الوطني، وفي حال نجحت هذه الشراكات في الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، فإن أثرها لن يقتصر على زيادة الإنتاج النفطي فحسب، بل قد يسهم في إعادة تنشيط بيئة الأعمال وتحسين صورة الاقتصاد السوري لدى المستثمرين الدوليين، وهو ما قد يشكل نقطة انطلاق لاستثمارات أوسع في قطاعات أخرى تحتاجها عملية التعافي الاقتصادي.
وخلص حمدان إلى القول: في النهاية، فإن النفط ليس مجرد مورد اقتصادي أو سلعة قابلة للتصدير، بل أحد المفاتيح الأساسية لإعادة تنشيط عجلة الإنتاج والاستثمار، غير أن القيمة الحقيقية للثروة النفطية لا تقاس بما يخرج من الآبار، بل بما تخلقه من فرص عمل واستثمارات وصناعات وقدرة على بناء اقتصاد أكثر قوة واستدامة.
وختم بالقول: يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه المباحثات إلى شراكات ومشاريع فعلية تسهم في إعادة بناء القدرات الإنتاجية للاقتصاد السوري، فالثروات الطبيعية وحدها لا تصنع الازدهار، بل حسن إدارتها واستثمارها، وقد يكون النفط السوري أحد مفاتيح التعافي الاقتصادي، لكن قيمته الحقيقية لن تقاس بعدد البراميل المنتجة، بل بقدرته على جذب الاستثمار وخلق فرص العمل وتحويل الموارد الطبيعية إلى قوة تنموية تدعم استقرار الاقتصاد ونموه.
الوطن
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=205967