أسواق الخليج تترقب نهاية الحرب.. هل ترمم عودة صادرات الطاقة الخسائر؟
16/06/2026
سيرياستيبس
تترقب أسواق الخليج والطاقة العالمية نهاية الحرب عقب الإعلان رسمياً عن توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق سلام شامل برعاية باكستانية وقطرية، ينهي العمليات العسكرية على كافة الجبهات ويرفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية تمهيداً لإعادة فتح مضيق هرمز بشكل تدريجي، ما سلط الضوء على انعكاسات ذلك على اقتصادات دول الخليج العربية بعد شهور من المعاناة جراء تداعيات الحرب.
ويشمل الاتفاق الذي تقرر توقيعه رسمياً في سويسرا يوم الجمعة المقبل، التزاماً ببدء عمليات إزالة الألغام البحرية في المضيق خلال 30 يوماً، ما ينهي شللاً أصاب الشريان المائي الذي يعبر منه خمس النفط والغاز العالمي، ويبشر بتخفيف حدة أزمة الطاقة العالمية وتفادي ركود اقتصادي محتوم، حسبما أورد تقرير نشرته "فايننشال تايمز" في 14 يونيو/ حزيران الجاري.
وتعد قطر والكويت والبحرين الأكثر استفادة من إعادة فتح المضيق لكونها تعتمد كلياً عليه لتصدير الغاز والنفط، بينما تظل خطوط الأنابيب البديلة المتاحة عاجزة عن استيعاب حجم التدفقات الضخم.
انعكاس فوري على أسواق المال
هذا التحول الإيجابي من شأنه أن ينعكس فوراً على أسواق المال الخليجية التي عانت طويلاً من تراجع ثقة المستثمرين؛ إذ يسهم الاتفاق في تبديد "علاوة المخاطر" التي أثقلت كاهل الأسهم الإقليمية وأدت إلى انخفاض المؤشرات الرئيسية في السعودية ودبي وأبوظبي.
غير أن سلوك الأسعار يخضع لظاهرة اقتصادية تُعرف باسم "الصواريخ والريش" (Rockets and Feathers)، حيث تقفز الأسعار كالصواريخ عند الأزمات، لكنها تتراجع ببطء كالريش نتيجة رغبة الموردين في الحفاظ على هوامش ربح مرتفعة، كما سيظل هناك "علاوة مخاطر" دائمة مفروضة على إمدادات الطاقة العابرة لمضيق هرمز بعد أن تحول خطر الإغلاق من فرضية نظرية إلى واقع ملموس، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على كبار المستوردين في آسيا، وتحديداً الصين التي تستقبل وحدها 37% من التدفقات، بحسب تقدير "ذا ديسباتش".
ويتوقع محللون ماليون أن تشهد البورصات الخليجية موجة صعود تقودها أسهم المصارف الكبرى والشركات الاستهلاكية القيادية التي تجتذب التدفقات النقدية الأجنبية أولاً، إذ يمهد زوال شبح الحرب الطريق لاستئناف الإدراجات الجديدة وعمليات بيع الحصص الحكومية التي جمدتها الأزمة مؤقتاً، حسبما أورد تقدير نشرته منصة إنتربرايز كيه إس إيه (Enterprise KSA) أول من أمس.
وعلى مستوى الخدمات اللوجستية، تتجه حركة الطيران والشحن البحري لتعافٍ تدريجي؛ حيث سارعت دول المنطقة لفتح أجوائها بالكامل بعد فترات من الإغلاق والتقييد الجوي في الكويت والأردن والبحرين، ما يخفض تكاليف الوقود ومسارات الالتفاف الطويلة لشركات الطيران، ومع ذلك يتوقع خبراء الملاحة البحرية أن يستغرق انخفاض تكاليف التأمين وقتاً أطول نتيجة لمخاوف الألغام البحرية العائمة، حيث قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب أثناء الصراع من أقل من 1% إلى نحو 10% من قيمة السفينة لكل رحلة، حسبما أورد تحليل نشرته منصة لويدز ليست (Lloyd's List) البريطانية، المتخصصة في شؤون الملاحة البحرية والشحن الدولي، في 12 يونيو الجاري، تزامناً مع الإعلان عن اقتراب توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني.
إعادة ترميم ما دمرته الحرب
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي حسام عايش، لـ "العربي الجديد"، أن الاتفاق الأولي بين الأطراف المعنية باتفاق السلام يعد خطوة تمهيدية للدخول في مفاوضات أوسع نحو اتفاق نهائي، ورغم أن التفاصيل الكاملة ستظهر في المرحلة القادمة إلا أنه يحقق على الأقل وقفاً للعمليات العسكرية ويعيد حالة الاستقرار، ما يدفع إلى إعادة تنشيط الحركة عبر مضيق هرمز ورفع الحصار عن إيران، ويسمح بإعادة ترميم ما دمرته الحرب ليس على مستوى البنية التحتية في الدول الخليجية فقط، بل أيضاً على صعيد إعادة تنظيم سلاسل الإمداد وحركة الشحن البري والبحري والجوي، وهي عملية قد تحتاج إلى أسابيع لتعود إلى الانتظام المطلوب.
ومن شأن تطور كهذا أن يؤدي، وفق عايش، إلى تراجع أسعار النفط من المستويات المرتفعة التي وصلت إليها، ومع أن انتظام حركة المرور عبر مضيق هرمز قد يحتاج إلى أسابيع أو حتى أشهر، فإن النتيجة الفورية تتمثل في انخفاض كلف الشحن والتأمين والطاقة والعودة إلى كلاسيكيات النشاط الاقتصادي والمالي، لا سيما فيما يتعلق بانتعاش الأسواق المالية وزيادة النشاط فيها.
كما يرجح عايش أن تعاود الدول الخليجية نشاطاتها الاقتصادية المختلفة بحذر، سعياً لتعويض ما خسرته واستعادة عافيتها الاقتصادية، ما يحسن التوقعات بشأن نموها الاقتصادي الذي أكدت المؤسسات الدولية تراجعه بفعل الحرب، إذ تحملت دول الخليج كلفة باهظة قُدرت بعشرات المليارات ووصلت في بعض التقديرات إلى 200 مليار دولار، بينما قُدرت خسائر إيران بما بين 250 إلى 270 مليار دولار أو أكثر، ما يجعل المنطقة بأمس الحاجة لهذا الاتفاق لإعادة رسم خططها المستقبلية.
وتبقى هذه الإجراءات مرهونة بمدى التزام الطرفين بالاتفاق وتجنب التفسيرات المختلفة لبنوده التي قد تعيد حالة التوتر، حسب عايش، الذي رجح أن تستقبل القطاعات الاقتصادية هذا الاتفاق بالترحيب، رغم الضبابية القائمة، عبر تحسن الأنشطة السياحية ومعاودة التنفيذ لعدد كبير من المشاريع وإعادة تقييم المرحلة الاقتصادية والمالية لبناء خطط مستقبلية متينة تتعلق بسلاسل الإمداد وعمليات التحوط، حيث يُعد قطاع النقل بأشكاله المختلفة وقطاعات التجارة والاستيراد والتوريد والأغذية والسياحة والضيافة والترفيه والصناعات الكيميائية والبتروكيميائية والأسمدة من أبرز المستفيدين من هذه التهدئة.
ومن شأن الهدوء المتوقع على وقع الاتفاق الإيراني الأميركي أن يسمح بمزيد من التنسيق بين الدول الخليجية، بعدما أثبت الواقع أن التعامل الفردي مع الأزمات الكبرى يعود بعائد أقل مقارنة بالتعاون الجماعي، وفق عايش، الذي رجح أيضاً أن تسعى دول الخليج لمراجعة كيفية تعويض إيراداتها لتقليل العجز في موازناتها الذي كانت تعاني منه بعض الدول حتى قبل الحرب، ما يتطلب سرعة في ترميم مصادر الدخل والإيراد.
الاقتصاد الخليجي بحاجة إلى التقاط أنفاسه لمعاودة حراكه الطبيعي، وهو أمر يراه عايش محكوماً بوقت زمني لتنفيذ الاتفاق بشكل تراكمي أسبوعي لمدة شهرين تقريباً، قبل الدخول في المراحل الحقيقية من التفاوض الذي قد تشارك فيه الدول الخليجية لتثبيت قواعد تؤدي إلى استقرار إقليمي يسمح بمعاودة الأنشطة الاقتصادية وتحقيق نتائج أفضل مما كان متوقعاً في بداية العام، بهدف تجاوز عام 2026 والدخول في عام 2027 بثبات.
مخاوف من جولة جديدة من التوترات
من جانبه، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي رائد المصري، لـ "العربي الجديد"، أن الوثيقة الحالية لا يمكن تصنيفها على أنها اتفاق نهائي، بل هي مذكرة تفاهم خاضعة لمدة زمنية محددة تبلغ 60 يوماً لإنجاز كافة الملفات العالقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وتكمن خطورة هذه المرحلة في المحاولات التخريبية المستمرة من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر فتح جبهات حرب جديدة سواء في لبنان أو ضد إيران مباشرة، مما يثير مخاوف من استغلاله للفترة الانتقالية لإطلاق جولة جديدة من التوترات أو التهديدات بمجرد اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأميركية بعد انقضاء المهلة المحددة.
وعلى الرغم من هذه المخاوف، فإن وجود ضمانات باكستانية وخليجية، بالإضافة إلى الثقل العربي والدولي والإسلامي الداعم لهذا التفاهم، يشكل نوعاً من الضمانة الأمنية والسياسية التي تنعكس إيجاباً على الاقتصادات النامية والاقتصادات الصاعدة في دول الخليج، حيث أدى الإعلان عن الاتفاق وفتح مضيق هرمز إلى خلق ارتياح ملحوظ في أسعار النفط وتدفقاته وسلاسل التوريد عالمياً، وهو ما يمنح دول الخليج أريحية مالية تسمح لها بالتعامل بحذر مع أي أحداث مستقبلية محتملة في الاقتصاد العالمي والطاقي، حسبما يرى المصري.
ومن المتوقع أن تتأثر القطاعات المالية وأسواق الأسهم والبورصات في الخليج العربي بشكل إيجابي، ما يعيد، حسب المصري، تنشيط حركتها ويدعم قطاعات الطيران والحجز والسفر، فضلاً عن تعزيز حركة الاستثمارات الكبيرة من الخليج إلى مختلف بلدان الشرق الأوسط، لافتاً إلى أن هذه المرحلة تجريبية من شأنها أن تفيد بعض دول مجلس التعاون عبر رفع العقوبات عن إيران والإفراج عن الأموال المجمدة لديها، ما يفتح الباب أمام استثمارات خليجية كبيرة داخل الأراضي الإيرانية في حال نجاح المفاوضات بشكل كامل.
كما يؤمل من هذا التفاهم، وفق المصري، أن يساهم في عمليات إعادة الإعمار في سورية ولبنان وغزة، حيث تقف المنطقة أمام فرصة اقتصادية شاملة تستفيد منها دول الخليج بفضل رأس مالها القوي وقدرتها على الاستثمار، معتبراً أنه طالما توقفت الحرب بوجود ضمانات دولية وشرعية أممية تشرف على الاتفاق، فإن ذلك يعني توفر الأمان والاستقرار لكافة أنواع الاستثمارات الناتجة من تدفقات النفط وإعادة تراكم رؤوس الأموال.
العربي الجديد
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=128&id=206052