إصدار السندات لتمويل العجز.. خيار اقتصادي مشروط بالاستقرار والثقة
17/06/2026



إصدار السندات.. أداة لتمويل العجز بين الضرورة والتحديات

سيرياستيبس :

يُعدّ عجز الموازنة من التحديات الاقتصادية التي تنشأ نتيجة تراكم عوامل متعددة تشمل الأوضاع الاقتصادية العامة والسياسات المالية والنقدية، إضافة إلى القرارات الحكومية المتعاقبة، ما يجعل معالجته عملية معقدة تتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة.
وفي هذا الإطار، أوضح وزير المالية محمد يسر برنية، أن الموازنة العامة للعام الجاري يُتوقع أن تسجل عجزاً يقارب 1.8 مليار دولار، على أن تتم تغطيته عبر إصدار سندات حكومية كأداة لتمويل هذا العجز.

ووفق موازنة 2026، تبلغ الإيرادات المتوقعة نحو 8.716 مليار دولار، بينما تصل النفقات إلى نحو 10.516 مليار دولار.

وفي حين تُطرح سندات الخزينة كأحد الحلول الممكنة للحد من تداعيات العجز وتمويله، فإن فاعلية هذا الخيار تبقى مرهونة بمدى توفر بيئة اقتصادية مستقرة قادرة على جذب المستثمرين، إذ إن نجاح هذا التوجه يعتمد على وجود أطراف مستعدة للاكتتاب في هذه السندات، وهو ما يرتبط بدرجة الثقة في السوق ومستوى المخاطر السائدة، ما يجعل التجربة أكثر تعقيداً في ظل بيئات اقتصادية غير مستقرة كما هو الحال في سوريا.

وبالرغم من ذلك، يُنظر إلى هذا التوجه باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح ضمن محاولات إدارة العجز المالي، إلا أن نتائجه الفعلية تبقى غير محسومة مسبقاً، إذ تتوقف على حجم الإقبال وثقة المستثمرين، ما يجعل مخرجاته النهائية مفتوحة على سيناريوهات عدة تتراوح بين التفاؤل والحذر.

ما السندات؟

خلال السنوات الأخيرة، رسخت السندات مكانتها كواحدة من أبرز أدوات التمويل التي تعتمد عليها الحكومات والشركات حول العالم، مع اتساع أسواقها وازدياد دورها في تأمين التمويل وإدارة السياسات المالية.

ومع توجه العديد من الدول إلى إعادة ترتيب أوضاعها المالية بعد فترات من الأزمات الاقتصادية، ازداد الاعتماد على أدوات الدين المحلية بوصفها وسيلة لتأمين التمويل، وتعزيز الاستقرار المالي، وتوسيع مصادر الإيرادات، والحد من الاعتماد المفرط على التعاملات النقدية.

والسندات أدوات دين تصدرها الحكومات أو الشركات بهدف الحصول على التمويل، مقابل التزام الجهة المصدرة بسداد المبلغ المقترض في موعد محدد، إضافة إلى دفع عائد أو فائدة للمستثمرين وفق شروط متفق عليها مسبقاً.

وتؤدي السندات دوراً مهماً في تمويل المشاريع الكبرى، وتغطية العجز في الموازنات العامة، وإدارة الالتزامات المالية وإعادة هيكلة الديون، ما يجعلها من الأدوات الأساسية في السياسات المالية الحديثة.

كما تُعد عوائد السندات ومستويات الطلب عليها من المؤشرات المهمة على مستوى الثقة بالاقتصاد، إذ ترتبط تكلفة الاقتراض بمدى قدرة الجهة المصدرة على الوفاء بالتزاماتها، بينما تعكس العوائد التي يطلبها المستثمرون حجم المخاطر المرتبطة بالاستثمار. ويُستخدم منحنى العائد كذلك كأداة لقراءة توقعات الأسواق بشأن النمو الاقتصادي وأسعار الفائدة والتضخم.

وعلى خلاف الأسهم التي تمنح حاملها حصة ملكية في الشركة، تمثل السندات التزاماً مالياً على الجهة المصدرة تجاه المستثمر، وهو ما يجعلها أداة استثمارية مختلفة من حيث طبيعة المخاطر والعوائد.

بين الضرورة والمخاطر

أوضحت نائبة عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتورة منال الشياح، أن إصدار السندات الحكومية يُعد من الوسائل التقليدية التي تلجأ إليها الحكومات لتغطية العجز في الموازنة العامة، إلا أن فعالية هذه الأداة ترتبط ارتباطاً مباشراً بالظروف الاقتصادية والمالية السائدة.

وقالت الشياح : إن الاقتصاد السوري يواجه اليوم تحديات كبيرة نتيجة سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والتراجع الحاد في الإنتاج والاستثمار، الأمر الذي يجعل تقييم جدوى إصدار السندات أكثر تعقيداً مقارنة بالاقتصادات المستقرة.

وأضافت أن اللجوء إلى السندات الحكومية قد يكون خياراً أفضل من التمويل التضخمي المباشر أو طباعة النقود، نظراً لما قد يسببه التوسع النقدي من ضغوط إضافية على سعر صرف الليرة السورية وارتفاع معدلات التضخم. ومن هذا المنطلق، قد تسعى الحكومة إلى تأمين احتياجاتها التمويلية من خلال الاقتراض الداخلي بدلاً من زيادة الكتلة النقدية.

إلا أن الشياح ترى أن الاقتصاد السوري يواجه في الوقت الراهن مجموعة من التحديات التي تحدّ من فعالية هذا الخيار، إذ يعاني القطاع المصرفي من ضعف في حجم الودائع، كما أن السيولة المتاحة في السوق المحلية ليست كبيرة، خاصة في ظل اتجاه السلطات النقدية إلى تشديد السياسة النقدية وتقليص الكتلة النقدية المتداولة بهدف الحد من الضغوط التضخمية والمحافظة على الاستقرار النقدي.

كما أن ضعف النشاط الاقتصادي وتراجع القوة الشرائية وانخفاض مستويات الدخل، بحسب الشياح، يحدّ من قدرة الأفراد والمؤسسات على الاستثمار في السندات الحكومية، ما يجعل نجاح أي إصدار مرتبطاً بمجموعة من العوامل التي تتجاوز مجرد طرح السندات في السوق.

متطلبات النجاح

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن تقييم جدوى إصدار السندات يتطلب النظر إلى عدد من المحددات الأساسية المرتبطة بهيكل الإصدار نفسه.

وأوضح قوشجي ن أول هذه المحددات يتمثل في أجل الاستحقاق، إذ تمنح السندات طويلة الأجل الحكومة مرونة زمنية أكبر لتوليد الإيرادات اللازمة للسداد، إلا أن المستثمرين في بيئة تتسم بارتفاع معدلات التضخم وتوقعات عدم اليقين يطالبون بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بأموالهم لفترات طويلة، الأمر الذي يزيد تكلفة الاقتراض.

أما المحدد الثاني فهو معدل العائد وآلية التسعير، حيث يتطلب تسويق السندات في سوق تفتقر إلى سوق ثانوية نشطة تقديم عوائد مرتفعة نسبياً لتعويض المستثمرين عن مخاطر السيولة ومخاطر الاحتفاظ بالسندات حتى تاريخ الاستحقاق.

وأكد قوشجي أن التحدي الأكثر أهمية يتعلق بعملة الإصدار، فالعجز مقدّر بالدولار الأميركي، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت السندات ستُصدر بالليرة السورية أم بالدولار.

ففي حال إصدارها بالليرة السورية تظهر فجوة بين عملة التمويل المحلية وعملة الالتزامات الأساسية، ما قد ينقل الضغوط إلى سوق القطع الأجنبي عند الحاجة إلى تمويل التزامات خارجية أو تأمين العملات الأجنبية.

أما إذا تم الإصدار بالدولار، فإن الحكومة ستكون مطالبة بتوفير تدفقات دولارية مستقبلية لسداد أصل الدين والفوائد، وهو ما قد يزيد الضغوط على سعر الصرف في حال عدم توفر موارد كافية من القطع الأجنبي.

شح السيولة

يتفق الخبيران على أن نجاح عملية الإصدار يرتبط بشكل مباشر بقدرة الحكومة على استقطاب المستثمرين في ظل بيئة اقتصادية تتسم بشح السيولة.

وترى الشياح أن الإقبال الشعبي على السندات الحكومية سيكون محدوداً بسبب تراجع الدخول الحقيقية للمواطنين وارتفاع معدلات الفقر، فضلاً عن توجه المدخرات الفردية نحو الدولار أو الذهب باعتبارهما أكثر أماناً من الاستثمار طويل الأجل في أدوات مالية مقومة بالليرة السورية.

وأضافت أن انخفاض الثقة بالعملة المحلية قد يدفع كثيراً من الأفراد إلى تجنب تجميد مدخراتهم في أدوات مالية قد تتآكل قيمتها الحقيقية بفعل التضخم.

بدوره، أوضح قوشجي أن سياسة تقييد السيولة التي يتبعها مصرف سوريا المركزي بهدف الحد من الضغوط التضخمية تؤدي بطبيعتها إلى تقليص الأموال المتاحة للاستثمار، ما يحدّ من الطلب المحتمل على السندات.

وأشار إلى أن المصارف تبقى الجهة الأكثر قدرة على الاكتتاب في هذه السندات، خصوصاً إذا كانت تمتلك ودائع طويلة الأجل وتسعى إلى تنويع محافظها الاستثمارية بعيداً عن مخاطر الإقراض للقطاع الخاص. وفي هذه الحالة قد تمثل السندات الحكومية استثماراً جاذباً إذا تجاوز العائد عليها تكلفة الأموال والودائع.

كما لفت إلى أن المؤسسات والصناديق والهيئات العامة التي تمتلك فوائض مالية بالليرة السورية يمكن أن تشكل شريحة مهمة من المستثمرين المحتملين.

إلا أن غياب سوق ثانوية نشطة للسندات يبقى أحد أبرز التحديات، لأنه يحرم المستثمرين من إمكانية بيع السندات قبل موعد استحقاقها، ما يجعل الاستثمار فيها أقل مرونة ويزيد من العائد المطلوب لتعويض هذه المخاطرة.

انعكاسات محتملة

حذّر الخبيران من أن استقطاب السيولة عبر السندات قد تكون له آثار جانبية على القطاع المصرفي والقطاع الخاص.

وأوضحت الشياح أن المصارف السورية، العامة والخاصة، قد تنظر إلى السندات الحكومية باعتبارها أداة استثمارية منخفضة المخاطر مقارنة بمنح القروض للقطاع الخاص، خاصة في ظل حالة الركود الاقتصادي وارتفاع احتمالات التعثر الائتماني.

ونتيجة لذلك قد تتجه نسبة كبيرة من السيولة المتاحة داخل المصارف إلى تمويل الحكومة بدلاً من تمويل المشروعات الإنتاجية والاستثمارية.

وتعرف هذه الحالة اقتصادياً بظاهرة “مزاحمة القطاع الخاص”، حيث يؤدي توسع الحكومة في الاقتراض إلى تقليص الموارد المالية المتاحة أمام الشركات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

كما قد يؤدي ارتفاع الطلب الحكومي على الأموال، وفقاً للشياح، إلى رفع أسعار الفائدة في السوق، ما يزيد من تكلفة الاقتراض على المستثمرين ويحد من قدرة القطاع الخاص على التوسع والإنتاج.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة السورية، لأن الاقتصاد بحاجة إلى تنشيط القطاعات الإنتاجية والزراعية والصناعية وإعادة تأهيل البنية التحتية، وهي أهداف تتطلب توافر تمويل كافٍ للقطاع الخاص، وليس فقط للقطاع الحكومي.

الدين العام

حول أثر السندات على الدين العام، أكدت الشياح أن تمويل العجز عبر إصدار السندات سيؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة حجم الدين الداخلي ورفع الالتزامات المالية المستقبلية المترتبة على الحكومة، سواء من حيث أصل الدين أو الفوائد المستحقة عليه.

وترى أن المشكلة الأساسية تكمن في احتمال ارتفاع حجم خدمة الدين خلال السنوات المقبلة، بحيث تستحوذ مدفوعات الفوائد والأقساط على جزء متزايد من الإنفاق العام، الأمر الذي قد يقلص الموارد المتاحة لتمويل قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية والاستثمارات التنموية.

كما حذّرت من أن استمرار العجز المالي خلال السنوات القادمة قد يدفع الحكومة إلى إصدار سندات جديدة لتسديد التزامات سابقة، ما قد يؤدي إلى دخول المالية العامة في حلقة متصاعدة من الاقتراض.

من جهته، ميّز قوشجي بين حالتين أساسيتين في استخدام حصيلة السندات:

وأشار إلى أن استمرار العجز الأولي وارتفاع تكلفة الاقتراض قد يقود إلى تراجع مؤشرات الجدارة الائتمانية، ويدفع المالية العامة نحو الاعتماد المتكرر على الاقتراض لخدمة ديون قائمة.

البدائل المتاحة

يرى الخبيران أن معالجة العجز لا ينبغي أن تعتمد على الاقتراض وحده، ويجب أن تكون جزءاً من برنامج إصلاح اقتصادي ومالي متكامل.

وأكدت الشياح أهمية إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، مع تأجيل بعض النفقات غير الضرورية، وتحسين كفاءة المؤسسات العامة، وتقليل الهدر المالي والإداري.

كما دعت إلى تعزيز الإيرادات العامة من خلال مكافحة التهرب الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين آليات التحصيل، إلى جانب تنشيط القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعة، بما يساهم في رفع الناتج المحلي وزيادة الإيرادات بصورة مستدامة.

وشددت على أهمية توسيع الشراكة مع القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات الاستثمارية والخدمية، وتحسين البيئة الاستثمارية لجذب رؤوس الأموال السورية في الخارج والاستثمارات العربية والأجنبية، فضلاً عن الاستفادة من الأصول العامة غير المستثمرة وإعادة هيكلة المؤسسات الخاسرة.

بينما أكد قوشجي ضرورة التركيز على ضبط الإنفاق الجاري غير المنتج، وإعادة هيكلة الدعم بما يضمن وصوله إلى مستحقيه الفعليين، وتخفيض النفقات الإدارية والاستهلاكية غير الضرورية.

وأشار إلى أهمية توسيع القاعدة الضريبية من خلال دمج الاقتصاد غير المنظم، وتحسين الامتثال الضريبي، والتوسع في استخدام أدوات الرقمنة الجبائية للحد من التهرب الضريبي.

وأضاف أن من بين البدائل الممكنة أيضاً السعي للحصول على تمويلات تنموية ميسرة من المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، لما توفره من فترات سماح طويلة وأسعار فائدة أقل من تكلفة السندات التجارية، فضلاً عن إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الاستثمار الإنتاجي واستثمار الأصول العامة غير المستغلة بعقود طويلة الأجل تدر إيرادات دورية للخزينة.

وبحسب الخبيرين، قد يمثل إصدار السندات الحكومية أداة تمويلية متاحة في ظل محدودية الخيارات الأخرى، ويبقى أقل خطراً من التمويل التضخمي المباشر، إلا أن نجاح هذه الأداة يعتمد على تصميم الإصدار بصورة مدروسة، وتوفير عوائد مناسبة للمستثمرين، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.

وفي الوقت ذاته أكدا أن الاقتراض لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لمعالجة جذور العجز المالي، وأن الاستدامة المالية على المدى الطويل تتطلب تعزيز الإيرادات العامة وترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو الأنشطة الإنتاجية القادرة على دعم النمو الاقتصادي وتوسيع القاعدة الضريبية، بما يخفف الحاجة إلى الاقتراض مستقبلاً ويحافظ على استقرار المالية العامة

الثورة




المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=206069

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc