أسواق النفط في مفترق طرق والأعين على هرمز
17/06/2026
سيرياستيبس
كتب الاعلامي غالب درويش
قال متخصصون في الشأن النفطي لـ"اندبندنت عربية" إن الأسواق انتقلت من مرحلة تسعير خطر الإغلاق الكامل لمضيق هرمز إلى مرحلة قياس أثر الأزمة على الشحن والمخزونات والطلب، معتبرين أن تراجع الخام دون 80 دولاراً لا يعني أن الأسعار عادت بالكامل إلى أساسيات العرض والطلب.
هبطت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أشهر مع اتساع الرهانات على إعادة فتح مضيق هرمز تدريجاً بعد ظهور ملامح اتفاق أميركي - إيراني موقت، غير أن الأسواق لم تتعامل مع الهبوط باعتباره عودة كاملة إلى ما قبل الحرب.
وخفف التراجع السريع في الأسعار من علاوة الأخطار، لكنه لم يلغ أثر أكثر من 100 يوم من الاضطراب في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، إذ لا تزال حركة الشحن والتأمين والمخزونات تمثل العوامل الأكثر حساسية في تحديد اتجاه الخام خلال النصف الثاني من 2026.
وأغلق خام "برنت" في تعاملات 16 يونيو (حزيران) عند 78.96 دولار للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى 76.05 دولار، بعدما فقدا نحو خمسة في المئة لليوم الثاني على التوالي، مع بدء الأسواق تسعير احتمال عودة جزء أكبر من التدفقات النفطية عبر هرمز.
ومع ذلك تبقى الأسعار أعلى من مستويات ما قبل الحرب، إذ كان خام "برنت" عند 72.48 دولار وغرب تكساس عند 67 دولاراً في 27 فبراير (شباط)، قبل اندلاع المواجهة بيوم واحد.
هرمز يعود إلى قلب التسعير
تراجعت المخاوف من الإغلاق الكامل، لكن أهمية المضيق لم تتراجع، فقبل الحرب، كان نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية يمر عبر هرمز، وهو ما يجعل أي خلل في الملاحة عاملاً مباشراً في أسعار الخام وكلفة الشحن والتأمين.
وتظهر أحدث بيانات منشورة عن تدفقات الربع الأول من 2026 أن حركة النفط والوقود عبر المضيق هبطت إلى نحو 14.6 مليون برميل يومياً، بانخفاض يقارب 30 في المئة عن 20.7 مليون برميل يومياً في الربع الرابع من 2025.
هذا الهبوط يفسر لماذا لا تقرأ السوق الاتفاق السياسي وحده، بل تراقب عدد الناقلات التي تعبر فعلياً، وسرعة عودة التأمين البحري إلى مستوياته الطبيعية، وقدرة المنتجين في الخليج على إعادة الإمدادات إلى مساراتها السابقة، ففتح الممر لا يعني بالضرورة عودة فورية للتدفقات، كذلك فإن الناقلات التي غيّرت مساراتها أو توقفت بانتظار وضوح الأخطار تحتاج إلى وقت قبل أن تعود إلى جداولها المعتادة.
الغاز يزيد حساسية المشهد
لا يقف أثر مضيق هرمز عند النفط، إذ أظهرت أحدث متابعات حركة الغاز الطبيعي المسال أن ثلاث ناقلات إضافية خرجت من المضيق في 11 يونيو، ليرتفع عدد شحنات الغاز الطبيعي المسال التي عبرت منذ بدء الحرب في أواخر فبراير إلى 12 شحنة فقط، وهو رقم يعكس بطء التعافي مقارنة بحجم التجارة المعتاد عبر الخليج.
وتزيد قطر من حساسية هذا الملف، إذ تستعد "قطر للطاقة" لاستئناف الإنتاج في منشآت رأس لفان، بينما تشير تقديرات حديثة إلى أن تضرر قطارين من أصل 14 قطاراً للغاز الطبيعي المسال خفض طاقة التصدير القطرية بنحو 17 في المئة.
وعلى رغم إمكان استعادة الطاقة غير المتضررة خلال نحو شهر، تبقى المشكلة الأهم في اللوجستيات وسرعة عودة السفن والتحميل عبر هرمز.
المخزونات ليست تفصيلاً جانبياً
تضغط المخزونات على معادلة الأسعار بقدر لا يقل عن ضغط الإمدادات، إذ قدّر محللون أن مخزونات الخام الأميركية انخفضت 4.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 12 يونيو، وهي القراءة التي إن تأكدت في بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية فستكون ثامن سحب أسبوعي متتالٍ للمرة الأولى منذ يناير (كانون الثاني) 2025.
وتزامن ذلك مع تراجع نشاط التكرير الصيني في مايو (أيار) بنسبة 9.1 في المئة على أساس سنوي إلى أدنى مستوى في نحو أربعة أعوام، ما يعكس ضعفاً في الطلب الآسيوي، لكنه يفتح في الوقت نفسه باباً لاحقاً لإعادة بناء المخزونات إذا تحسن النشاط الصناعي خلال النصف الثاني من العام.
من حرب الناقلات إلى أزمة 2026
يحمل مضيق هرمز ذاكرة طويلة في سوق الطاقة، فمنذ حرب الناقلات خلال ثمانينيات القرن الماضي، لم تتعامل الأسواق مع أي توتر في الخليج بوصفه حدثاً محلياً، بل باعتباره اختباراً لأمن الإمدادات العالمي. وتكرر الأمر في حوادث 2019 و2020، حين أدت الهجمات على ناقلات ومنشآت نفطية إلى ارتفاع كلفة الأخطار، قبل أن تعود الأسعار لاحقاً إلى قراءة أساسيات السوق.
الفارق هذه المرة أن الاضطراب طاول التدفقات لفترة أطول، وتزامن مع ضغوط على المخزونات وتباطؤ في بعض مؤشرات الطلب، وهو ما يجعل عودة السوق إلى وضعها السابق عملية تدريجية لا قراراً فورياً.
من تسعير خطر الإغلاق إلى قياس أثر الأزمة
قال متخصصون في الشأن النفطي لـ"اندبندنت عربية" إن الأسواق انتقلت من مرحلة تسعير خطر الإغلاق الكامل لمضيق هرمز إلى مرحلة قياس أثر الأزمة على الشحن والمخزونات والطلب، معتبرين أن تراجع الخام دون 80 دولاراً لا يعني أن الأسعار عادت بالكامل إلى أساسيات العرض والطلب.
قال المتخصص في شؤون النفط كامل الحرمي، إن السوق تخلصت من الجزء الأكبر من علاوة الخطر المباشر، لكنها ما زالت تحتفظ بعلاوة مرتبطة بعدم اليقين حول سرعة عودة الملاحة وحركة التأمين البحري. وأوضح أن النصف الثاني من 2026 سيبقى مرهوناً بمدى انتظام التدفقات عبر هرمز، وباتجاه الطلب الآسيوي، خصوصاً من الصين والهند.
وأشار الحرمي، إلى أن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب تحتاج إلى استقرار سياسي وملاحي مستمر، لا إلى اتفاق موقت فقط، لأن شركات الشحن والمصافي لا تبني قراراتها على الإعلانات السياسية، بل على سلامة الممرات وكلفة نقل البرميل.
مسارات السفن وعقود التأمين
من جانبه، قال مستشار الطاقة في شركة "هوك للطاقة" خالد العوضي إن سوق ما بعد هرمز لن تعود سريعاً إلى شكلها السابق، لأن الأزمة أثرت في مسارات السفن وعقود التأمين وجدولة الشحنات. وأوضح أن إعادة ترتيب التدفقات قد تستغرق ما بين شهرين وثلاثة أشهر، حتى مع استئناف الملاحة تدريجاً.
وأشار العوضي إلى أن الدول المستهلكة ستبدأ في مرحلة لاحقة إعادة بناء مخزوناتها التجارية والاستراتيجية، وهو ما قد يمنع الأسعار من الهبوط العميق إذا تزامن مع تحسن الطلب الصناعي في آسيا، ورجح أن يتحرك "برنت" حول نطاق قريب من 80 دولاراً للبرميل في المدى القريب، مع قابلية للارتفاع إذا تعثرت عودة الشحن أو بقيت كلفة التأمين مرتفعة.
وأضاف العوضي، أن سوق الغاز الطبيعي المسال ستظل عاملاً ضاغطاً، لأن أي تأخير في عودة الشحنات القطرية أو الإماراتية إلى مساراتها المعتادة سينعكس على آسيا وأوروبا، وقد يرفع الطلب على بدائل نفطية مع اقتراب موسم الشتاء.
رسم خريطة تجارة النفط
بدوره، قال المتخصص في شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي إن أزمة مضيق هرمز لم تعد رسم خريطة تجارة النفط العالمية بصورة نهائية، لكنها دفعت المنتجين والمستهلكين إلى إعادة النظر في مستوى المخزونات وخطط الطوارئ وتنويع مصادر الإمداد.
وأوضح أن الشركات ستعود إلى استخدام المضيق ما دام آمناً ومفتوحاً، لكن قرارات الشحن والتأمين ستصبح أكثر تحفظاً، لأن الأزمة أثبتت أن أي اضطراب في هرمز يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى عامل مؤثر في أسعار الطاقة العالمية.
وأشار الشوبكي، إلى أن النفط سيبقى خلال الأشهر المقبلة بين عاملين متعاكسين الأول تراجع علاوة الأخطار مع تقدم التسوية وعودة الملاحة، والثاني انخفاض المخزونات واللوجستيات الذي سيضع الأسعار تحت الضغط مع استبعاد العودة السريعة إلى مستويات ما قبل الأزمة.
مفترق طرق
خرج النفط من ذروة الخوف، لكنه لم يدخل بعد مرحلة الاستقرار الكامل، فالأسعار هبطت مع تراجع احتمالات الإغلاق الطويل، إلا أن السوق ما زالت تراقب ما إذا كانت الناقلات ستعود بالوتيرة نفسها التي تتوقعها الأسعار، وما إذا كانت المخزونات ستتعافى من دون موجة شراء جديدة تدعم الخام.
وبين اتفاق سياسي لم يكتمل أثره التشغيلي بعد، ومضيق لا يزال يقيس نبض الطاقة العالمية، تبقى أسواق النفط في مفترق طرق، فإذا انتظمت الملاحة وتراجعت كلفة التأمين وتحسن تدفق الغاز والنفط، قد تتراجع الأسعار تدريجاً.
أما إذا تأخرت عودة الشحن أو ظهرت عراقيل سياسية جديدة، فستعود علاوة هرمز إلى السوق سريعاً، وقد تستعيد الأسعار جزءاً من مكاسب الأزمة.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=206078