الدولار التهم الزيادة .. و الغلاء يتمدمد .. والمهلة الأخيرة لانهاء تبديل العملة على المحك
18/06/2026



 



الليرة تسجل مزيداً من الانخفاض عند مستوى 14500 للدولار... واقتصاديون: استبدال العملة القديمة أحد الأسباب


 

تحذيرات من أخطار انخفاض الليرة على معيشة الناس وانزلاقهم نحو مزيد من الفقر وسط دعوات لإعادة النظر في سياسات الاستيراد، في وقت لم تنعكس فيه الإجراءات الاقتصادية المعلنة ومشاريع الاستثمار والانفتاح الاقتصادي حتى الآن بصورة ملموسة على الواقع المعيشي للسوريين.

سيرياستيبس :

بينما تعيش العملة السورية القديمة المهلة الأخيرة لتبديلها إلى عملة جديدة محذوفة الصفرين، يستمر الدولار بالارتفاع أمام الليرة، تاركاً وراءه موجات متتالية من الغلاء وتدهور المعيشة، وسط تقارير أممية تقول إن 80 في المئة من الأسر السورية ما زالت غير قادرة على تأمين حاجاتها الغذائية بصورة منتظمة.

وضع انخفاض سعر الليرة حياة ملايين السوريين على المحك، فمن يتقاضى راتباً بالكاد يكفيه أسبوعاً، حتى بعد الزيادة التي طاولته أخيراً وبلغت 50 في المئة، ومن لا عمل له يواجه خيارات مريرة إن لم يكن مسنوداً بحوالة تأتيه من قريب في الخارج، أو بعمل خاص، أو بأرض يزرعها، في ظل تراجع المساعدات الإنسانية للبلاد.

أما عمال وموظفو القطاع الخاص فينتظرون ويطالبون بتحسين رواتبهم وأجورهم، بينما لجأ عمال بعض الشركات الخاصة إلى الإضراب مطالبين بزيادة رواتبهم وتحسين ظروف عملهم.

وأكد اقتصاديون في حديث مع "اندبندنت عربية" أن "دولرة الاقتصاد"، وتراجع الإنتاج، وعجز السياسات النقدية عن الإحاطة بسعر الصرف والسيطرة عليه، إلى جانب استمرار العقوبات، وتأخر دخول الاستثمارات، ووضع موعد نهائي لتبديل العملة، كلها عوامل تقف وراء ارتفاع الدولار، الذي شهد تذبذباً واضحاً خلال الأيام الأخيرة، إذ تخطى عتبة 14 ألف ليرة.

وبعد انخفاض لافت في سعر الليرة السورية أوصل الدولار إلى 14800 ليرة الأسبوع الماضي، بدأت الليرة الأسبوع الجاري بصورة أفضل، إذ يسجل الدولار حالياً سعر صرف يراوح ما بين 14300 و14500 ليرة، مما تسبب في موجة كبيرة من ارتفاع الأسعار طاولت كل شيء، لا سيما الغذاء والسلع الأساسية والوقود.

موعد نهائي لاستبدال العملة

في وقت لم تتوقف فيه الانتقادات الموجهة إلى عملية تبديل العملة بعد حذف صفرين من العملة القديمة، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي الجديد، محمد صفوت رسلان، تمديد مهلة استبدال العملة الجديدة بالسورية القديمة 30 يوماً إضافية اعتباراً من الأول من يوليو (تموز)، كآخر تمديد، مما يعني أن كل من لم يستبدل أمواله ستتحول إلى أوراق بلا قيمة.

وجاء إصرار الحاكم على الموعد الجديد لقطع الطريق على المضاربين وضخ أموال الاقتصاد الموازي داخل البنوك قبل نهاية الصيف، علماً أنه، وبحسب "المركزي"، استبدل نحو 66 في المئة من الكتلة النقدية القديمة حتى الآن.

جعل تحديد موعد نهائي لإنجاز تبديل العملة السوريين يسابقون الزمن لاستبدال ما لديهم من أموال، ولن تكون الليرة الجديدة خيارهم الوحيد، في ظل وجود خيارات أخرى كالدولار والذهب، وهو ما جعل قرار استبدال العملة يصنف كأحد الأسباب التي أدت إلى ارتفاع الدولار الحالي أمام الليرة.

استبدال خارج القطاع المصرفي

من وجهة نظر المتخصص المصرفي السوري أنس فيومي، فإن دعوة المركزي المواطنين إلى الإسراع في استبدال العملة القديمة قبل فقدانها قيمتها الإبرائية في نهاية يوليو المقبل، تطرح سؤالاً مهماً حول ما إذا كان "المركزي" سيتمكن فعلاً من إنجاز كامل عملية الاستبدال حتى ذلك التاريخ.

وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى البداية عندما طرح "المركزي" ست فئات نقدية جديدة، مع وعد بطرح فئتين إضافيتين، إحداهما فئة الخمس ليرات التي تعادل 500 ليرة قديمة، وهي فئة مهمة جداً للتداول، ولا سيما في الأسواق والنقل ودفع الرسوم والفواتير وغيرها.

وتساءل، هل يعد ذلك إعلان موت سريري لهذه الفئة؟ علماً أن هذا سيخلق ضغطاً على فئتي 25 ليرة و10 ليرات، القليلتين نسبياً في التداول، للوصول إلى فئة الخمس ليرات، معتبراً ذلك بمثابة مؤشر اقتصادي ومالي سلبي، وأسهم في خلق مؤثر جديد على حال التضخم التي تعانيها البلاد في الأصل.

وكشف فيومي، عن تأثيرات عملية الاستبدال على سعر الصرف، لا سيما بالنسبة إلى الكتلة النقدية الموجودة خارج نطاق المصارف، نتيجة سياسة ضبط السيولة التي بدأها "المركزي" منذ أعوام طويلة، مما دفع شريحة واسعة من التجار والمقاولين إلى الاحتفاظ بالسيولة خارج المصارف لتلبية مدفوعاتهم، فضلاً عن شريحة أخرى كانت لديها سيولة نقدية وجدت نفسها اليوم مضطرة إلى الإسراع في عملية الاستبدال.

وأضاف أنه بسبب عدم الثقة بالقطاع المصرفي لإيداع أموالهم والتصريح عنها، توجه كثر إلى استبدالها النقد الأجنبي بها، مما زاد من حجم الطلب عليه، إضافة إلى حجم كبير من الإشاعات التي طاولت إصدار الليرة السورية الجديدة، ودفع ذلك شريحة واسعة إلى اختيار الاستبدال بالنقد الأجنبي.

وأوضح المصرفي أن جملة من العوامل والأسباب أدت إلى تراجع الليرة، منها زيادة الطلب على عمليات الاستيراد الواسعة، وعدم وجود إنتاج حقيقي قوي، لا سيما الإنتاج الصناعي، يدعم الليرة السورية، وتراجع الحوالات والقرارات المتعلقة بها، وأيضاً أوضاع السيولة المصرفية، والوضع الإقليمي المتوتر، وغيرها من العوامل.

لكنه أشار إلى وجود أثر آخر مهم جداً، إذ لوحظ ارتفاع سعر الصرف بصورة متسارعة مع البدء بتطبيق الرسوم الجمركية الجديدة.

أخطار انخفاض الليرة

قال الصحافي المتخصص في القضايا الاقتصادية مرشد ملوك، إن تسريع استبدال العملة قد أثر حكماً في سعر الصرف بعد إعطاء مهلة نهائية للتبديل، بينما لا تزال كتلة نقدية كبيرة من دون استبدال، وكلها خارج القطاع المصرفي، إلا أن تأثير الاستبدال يشكل عاملاً من مجموعة عوامل متهمة بانخفاض الليرة السورية، وأهمها المستوردات، وتمويل موسم القمح، واستمرار العقوبات، إضافة إلى استبدال العملة والمضاربة، وكل ذلك خلق مشهداً معقداً في ظل عجز المركزي عن تلبية الطلب الحقيقي على الدولار.

وأضاف "مع تعدد الأسباب التي تقف وراء انخفاض الليرة، فإن الخطر الأول لهذا الانخفاض يبرز من خلال الصدمة التي يتعرض لها المواطن السوري بمختلف شرائحه، ففي وقت توقع فيه الجميع أن تتحسن قيمة الليرة بفعل ما يجري ضخه إعلامياً عن استثمارات قادمة إلى البلاد، جاء انخفاض الليرة عكس المتوقع تماماً، وهنا تكمن الخطورة في خلق شعور بعدم الثقة بالإجراءات الاقتصادية، مما سيكون له انعكاس غير إيجابي على الاقتصاد الوطني".

وأكد الصحافي في حديثه أن الارتفاع الحالي، الذي وصفه بالمتسارع، في سعر صرف الدولار هو نتيجة تراكم أخطاء السياسات النقدية والاقتصادية السابقة الداعمة للاستيراد، بحجة التخفيض القسري للأسعار إلى ما دون كلفة الإنتاج دعماً للمستهلك و"انتقاماً من الصناعي"، بحسب تعبيره.

وأشار في هذا السياق إلى بروز معادلة نقدية جديدة في السوق السورية، إذ كان من المتوقع أن تقدم سياسة تجفيف السيولة ووقف الإقراض حلاً إسعافياً لانخفاض قيمة الليرة، لكن ما حدث أدى إلى زيادة التعامل بالدولار، سواء في التعاملات اليومية أو الصفقات الكبرى، مما عزز الطلب على الدولار، وأدى إلى الحد من الطلب اليومي على الليرة لتلبية حاجات التعامل، في ظل عدم وجود السيولة النقدية السورية الكافية.

وأضاف أن هذا الواقع دحض فكرة أن تجفيف السيولة وندرتها في السوق يمكن أن يكبح جماح التضخم وارتفاع الأسعار، لا سيما في ظل عدم وضوح وشفافية الإجراءات الاقتصادية الأساسية، وهذا يعني أن الدولار استغنى عن الليرة ولم يعد في حاجة إليها، مما أدى إلى مزيد من تراجعها.

ولفت ملوك إلى خطورة انخفاض قيمة الليرة والعودة إلى حال عدم الاستقرار في سعر الصرف، التي كانت من أهم العوامل التي قوضت استقرار الاقتصاد السوري على مدى 14 عاماً.

استيراد الأساسيات من غذاء ودواء

قال الصناعي السوري محمد عيدي إن التصرف الأسلم لمواجهة تدهور الليرة هو السيطرة على هذا التدهور، وهو ما لن يحدث إلا من خلال إعادة النظر في الاستيراد المنفلت، باعتباره هدراً للقطع الأجنبي في بلد ما زال اقتصاده هشاً، وما زالت موارده من العملات الأجنبية محدودة جداً.

ودعا الحكومة إلى توجيه القطع الأجنبي لاستيراد الأساسيات من غذاء ودواء، والعمل على خلق فرص عمل واستثمار على مستوى الأفراد والمناطق، وإيجاد أوعية ادخارية مثل سندات الخزانة قصيرة الأجل بعوائد مضمونة.

وأكد في حديثه ضرورة وقف انهيار الليرة ومنع المزيد من تدهورها، من خلال العمل على إبطاء الانهيار عبر تنظيم السوق الموازية والاعتراف بها عوضاً من محاربتها. وقال "لم يعد ما نشهده اليوم مجرد تقلبات موسمية في السوق، بل هو أزمة ثقة في الإجراءات النقدية والاقتصادية، وفي القدرة على الحفاظ على سيادة العملة، مع غياب التدخل الفاعل من الاحتياطات الأجنبية، واستمرار عجز الميزانين التجاري والمالي. وهذه كلها عوامل جعلت من سعر الصرف مؤشراً إلى المضاربات أكثر منه انعكاساً للعرض والطلب الحقيقيين".

التحوط تجاوز 20%

في ظل استمرار حال عدم اليقين المرتبطة بأسعار الصرف وكلفة الاستيراد والنقل والتمويل، لجأ التجار في مختلف القطاعات التجارية والإنتاجية إلى التحوط من خلال فرض هوامش أمان مرتفعة تجنبهم أي خسائر محتملة، مما تسبب في ارتفاع الأسعار وأثقل كاهل المستهلكين.

ووصف الاقتصادي عبدالحميد سليمان تحوط التجار بأنه مبالغ فيه، وأنه أدى إلى رفع الأسعار إلى مستويات تفوق الكلفة الفعلية، مشيراً إلى أن نسبة التحوط المرافقة لارتفاع سعر الصرف الحالي بلغت أكثر من 20 في المئة بالنسبة إلى كثير من السلع.

تجار قالوا لنا إن التحوط يساعدهم في استيعاب أي اختلالات في سعر الصرف أو عمليات الاستيراد وارتفاع كلفتها، ويمكنهم من الاستمرار في نشاطهم من دون خسائر تبدو محتملة، وأحياناً مؤكدة، في حال لم يلجأوا إلى التحوط، مشيرين إلى أن ارتفاع أسعار السلع أفضل من انقطاعها، لا سيما السلع الغذائية.

"الدولرة" أصبحت واقعاً

بينما ينشغل السوريون بحساب قيمة عملتهم الجديدة مقارنة بالقديمة، استطاعت الأسواق أن تفرض تسعيراً بالدولار، وإذا ما أجبرت على وضع الأسعار بالليرة، فإنها تحتسب الدولار بسعر أعلى من السوق الموازية ومن أسعار شركات الصرافة.


المحال التي تبيع بالدولار تسعره حالياً عند 15 ألف ليرة، وترفعه مع كل ارتفاع جديد، محافظة على فارق يصل إلى 500 ليرة عن سعر السوق، وأحياناً أكثر، فعلى سبيل المثال، فإن محال "ون دولار" التي انتشرت في البلاد بكثرة، تسعر سلعها وفق دولار يعادل 15 ألف ليرة.

ولم يقتصر تمدد "الدولرة" على التسعير بالدولار فحسب، بل ظهر أيضاً في استخدام عملات أخرى في التعاملات، كالدولار والليرة التركية على حساب الليرة السورية، خصوصاً في مناطق شمال البلاد، إذ حذر خبراء اقتصاديون من "تفتت السيادة النقدية"، وفي المقابل، تشير المعلومات إلى أن التعامل بالليرة السورية في لبنان والأردن ما زال محدوداً جداً.

الغلاء يتمدد

مع ارتفاع سعر الدولار أمام الليرة، ونتيجة التأثر بالظروف الجيوسياسية وارتفاع كلفة الاستيراد والطاقة وغيرها، أصبح الغلاء واقعاً مريراً يجتاح حياة السوريين بلا رحمة، بخاصة أن الارتفاعات تجاوزت 40 في المئة، وفقاً لتجار مفرق في العاصمة دمشق.

وحلقت الأسعار بعيداً من إمكانات غالبية السوريين، وأدت إلى مزيد من التعقيد في إدارة متطلبات معيشتهم، بعدما طال ارتفاع الأسعار السلع والأغذية ومواد البناء والإيجارات والوقود، الذي تواصل الشركة السورية للبترول رفع أسعاره مع كل ارتفاع في سعر الدولار.

لم يكن الخبز بمنأى عن الغلاء، بعدما قررت وزارة الاقتصاد والصناعة إنقاص عدد أرغفة ربطة الخبز الواحدة من 10 إلى 8 أرغفة، في محاولة لاحتواء ارتفاع الكلفة.

وحذر اقتصاديون من تفاقم الأوضاع المعيشية في سوريا، في ظل الفقر الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع الخدمات الأساسية.

وحذر برنامج الأغذية العالمي من تفاقم الأزمة الغذائية في سوريا، مشيراً إلى أن 18 في المئة فقط من السكان يتمتعون بالأمن الغذائي، في وقت اضطر فيه البرنامج، بسبب نقص التمويل، إلى خفض مساعداته الغذائية الطارئة إلى النصف.

وأفاد البرنامج، في تقرير جديد له، بأن أكثر من 80 في المئة من الأسر السورية ما زالت غير قادرة على تأمين حاجاتها الغذائية بصورة منتظمة، على رغم التحسن التدريجي في بعض مؤشرات الأمن الغذائي.

وأضاف أن ارتفاع كلفة المعيشة لا يزال يشكل عبئاً كبيراً على السكان، إذ ارتفع الحد الأدنى لسلة الإنفاق الأساسية إلى نحو 24 ألف ليرة سورية "أقل من دولارين"، بينما لا يغطي دخل الأسر سوى نحو ثلث حاجاتها الأساسية، حتى بعد زيادة الأجور بنسبة 50 في المئة.

وأسهم التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية خلال الأشهر الأولى من العام الحالي في إضعاف القدرة الشرائية للسكان.

وشدد برنامج الأغذية العالمي على ضرورة استمرار الدعم الإنساني بالتوازي مع جهود التعافي الاقتصادي، محذراً من أن عدم تلبية الحاجات الأساسية للسكان قد يعرقل الاستقرار والتعافي، ودعا إلى توفير تمويل عاجل لدعم سبل العيش والزراعة والأسواق وشبكات الحماية الاجتماعية.

وفي ظل ارتفاع الأسعار الحالي، ووفقاً لمتخصصين، فإن الأسرة السورية المكونة من خمسة أشخاص أصبحت في حاجة إلى 1200 دولار شهرياً لتأمين حياة كريمة بالحد الأدنى، بينما لا يتجاوز راتب الموظف العادي 120 دولاراً، مع عدم وجود عدالة بين الموظفين أنفسهم، إذ إن فئة منهم تتقاضى رواتب مرتفعة وبالدولار.

ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه البلاد انتشاراً واسعاً للبطالة وارتفاع معدلاتها، التي قالت مصادر بحثية إنها تبلغ نحو 80 في المئة، مع وجود نقص كبير في فرص العمل، وارتفاع كبير في أسعار الطاقة والوقود، وغلاء أجور النقل وأسعار السلع الأساسية، إضافة إلى ارتفاع كلفة الاستشفاء والطبابة.

ويحدث كل ذلك في وقت لم تنعكس فيه الإجراءات الاقتصادية المعلنة ومشاريع الاستثمار والانفتاح الاقتصادي حتى الآن بصورة ملموسة على الواقع المعيشي للمواطنين، فيما يواصل التضخم استنزاف أصحاب الدخول المحدودة ورفع مستويات الإنفاق المطلوبة لتأمين الحاجات الأساسية.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=206081

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc